رمضان في طرابلس اللبنانية.. سيد القوانين والقيم

يعتبر شهر رمضان في مدينة طرابلس اللبنانية، شهر انقلاب الحياة، والتجدد الروحي والجسدي، والديني والدنيوي. حيث يعيش الطرابلسي هذا الشهر بكل أبعاده، وقيمه، وتقاليده.

  • رمضان الطرابلسي سيد القوانين والقيم
    تزيين المساجد في طرابلس

لا صوت يعلو صوت رمضان في مدينة طرابلس اللبنانية، ولا قيم أغلى من قيمه، ولا قوانين تتبع سوى قوانينه. إنه شهر الإيمان، والتقوى، والصوم، وشهر انقلاب الحياة، والتجدد الروحي والجسدي، والديني والدنيوي.

يتهيأ الطرابلسي لاستقبال رمضان بشغف، رغم كل ما يقال عن قساوة الصوم، ووطأته، خصوصاً في أوائله، وأكثر خصوصية في الأيام الطوال، واشتداد الحر حيث يشتد العطش، ويطول الجفاف، لكنه يتحمله "فالأجر يصبح أكبر"، حسب إيمانه.

ويحل رمضان، فإذا حياة الماضي القريب تنتهي، ويبدأ ما يشبه العصر الجديد، لكن لشهر كامل، يعيشه الطرابلسي بكل أبعاده، وقيمه، وتقاليده، في حركة انقلابية، متجددة تبعث الفرح، ينسى خلالها الطرابلسي كل مآسيه، ويتحملها بقدرته الإيمانية.

وكلما أوغلت الأيام الرمضانية، كلما أصبحت الممارسة الرمضانية أكثر فعالية، ودينامية، وحضوراً. ففي الأيام الأولى، يبدو الليل الرمضاني بطيئاً، هادئاً، ومع تقدم الأيام، تتصاعد الحركة اليومية، والنشاط الليلي.

بعد صلاة السحور، يبدأ الصوم، ويمتد اليوم ساكتاً حتى الظهيرة، فتبدأ الحركة بطيئة، ولا تلبث أن تنشط حيث يستعد الجميع لتحضير متطلبات الفطور، والسهر الليلي، وفي انتظار السحور التالي، لا يترك الطرابلسيون ممارسة إلا ويمارسونها، منها الروحي، ومنها الدنيوي.

بعد الفطور، أول ممارسة يندفع الطرابلسي إليها هي صلاة التراويح، تقام في مختلف مساجد طرابلس، الأثري منها ك"المنصوري الكبير"، و"الطينال"، و"التوبة"، و"البرطاسي"، أو الجديد كمساجد منطقة الضم والفرز الحديثة، وأبرزها مسجد الرحمن الذي تمتد فيه صفوف المصلين إلى الشارع العام.

ثم ينطلق المصلون نحو أحياء المدينة المختلفة، فيتجمعون، ويتلاقون حيث يتعذر في الأيام العادية، وبذلك، يعيد رمضان وصل ما انقطع من وداد بين الناس، ويحيي روابط المجتمع الاجتماعية، فترى الناس جماعات في الشوارع، وعلى الأرصفة، ومنهم من يرتاد المقاهي الشعبية التراثية الشهيرة، كمقهى "فهيم" على ساحة التل، وقهوة التل العليا، ومقاهي موسى في باب الرمل، كما تكتظ المقاهي والمطاعم في القسم الحديث من المدينة، يمضي الناس فيها أوقاتهم، يتسامرون، ويمارسون ألعاب التسلية ك"النرد"، و"المنقلة"، وطاولة الزهر، وألعاب الورق، وتسيطر النراجيل على الموقف.  

المسحراتي من "أقرب التقاليد على القلوب"

يمتد السهر حتى ما بعد منتصف الليل، ويبدأ سماع أصداء طبل المسحراتي متقدماً من بعيد، ويدنو رويداً رويداً، وينتظر الجميع وصوله رغم اعتيادهم عليه، فالمسحراتي تقليد من أقرب التقاليد على القلوب، فهو مؤنس في الليالي، بإيقاعاته وأنوار مصابيحه، وخصوصا لما ينقله المسحراتي من أدعية، وما يتلوه من صلوات محببة على القلوب.

  • مسحراتي يجول في شوارع طرابلس
    مسحراتي يجول في شوارع طرابلس

وتقليد "المسحراتي" متشعب في طرابلس، فهناك فرق متخصصة منه، تتقاسم أحياء المدينة، يساعد على ذلك انتظام شوارعها وأحيائها، فلا يتضارب مسار مسحراتي مع مسار آخر. وينتمي كل مسحراتي لفرقة، تبدأ التجوال على المنازل بعد منتصف الشهر، تقيم الأدعية والصلوات، وكثيراً ما تلبي الفرق طلبات السكان، كل وفق ما يحب من أدعية. 

طرابلس مدينة الحلويات

تشتهر طرابلس بالحلويات الرمضانية، وأبرزها "الكربوج" الذي يبدأ بيعه في شهر رمضان فقط لما يؤمن من طاقة سكرية متوافرة في "شرش الحلاوة" الذي تغطي عجينته أسطح المعمول الممدود، المحشي بالجوز أو الفستق الحلبي. 

كما تشتهر حلويات أخرى أكثر ما تطلب في شهر رمضان وتتوافر بقية أيام السنة، مثل ورد الشام، والكلاج، والعثملية وسواها من حلويات.

أعتق مشاغل الكربوج مشغل كنعان شرف الدين القائم في زاروب داخل الأحياء الأثرية في محلة تعرف ب"الرمانة".

يفيد كنعان أن والده علمها لمعلمين آخرين، نقلوها إلى بقية المشاغل، ومنهم من أتقنها، وتفنن بصناعتها أشكالاً متجددة، لكن بأسعار غالية.

  • تشتهر طرابلس بالحلويات الرمضانية
    تشتهر طرابلس بالحلويات الرمضانية

ويستغرب شرف الدين مناخات هذا العام، ويقول ل"الميادين نت"، إنه "كان يتوقع أزمة في المبيعات بسبب الأزمة الاقتصادية، وانتشار "الكورونا، لكننا تفاجأنا أن الناس تحدت الكورونا، وسيطرت على الأزمة الاقتصادية، ونحن نبيع أضعاف السنوات الماضية". 

من الحلويات أيضاً "الشميسة"، التي تصنعها تقليدياً عائلة من آل الحداد، يفيد القائم على بسطتها عامر حداد أن والده ورثها عن أجداده، وهم الذين ابتكروها.

أصبحت بسطة الحداد لـ"الشميسة" تقليداً رمضانياً، فمنذ أول الشهر، يقيم بسطته في شارع التل، ولا يغادره حتى نهاية رمضان، عارضاً أيضاً حلويات المحاشي بالقلوبات.  

بائع العصائر الطرابلسية

ولرمضان عصائره التي تتوافر طوال أيام السنة، لكنها تزدهر في رمضان، خصوصاً منها الخرنوب الذي يؤمن طاقة سكرية مفيدة للصحة، والسوس، والتمر الهندي، والعصائر الطازجة كالليمون، والجزر، والتفاح.

وأبرز باعة الخرنوب بائع تراثي موجود على زاوية السراي العتيقة، تحمل بسطته لوحة تذكر أنها تعود لسنة ١٨٩٣. 

لا يتوقف البائع عن الحركة طوال النهار، لذلك يتناوب على البيع أكثر من شخص، يقدمون كباية الخرنوب المثلجة، والمنعشة، أو قناني الخرنوب المعبأة، وبعض من الباعة يبيعها بأكياس نايلون للسرعة.

وثمة مصنع للخرنوب في المدينة، يستورد مادته من الصين أو الهند، دون إغفال المنتوج المحلي من الخرنوب الذي لا يغطي حاجة السوق المحلية. 

الأطعمة الرمضانية الطرابلسية

  • كعكة طرابلسية
    كعكة طرابلسية

أبرز الأطعمة الرمضانية التي تتصدر سفرة الفطور الشوربة بعدس، والفتة، ثم ما يتوافر من وجبات أهمها "ورق العنب" المطبوخ باللحم، مع المقادم التي تؤمن نسبة عالية من الدهنيات، والطاقة التي يفتقدها الناس في ساعات الصوم الطويلة نهاراً.

وللكعكة الطرابلسية موقع خاص في الساحات الرمضانية، إضافة لمخبوزات متنوعة، وكثيرة الأصناف تشتهر بها أفران طرابلس التراثية، والتقليدية.

والشهر يطل على ربعه الأخير، تبدو طرابلس مشعشعة ليلاً، مزدحمة الشوارع، والحانات، لا تأبه للكورونا، فبإيمانها الرمضاني تواجه أقسى المصاعب.