الثورة في إيران.. أصوات من السطوح وأجهزة التسجيل
خرج الإيرانيون، أمس، إلى سطوح منازلهم من أجل التكبير، عملاً بتقليد يعود إلى أيام الكفاح الثوري الشاقّ، لكنّ التكبير لم يكن إلاّ فعلاً واحداً من تشكيلة واسعة من الأدوات المستخدَمة لكسر احتكار الشاه للسلطة.
-
الثورة في إيران.. كيف تحوّلت السطوح وأجهزة التسجيل إلى أسلحة شعبية؟
إن كانت الثورات القومية، في أوروبا وآسيا والقارتين الأميركيتين، خرجت من قوالب مطابع شبيهة بتلك التي ابتكرها يوهان غوتنبرغ، فإنّ القرن العشرين حمل للسلالات الملكية تهديداً أسوأ من الطباعة، تمثّلَ بالإذاعات وأجهزة البث والتسجيل والاستماع، والتي أعادت إلى المخيال العام قدرته على ابتكار الجماعة ضمن حدود وسيادة بيّنة.
يمكن تحديد استراتيجيات الجماعة الثورية في إيران في أواخر العقد السابع من القرن العشرين ضمن نقاط بسيطة ومبسترة، كالإضرابات العامة والاحتجاجات الشعبية وتعطيل البازار، أو حتى الاشتباك مع قوات الشرطة الرسمية والسرية (السافاك). لكن الثورة، في طرفيها غير المتعادلَي القوى، تأخذ - كما هي العادة - أشكالاً وأساليب أشدّ دقةً وأعمق تجذُّراً في الثقافة السائدة ونمط العلاقات والتراتبيات الاجتماعية القائمة، بما في ذلك تلك الهوامش المهمَلة. وهذا ما يعبّر عنه عالِم الإنسان والسياسة جيمس سكوت، بكياسة، في قوله إنّ أي علاقة بين النخب المسيطرة والمحكومين هي "نضال مادي إلى حد كبير، يواصل فيه الطرفان البحث باستمرار عن نقاط الضعف واستغلال المنافع الصغيرة".
تُظهر الثورة في إيران تحوّل الحق في الكلام وواجب الاستماع إلى ميدان لنزاعات السلطة. الشاه وحده من يستحق التحدث باسم الشعب، والآخرون مجرّد شهود، عليهم واجب الإصغاء. هكذا، أصبح "السافاك" لا مجرد سلطة قهرية تحاكم نيّات الفعل فقط، وإنما نيّات الكلام أيضاً، مهرقة في ذلك دماء المعارضين، وإن كانوا على تماس مع القداسة الدينية، وهذا ما عبّر عنه اقتحام جنود الشاه للمدرسة الفيضية في قم، بعد أيام من إلقاء السيد روح الله الخميني خطاباً نارياً هناك ضد الشاه، بحيث ارتُكبت مجزرة راح ضحيتها العشرات من الطلبة، قبل أن يصطف الجنود من جديد حاملين شعارهم البائد "الخلود للملك".
مارست سلطات الشاه مختلف أنواع القمع، من التعذيب وتلف الأعضاء حتى الاعتقال والنفي، داخلياً وخارجياً، لكن قنوات الثورة لم تغلَق أبداً، وإن تعرّضت لضربات موجعة، كما في حالة نفي زعيمها الخميني إلى النجف العراقية، ثم إلى نوفل لوشاتو الفرنسية، حيث كان على الخميني أن يرضخ لانقطاعه عن الاتصال المباشر بقاعدته الجماهيرة، وانفصاله عن المؤسسة الحوزوية في قم، والتي تحوّلت في الستينيات والسبعينيات إلى جبهة متقدّمة في وجه الشاه.
لكنّ الخميني وأنصاره، الذين اندمج بعضهم في شبكات سرية، استطاعوا أن يبتكروا حِيَلهم الجديدة، وفق تعبير سكوت، لمقاومة السلطات، بما في ذلك تحويل المراسيم الدينية، كصلاة الجمعة والإحياءات الحسينية، ووسائل الاتصال الجماهيرية العلمانية، إلى أدوات لنشر البيانات المحرّضة والخطابات الدينية، التي تحثّ على مواجهة الشاه ونظامه، والالتحاق بصفوف الثورة.
يقدّم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، في مقالات ضمن تغطيته الصحافية للثورة الإيرانية، وصفاً للتفاعلات الاجتماعية التي أعادت تشكيلها الثورة ضمن مصهرها الخاص، فيكتب، في مقالٍ بعنوان "في انتظار عودة الإمام"، قائلاً "غُرست أمام المنازل أغصان كبيرة من الأشجار، توقَدُ عليها عند حلول الظلام مصابيح بيضاء وحمراء وخضراء: إنّها أفراح "الفِتْية" الذين قُتلوا لتوِّهم. وفي النهار، كان الملالي (رجال الدين) يتحدثون بعنف في المساجد ضد الشاه والأميركيين، وضد الغرب وماديته. ويَدْعون، باسم القرآن والسنّة، إلى الكفاح ضد هذا النظام بأسره. فإذا ضاقت المساجد بروادها، ولم تتسع للجمهور، وُضِعت مكبرات الصوت في الشارع. فكانت القرية بأسرها، والحي بأسره، يردّدان تلك الأصوات المفزعة... وسُجِّل كثير من تلك الخطب الدينية، وانتشرت أشرطتها في كل إيران. وأسمعني إياها في طهران كاتب أبعد ما يكون عن رجال الدين، ولم يكن ذلك يُشعره بالحياء ولا بالحرج ولا بالتردد أو الخوف".
توضح ملاحظات فوكو الآنفة أشكالاً متعدّدة للاحتجاج جرى اعتمادها من جانب الثوريين، والتي تبدأ باستذكار ضحايا الثورة وفِتْيتها، لا على مدار اليوم وحده، بل في الليل أيضاً، وتمتد إلى الاستفادة من المكان الديني، الذي كان في السابق مقتصراً على ممارسة الطقوس الروحانية الجماعية، في عملية إنتاج "روحانية سياسية" (وفق تعبير فوكو) تُنتج شكلاً جديداً للحكم، ولا تنتهي بالطبع عند إشارة فوكو إلى توحّد الجماعة الثورية من خلال السماع، ليسمع الأهالي الخطابات بصورة جماعية وعامة، وليصبح الكاتب العلماني جزءاً من الصيرورة الثورية، وإن كان في مقدمتها رجالُ دين.
يمكن رسم خريطة صوتية للثورة الإيرانية، تضم أناشيد محمد كلريز مثلاً، جنباً إلى جنب نداءات المحتجّين الموجَّهة إلى القوات العسكرية كي لا يطلق إخوتهم الرصاص، وهدير الجماهير الهادرة في شوارع طهران وقم وأصفهان وغيرها من المحافظات، والتكبيرات الصادرة في جنح الليل من على سطوح المنازل، بعد حظر السلطات للتجوّل، والأشرطة الموزَّعة سراً لتُسمَع في خلوات المنازل.
تُعَدُّ الثورة الإيرانية أحد أبرز النماذج عن تحوّل أشرطة الكاسيت إلى أدوات ثورية، بالمعنى الحرفي للكلمة. ففي عام 1978، عندما كان الخميني منفياً في ضواحي باريس، كانت وسائله للاتصال بمواطنيه تقلَّصت، لتصير مقتصرةً على التواصل عبر ممثلين، ومن خلال استخدام أشرطة الكاسيت، بحيث كان يقوم شخص، لديه علاقة ما بشركة الهاتف، بإجراء مكالمة جماعية في إيران، ثم تدار الخطبة عبر خط الهاتف، ليقوم الثوريون بتسجيلها مباشرةً، ثم يتابعون تسجيلها عبر عشرات آلاف المراكز السرية، لتوزَّع لاحقاً بكثافة في مختلف المحافظات.
هذه الشبكة الواسعة والعفوية، إلى حدّ كبير، نجحت في إحداث اختراق في أنظمة الرقابة الملكية، وسرت من دون رادارات السافاك، وبتوزيع شبكي لا رأس له كي يُطاحَ، وهذا ما منح الثورة زخماً شعبياً يصعب وقفه أو صدّه.
احتفل الإيرانيون، اليوم، بحلول الذكرى الـ43 للثورة. الشوارع امتلأت بالجماهير والمواكب السيّارة، بعد ليلة من التكبير فوق السطوح، عملاً بتقليد شرّعته الثورة. الثورة انتصرت، لكن الإيرانيين لا يرون أن كل أهدافها تحققت، وخصوصاً مع استمرار عزلتهم المفروضة بفعل العقوبات. وعلى الرغم من ذلك، فإن إيران تحقق عدة اختراقات في كسر جدران العزلة، وهم يعرفون أنّ أدوات فرض الاعتراف يمكن أن تبدأ بتكبيرات السطوح، وعبر أجهزة التسجيل، وتتقدّم صعوداً نحو ترسانة كاملة من أساليب المعارضة الجديدة.