البصرة تستقبل "خليجي 25".. حيث يلتقي دجلة والفرات بالتاريخ والحضارة

مدينة البصرة، ثانية أكبر مدن العراق، تتكئ على الضفة الغربية لشط العرب، حيث يلتقي دجلة والفرات، وهي ميناء العراق الأوحد.

  • البصرة.. التاريخ والحضارة.
    البصرة.. التاريخ والحضارة.

البصرة. سُميت مدينةَ المدن، بسبب دورها النضالي وموقفها البطولي وتحمّلها تحديات العصر، ومقاومتها قوى الشر والعدوان، وصبر أهلها على تحمّل المحن.

الدكتور مصطفى عبد القادر النجار/  الأمين العام لاتحاد المؤرخين العرب

في البحث عن مدينة البصرة وتاريخها القديم. وأغلبية الكتب الموجودة متنوعة في تعريفاتها من خلال الرجوع إلى مصادرها المتعددة. لكن المتفَق عليه هو أن "مدينة المدن" ذائعة الصيت فى عالم التاريخ، وحافلة بحضارتها و ثقافتها وعلومها. خرج منها كثير من العلماء والأدباء والمفكرين، وارتفعت فيها أمواج العلم والحضارة، وغاصت فى بحور من الصراعات.

لكنها، اليوم، على نحو غير مسبوق، منذ ثمانينيات القرن الماضي، تكتظّ بآلاف من الوفود الرياضية والمشجعين تزامناً مع انطلاق بطولة كأس الخليج لكرة القدم، للمرة الثانية في العراق، منذ 44 عاماً.

البصرة والتاريخ

تعني البصرة لغوياً "الأرض الغليظة ذات الحجارة الصُّلبة، والأرض التي فيها حجارة تقلع وتقطع حوافر الدواب ". وتُعَدّ أحد المواقع المحتملة، وفقاً للأساطير السومرية والتوراتية الغربية، لجنة عدن، التي يُعتقد أنها في منطقة الأهوار، التي تصل مساحتها الى عشرين ألف كيلومتر مربع، فلقد تكوّنت الأهوار نتيجة الفيضان الهائل في نهري دجلة والفرات في العام السابع الهجري الموافق للعام الميلادي، 628، بحيث تشير الدراسات والبحوث التاريخية والأثرية إلى أن هذه المنطقة هي المكان الذي ظهرت فيه ملامح السومريين وحضاراتهم، وتوضح ذلك الآثار والنقوش السومرية المكتشفة.

تقع البصرة في أقصى الجزء الجنوبي من العراق. تحدّ محافظتها من الجنوب الكويت و"الخليج"، ومن الشرق إيران. تتجاوز مساحتها 190 كيلومتراً مربعاً. وهي على بعد 549 كيلومتراً عن العاصمة بغداد. وتوصف بأنها ثغر العراق ومنفذه البحري الوحيد.

تاريخياً، تُظهر الكتابات من العصر الأكادي أن البصرة كانت موجودة، في تسمياتها القديمة، من خلال المرافئ "تيربدون" و"الأبله"، ودلمون (البحرين) ومكان (عمان). وعلى رغم تضارب الآراء في تحديد موقع مدينة تيريدون التاريخي، وموقع مدينة الأبله التاريخي، فإنه تمّ تناول اسم مدينة تيريدون وموقعها عبر العصور، عند من الباحثين والجغرافيين العرب والأوروبيين. 

يؤكّد كتاب "البصرة ذات الوشاحين"، الذي يتحدث عن البصرة تاريخياً وثقافياً، أن "المؤرخين الذين استعانوا في بحوثهم بما كُتب عن المدينة وتاريخها لم يستمدوا هذه البحوث من نتائج الحفريات الأثرية، لتكون الدراسة مبنية على أسانيد تحدد الموقع والتاريخ لمدينة تبريدون، التي كثر الجدل بشأنها. فهذه المدينة القديمة لم يكتشفها الآثاريون بعدُ، وما يُذكر عنها الآن لا يكفي لإلقاء الضوء، بصورة كافية، على تاريخها، فالحلقات المفقودة واسعة".

وينقل الكاتب حسين بن سعدون تعريف المدينة تاريخياً، ويقول: "إذا اتخذت طريق الماء شمالاً من بلاد الرافدين، وصلت إلى قرية تدعى تيربدون، وهي تتألف غالباً من قوانم مبوبة لأسماء مدن وقبائل وأنهار". وذكر الكاتب، نقلاً عن مصادر تاريخية، أن نبوخذ نصّر أسس البصرة، ووُصفت بأنها قرية يتردد إليها التجار العرب، وربما كانت سوقاً موقتة عند مصب نهر الفرات.

للبصرة حدود دولية مع السعودية والكويت جنوباً، وإيران شرقاً. وتتضارب الروايات التاريخية بشأن تاريخها، لكن المؤكّد أنها تُعَدّ ثانيةَ أكبر مدن العراق. وتتكئ على الضفة الغربية لشط العرب، حيث يلتقي دجلة والفرات، وهي ميناء العراق الأوحد. وهي من المناطق التي يعيش فيها كثير من الحيوانات المهاجرة، وتشتهر بأشجار النخيل، ويوجد فيها أكثر من ستة ملايين نخلة، ويناهز سكانها أكثر من 5 ملايين نسمة، بحسب تقديرات عام 2022.

من البصرة انطلق السندباد لخوض رحلاته ضمن أساطير "ألف ليلة وليلة"، وهو تميمة بطولة كأس الخليج. اختير السندباد البحري الشخصية الأسطورية. وجاب البحار والمحيطات، ساعياً وراء التجارة، ومنطلقاً من البصرة. سندباد، تميمة "خليجي 25"، التي تحكي قصص رحلاته البحرية السبع، ها هو يعود إلى المدينة في رحلة ثامنة بصحبة شقيقاته السبع، في إشارة إلى منتخبات الدول السبع المشاركة.

"حضارة العرب"

البصرة وريثة الحضارات، فلقد تعاقبَ عليها، منذ أقدم العصور، عددٌ من الحضارات، بدءاً بالسومريّة، الّتي جاءت بعدها الحضارةُ البابليّة القديمة، ثمّ الحضارة القسّيّة - الآشوريّة، وبعدها الحضارة الآشوريّة - البابليّة الوسطى، وانتهاءً بالفترة البابليّة - الكلدانيّة الجديدة.

سادت حضارة السومريين معظم الجنوب العراقي خلال العصر النحاسي وبداية العصر البرونزي. أما البابليون، وهم من الأقوام السامية الناطقة باللغة الأكادية، فأسسوا دولتهم في وسط العراق وجنوبيه، وكانت عاصمتهم بابل. وقام الملك حمورابي بإقامة إمبراطورية مؤلفة من عدد من المقاطعات، التي كانت جزءاً من الإمبراطورية الأكادية.

أما الأشوريون فهم أول دولة قامت في مدينة آشور في شمالي بلاد ما بين النهرين، وامتدت شمالاً إلى مدن نينوى ونمرود وخورسباد. وكانت كتابة الآشوريين الكتابةَ المسمارية، التي كانت تُكتب على ألواح الطين. وأشهر مخطوطاتها "ملحمة جلجماش". وكانت علومهم مرتبطة بالزراعة ونظام العد الحسابي السومري، وكانوا يعرفون أن الدائرة 60 درجة، كما عرفوا الكسور والمربع والمكعب.

في العصر العباسي الأول ازدهرت البصرة، وبرز فيها أعلام في اللغة والفقه والأدب. وفي عام 781 م، احتل البصرة صاحب الزنج وعاث فيها خراباً، ثم احتلها القرامطة عام 924 م فخربوا ودمروا كل ما وقع في أيديهم. وعام 1258 استولى عليها المغول، ثم احتلها العثمانيون عام 1534م. وفي عهود غير بعيدة، كان الجندرمة يحكمون المدينة نهاراً، وفي الليل يغلقون أبواب القشلة، وهي قلعة بناها العثمانيون.

امتازت البصرة بـ "الشناشيل"، وهي تحفة معمارية تمتد فوق الشارع أو الزقاق أو داخل الفناء الداخلي للمنزل، وتُبنى بالخشب المنقوش بالزجاج الملون، حتى تتيح للنساء مشاهدة الحي في الخارج من داخل بيوتهن، وخصوصاً عندما كان الحي منغلقاً، وحين كان تصميم البيوت موجَّها إلى الداخل وليس الخارج.

بعد الشناشيل، يطل عليك كثير من رموز البصرة، ويشخصون أمامك في كامل هيئاتهم، وأهمهم الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، الشاعر البصراوي الذي أُقيم له في المدينة تمثال، والذي لا يملك إلا هدير كلماته المجلجلة في سماء الأدب. في البصرة أيضاً، أرسى الخليل بن أحمد الفراهيدي قواعد النحو ومبادئ العروض، وفيها بسط سيبويه "علم الخليل"، وكشف أسرار العربية. وفي مساجدها دُرّست علوم القرآن وعلوم التفسير والحديث.

يوجد في البصرة 17 ألف مسجد. وتقول المصادر إن الرقم الكبير يعود إلى عدة عوامل، أهمها اتساع رقعة المكان، وانتشار الديانة الإسلامية في المنطقة بصورة كبيرة. كذلك، تحوي المنطقة جامع البصرة، وهو أول مسجد بُني في العراق، وبناه عتبة بن غزوان من قصب وجعله وسط المدينة، فكان ملتقى العلماء وقبلة طلاب العلم.

ويرقد في البصرة نبي الله العزير. وذكر المؤرخون، وبينهم ألكسندر أداموف، في كتابه "ولاية البصرة بين حاضرها وماضيها"، أن نبي الله العزير دُفن في بلدة صغيرة، كانت تسمى "زمزوم" تطلّ على نهر دجلة، وأن السفن كانت تنقل الزائرين إلى المرقد، بحيث كان يقصدها الناس من مناطق بعيدة

وتضمّ البصرة أيضاً سوق "المربد"، وهي السوق التي ذاع صيتها، حتى زاحمت شهرتها شهرة المدينة، وقال عنها الكاتب عبد الجبار ناجي: "التقت فيها البادية، بما فيها من فصاحة وأصالة، بحاضرة البصرة. فكانت بحق سوقاً للعطاء، فكرياً واقتصادياً. وتحوّلت، مع مرور الزمن، إلى محلة كبيرة مشهورة كانت تسمى محلة المربد".

جاءت بطولة كأس الخليج فرصة في التعريف بالبصرة والتعرف إليها؛ المدينة التي أرادها الغزاة استراحة لجيوشهم وامتداداً لأراضيهم، فكانت مهد الثقافة العربية. تفجرت فيها ينابيع النحو والصرف، وقامت فيها دنيا الشعر والأدب والفلسفة والفكر.