كربوج وكلاج وورد الشام: أشهى حلويات رمضان من طرابلس اللبنانية

لكل الأشياء والمظاهر في رمضان طعم خاص، فما أن يحل الشهر، حتى تنقلب المعايير، وسبل الحياة، ووسائطها، ومن أبرز ما يطاله التغيير الرمضاني هي أصناف الحلويات الشديدة اللذة والتنوع.

  • فادي شرف الدين يسقي ورد الشام بالسمنة
  • صناعة الكلاج

من الحلويات التي يزدهر الاعتماد عليها في رمضان، هي الكربوج (الحلبي)، والكلاج، وورد الشام، والبصمة، وحلاوة الأرز وسواها من أصناف. ولئن عادت مراكز تصنيع الحلوى الحديثة لتصنيع هذه الأصناف، لكن غالبيتها انطلقت من محل متواضع في أسواق طرابلس القديمة، في زاروب أثري يعرف بحي الرمانة المتفرع من سوق النحاسين التراثي، وهو ينتمي في إنشائه إلى الحقبة المملوكية.

منتصف الزاروب، يقوم محل ديب شرف الدين، وهو غرفة لا تتعدى العشرين متراً مربعاً، يمتهن فيها  العديد من أصناف الحلويات. ويقول إن شقيقه اكتسب صناعة أصناف الحلويات الرمضانية من معلميها الأقدم في المدينة القديمة، عندما كانوا يرسلون صدور حلوياتهم إلى فرن والده بهدف شيِها، فكان شقيقه يسأل عن مكوناتها، وطريقة تصنيعها، حتى اكتسبها، ثم ورثها منه بعد وفاته، واستمر بها، "ومن عندي، خرجت إلى بقية أنحاء المدينة"، كما قال. 

الحلواني ديب تقدم التسعين في السن،  وتابع أبناؤه الخمسة الحرفة، ومع تقدم الزمن، لم تعد المهنة تغطي احتياجات الأبناء الخمسة، فامتهنوا أعمالاً أخرى، إلا واحداً منهم، وهو فادي، يتابع مسيرة والده طوال العام.

ويفيد فادي أنه "في شهر رمضان، ونظراً لزيادة الطلب على حلوياتنا، يضطر أخوتي للعمل معي، وقد كسبوا مهارات المهنة عن الوالد، نتابعها معاً لأننا لا نريد أن تفلت من أيدينا، وهي التي ما انفك الطلب عليها يزداد، اللهم إلا هذا العام، بسبب احتياطات الكورونا، والغلاء الفاحش، وقلة الأموال لدى الناس". 

  • تقطيع الكربوج عند بيعه

من أبرز منتجات مشغل شرف الدين هو الكربوج، ويذكر ديب أن "بقية محلات الحلويات في المدينة، خصوصاً منها التي نشأت وتطورت حديثاً، وأسست صالات ومشاغل كبيرة خارج البوتقة القديمة للمدينة، نقلها معلمون تدربوا عليها في مشغلنا".

ويفيد ابنه الأكبر كنعان "الميادين نت" أن الطلب على الكربوج يبدأ أول رمضان بالتمام، ويتوقف بسحر ساحر بنهايته، قائلاً أنه "رغم محاولتنا ترويجه بقية أيام السنة، لكننا لم نفلح".

ولا يعرف كنعان، وشقيقه فادي سبب إحجام الناس عن تناول الكربوج بقية أيام السنة، وربما يكمن السر "في تخصيص هذا الصنف من الحلوى بطبقة بيضاء سكرية سميكة، نصنعها خصيصاً بهذه السماكة لتعويض نقص السكر في الجسم جراء ساعات الصوم الطويلة، خصوصاً في أيام الصيف الطويلة".

  • فن تزيين الكربوج

يسمي فادي هذه الطبقة البيضاء بـ"الناطف" وهي مصنوعة من "شرش الحلاوة" الذي يقومون بطحنه في المشغل، مع إضافة القليل من السكر الناعم عليه.

و"الناطف" قد يستعمل في أصناف حلوى أخرى، لكن ليس بالكمية عينها التي تخصص للكربوج، بحسب فادي الذي لا يغادر المحل موصلاً الليل بالنهار لما تستغرقه عملية تصنيع الأصناف المختلفة من الوقت. ويضيف أن الكربوج أصناف نسبة لحشوته، فمنه المحشو بالفستق الحلبي، أو اللوز، أو الجوز بعد هرسها، وإضافة بعض المنكهات عليها، لكن المشترك بينها أن الحشوة توضع بين طبقتين من "السميد" المقلي بالسمن بنسبة خفيفة. 

ويذكر فادي أن بعض الأصناف المتبقية قد تتغطى بطبقة رقيقة من الناطف، أو السكر، ومن هذه الأصناف المعمول بطريقتيه المد والأقراص.

من الحلويات التي يعتبر ديب شرف الدين أنه حافظها، ومنبعها في المدينة، هو الكلاج، ويشرح فادي أن عجينته مصنوعة من الأرز بطريقة خاصة حيث يجري تحويل العجين إلى رقاقات كالرغيف، وتبدو صفراء اللون، ويجري لف أقسام من العجينة، ورصفها بصدر واسع من النحاس، ويقوم فادي بعد الانتهاء من مدها، بحشوها بالقشطة.

  • صدر كلاج الجوز قبل إضافة الناطف
  • كلاج مصنوع على شكل كرات

ومن الحلويات الأخرى المطلوبة في رمضان هي "ورد الشام" التي تصنع من الطحين بعد تحويل عجينته إلى صفائح شديدة الرقة، ويشرح فادي أنه يقوم بمد الرقاقات في صدر نحاس، ثم يتولى تقطيعها أفقياً وعمودياً وتحويلها مربعات، وبعد الانتهاء، يصب السمن المذوب عليها حتى تغطيتها بالسمن بصورة تامة، ويتركها لبعض الوقت في صدر النحاس، ثم يقوم بحشوها بالقشطة أو بالجبنة، فتخرج أكلة نادرة طيبة المذاق.

"البصمة" هي أيضاً أكلة رمضانية بامتياز، ترتكز بحسب فادي شرف الدين على الشعيرية، أي لفافات العجين الرقيقة جداً، حيث تشوى الشعيرية بوعاء مستدير، قليل العمق، يناهز قطره الثلاثين سنتمترا، أو أكثر قليلاً، ومعها قليل من السمنة، وبعد أن يبرد الوعاء، يجري مد القشطة على سطح الشعيرية في الوعاء، ويغطيها بطبقة ثانية من وعاء آخر، فتخرج "البصمة" بطبقتين من الشعيرية، وبينهما القشطة.

أصناف أخرى تستخدم في مختلف أيام السنة، يصنعها مشغل شرف الدين، منها البقلاوة، والمعمول بالأقراص أو ممدوداً، وفي الأيام العادية، وبهدف الخدمة السريعة، يصنع مأكولات كاللحمة بالعجين، وسواها، فيمر عابر سبيل، على عجلة من أمره، يتناول واحدة متابعاً سيره في أزقة المدينة الداخلية الأثرية.

الأسعار والتكاليف

يشكو شرف الدين من الارتفاع الكبير بأسعار المواد الأولية كالفستق الحلبي، والجوز، واللوز والسمنة، ويفيد أن الزيادة ناهزت الثلاثة أضعاف هذا العام، رغم ذلك، كما يقول، "لم نزد التسعيرة كثيرا لأننا لا نريد أن نحرم الفئات الشعبية من حلوى رمضان، وهذه الفئة هي عماد زبائننا”. 

وبينما يزيد سعر الكربوج في محلات الحلوى الفاخرة على الأربعين الفاً للكيلوغرام، فإنه ما يزال بعشرين ألفاً للكربوج بالجوز، و٢٥ ألفاً بالفستق الحلبي عند شرف الدين.

يحاول شرف الدين الحفاظ على جودة صناعته باستخدام المواد الأصلية، لكن بتقليل التكاليف غير الضرورية في الأوساط الشعبية مثل وسائل التوضيب، ومطبوعات الدعاية التي تغيب بالكامل، مستنداً إلى وفر في إيجار المحل، وهو في الأساس صالة صغيرة، كذلك بالاعتماد على الذات في التصنيع دون الاعتماد على صناع من الخارج.

وفي السوق الخارجية من المدينة القديمة، حاولت العديد من محلات تصنيع الحلوى تقديم الأصناف الرمضانية بتصاميم، وتشكيلات مختلفة تتعدى المد الذي يركز شرف الدين عليه، لكنها تباع بأسعار عالية مقارنة مع أسعار شرف الدين في أحياء المدينة الأكثر ثراء، وحيث يقصد تلك المحلات كثير من اللبنانيين من خارج المدينة، ومن السواح. 

يبقى محل شرف الدين في زقاق عتيق داخل المدينة، بنظر أصحابه، أساس صناعة الحلويات الرمضانية كالكربوج، والكلاج، وورد الشام، محافظاً على إرث قديم بمذاقه، وجودته، رغم أن هذه الأصناف لم تعد مقتصرة على مشغله، وباتت تنتشر في العديد من المحلات في الجزء الحديث من المدينة.