الصين والولايات المتحدة: ضوء الحرب يومض باللون الأحمر

رغم احتمال لقاء الرئيس الصيني ونظيره الأميركي قريباً، إلا أن جدل الحرب الاقتصادية والعسكرية لا يزال يدور بين أروقة القرار التي وضعت احتمالات المواجهة على مختلف الأصعدة.

  • ستشدد بكين مقاومة العقوبات مع تعزيز قدراتها الجيواقتصادية الهجومية
    ستشدد بكين مقاومة العقوبات مع تعزيز قدراتها الجيواقتصادية الهجومية

يضع المسؤولون الصينيون خططاً لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى جنوب شرق آسيا والاجتماع وجهاً لوجه مع الرئيس الأميركي جو بايدن في تشرين الثاني/نوفمبر، حسب أشخاص مطلعين على الاستعدادات. لم يؤكد مصدر رسمي، أميركي أو صيني، هذا الخبر، لكن اذا ما حصلت، ستتضمن أول رحلة دولية للزعيم الصيني منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، اجتماع شخصي أولي أيضاً مع بايدن منذ تنصيبه. 

غير معلوم بعد، إلى ماذا ستؤدي نتائج اللقاء، إذا ما حصل، لكن تدهور علاقة بكين مع واشنطن الأخير، بعد زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي الأسبوع الماضي إلى تايوان أثار من جديد احتمال نشوب صراع بين القوتين.

هذا الصراع، سيتجلى بزيارات شي الرسمية إلى دول إقليمية أخرى ساعياً ليلتقي بالقادة الوطنيين شخصياً، كجزء من جهد أوسع للحفاظ على العلاقات وإعادة بناء العلاقات الشخصية معهم، وهو ما سيساعد على إظهار تركيز الصين مجدداً على جنوب شرق آسيا، حيث قامت واشنطن بتحدي نفوذ بكين.

ومن بين جميع القضايا المستعصية التي يمكن أن تشعل حرباً بين الولايات المتحدة والصين، تأتي تايوان على رأس القائمة؛ الجزيرة التي، كما اعتبرها الجنرال في الجيش الأميركي دوغلاس ماك آرثر لها قيمة عسكرية مهمة، إذ أنها بوابة إلى بحر الفليبين، وهو مسرح حيوي للدفاع عنها وعن اليابان وعن كوريا الجنوبية. 

قتال استنزافي يذكِّر بالحرب العالمية الثانية

داخل أروقة مبنى وزارة الدفاع الأميركية، يتركز عمل الخبراء من مخططي الحروب علي وضع تصوراتهم لبدء الحرب المقبلة مع الصين، ومناقشة العديد من الخطط لبدء الحرب التي يخشاها العالم ويتوقعها في نفس الوقت. أحد السيناريوهات، يقوم على حشد كبير من القوات العسكرية الصينية على طول الساحل الصيني بالقرب من تايوان، بالتوازي مع توجيه أنظمة صواريخهم الهجومية. حينها، ستدوي صفارات الإنذارات في واشنطن قبل تايوان، حسب التقرير. كما يذكِّر الخبراء بالتقرير السنوي للبنتاغون حول الصين، الصادر في آب/أغسطس من العام 2020، بالقدرات العسكرية التي تمتلكها الصين، والتي سيتعين على الولايات المتحدة وحلفائها مواجهتها، في حالة حدوث مثل هذه السيناريوهات.

وضمن أصول القوة العسكرية الصينية تتشكل أكبر قوة بحرية في العالم، مع قوة قتالية قوامها 777 سفينة في أسطولها البحري، بالمقارنة، تمتلك الولايات المتحدة 484 سفينة في أساطيلها المنتشرة حول العالم. 

كان مارك أسبر وزير الدفاع السابق قد حذَّر من تطلعات الصين لتوسيع قوتها العسكرية خارج حدودها، بهدف تحويله إلى جيش عالمي بحلول منتصف القرن، مؤكداً أنه بوصول الجيش الصيني إلى هذا المستوى، فإنه سيوازي قدرات الجيش الأميركي. بالأرقام يتقدم الأخير في أكثر من نقطة، أهمها الطائرات، الهليكوبترات، والدبابات والمركبات المدرعة، فيما تتقدم بكين بالمدافع ذاتية الدفع، وأجهزة الصواريخ المتنقلة والأساطيل البحرية والغواصات.

ورغم تقدمهم بأعداد الطائرات، الا أن الجنرال كلينتون هينوت، نائب رئيس الأركان للاستراتيجية التابع لرابطة القوات الجوية قد قال إن "البنتاغون" بحاجة إلى تحديث قواتها الآن، "وسحب المعدات التي لن تصمد في معركة راقية، أو عليها مواجهة حقيقة أن الهزيمة أمر لا مفر منه". وأكد "كشخص مدرك للأدلة على جميع مستويات التصنيف" أن الضوء يومض باللون الأحمر، لماذا؟ أجاب رئيس الأركان الجنرال تشارلز براون جونيور في كلمته الرئيسية إن جيش التحرير الشعبي الصيني لديه أكبر قوات طيران في المحيطين الهندي والهادئ وأكبر قدرة صاروخية تقليدية في العالم، ويعمل بنشاط على نشر صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت. كما تقوم الصين بإنشاء قواعد في جميع أنحاء العالم، وغالباً في الأماكن التي يوجد فيها بالفعل للولايات المتحدة. واعتبر أن الصين تواصل تحريك جداولها الزمنية للتحديث بمعدل تغيير يفوق الولايات المتحدة.

وذكَّر أنه في اليوم التالي لمغادرة آخر طائرة كابول في أفغانستان، كان في منطقة المحيطين الهندي والهادئ حيث "يظهر تهديد أكثر خطورة. قد لا تكون المنافسة الاستراتيجية صارخة أو واضحة مثل ما حدث في 11/9، ولكنها قد تكون كارثية بنفس القدر"! 

فوق ذلك، تشير التقديرات إلى أن المعركة قد تندلع من بحر الصين الجنوبي، وبحر الصين الشرقي، التي يوجد فيها حركة ملاحة ضخمة، لسفن عسكرية وتجارية على حد سواء، ومن هناك قد تندفع الأحداث إلى حافة الهاوية. لعبة الطائرات، كما قدرات بكين فوق المياه وتحتها، وبالصواريخ، تثبت علو كعب الأخيرة. وعليه، كانت أهداف استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية عام 2018، تعزيز القوات الأميركية وأسلحة الردع في المحيط الهادئ، وتوسيع شبكة الحلفاء في المنطقة، ما يفيد من من رفع عدد القواعد داخل دول المنطقة المحيطة بالصين، بجانب القوات المنتشرة في الوقت الحالي في قواعد داخل اليابان، وكوريا الجنوبية.

لا شك أن الأسلحة النووية على كلا الجانبين تجعل القادة أكثر حذراً، لكن التنبيه الذي أطلقه براون ينبي بمعركة مقبلة غير معلوم إلى أين يمكن أن تصل. يومها أكد أن الحرب ستكون حرباً ضد خصم "نظير لنا، مثل الصين. حرب من المرجح أنها ستشهد قتالاً مريراً، قتال استنزافي سيذكرنا بمعارك الحرب العالمية الثانية. لن تكون أبداً حروباً ذات بيئة قتال سهلة كالتي اعتادت عليها الولايات المتحدة منذ حرب الخليج الثانية ضد العراق".

وبينما تلوح في الأفق مواجهة عسكرية حقيقية،أعلنت الصين عن مناورات مشتركة مع تايلاند من 14 إلى 25 آب/أغسطس الحالي، وتشمل تدريبات على الدعم الجوي، والضربات الجوية على أهداف أرضية. وجاءت تلك المناورات، بعد أكبرِ مناوراتٍ صينية أُجريت حول تايوان، رداً على زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تلك الجزيرة التي تعتبرها الصين جزءاً منها. 

في المقابل، أجرى آلاف الجنود من إندونيسيا والولايات المتحدة ودول حليفة تدريبات بالذخيرة الحيّة، يوم الجمعة، في أراضي إندونيسيا، ضمن إطار مناورات عسكريّة سنوية أطلق عليها اسم "سوبر غارودا شيلد" Super Garuda Shield.

الحرب الاقتصادية.. ارتدت على واشنطن

يعتقد العديد من الخبراء أن الصين تفضل شن حرب سياسية واقتصادية لتقويض الولايات المتحدة، وتعزيز الأهداف الإستراتيجية للصين.

في 25 شباط/فبراير، أي في اليوم التالي لبدء الحرب الروسية في أوكرانيا، جادلت افتتاحية صحيفة الشعب الصينية بأن "الاستقلال والاعتماد على الذات يضمنان أن قضية الحزب والشعب ستستمر في الانتقال من نصر إلى نصر". وتعهدت حكومة الصين وقتها بتحسين الاعتماد على الذات من خلال بناء "سوق وطنية موحدة".

يتطلع صناع السياسات هناك إلى إعداد الاقتصاد الصيني لتحمل الضربة الاقتصادية الثقيلة الناجمة عن الفصل القسري، بعدما اقتنعوا بشكل متزايد بأن الولايات المتحدة مصممة على تنفيذ استراتيجية كاملة للاحتواء ضد الصين. وتنظر بكين إلى الإطار الاقتصادي للازدهار في المحيطين الهندي والهادئ على أنه المرآة الاقتصادية للحوار الأمني الرباعي واتفاقية الاتحاد الأفريقي في المحيط، وهما اتفاقان أمنيان تقودهما الولايات المتحدة تعتبرهما بكين تحالفين مناهضين لها. 

تستعد بكين لانفصال قسري عن الولايات المتحدة. واقترح فانغ شينغهاي، نائب رئيس لجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية، تسريع تدويل اليوان للاستعداد لخطر الفصل المالي. حتى الأصوات الأكثر اعتدالاً اعترفت بالتغيرات العميقة في العلاقات الأميركية الصينية ودعمت "نظرية فك الارتباط". وعليه، ستشدد بكين مقاومة العقوبات مع تعزيز قدراتها الجيواقتصادية الهجومية من خلال تفعيل موقع الصين الاستراتيجي في سلاسل التوريد العالمية وتوسيع نفوذها في الممرات البحرية التجارية الدولية.

هذه النظرية بدأت عام 2021، يوم جعل الحزب الشيوعي الصيني محور قراره التاريخي "الاستقلال والاعتماد على الذات". والواقع أن العقوبات القاسية التي فرضها الغرب مؤخراً على روسيا كانت سبباً جديداً في تذكير القادة الصينيين بالحاجة إلى تعزيز الاستقلال الاقتصادي. ولكن قبلها أيضاً، ومن أيام الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، تبيَّن للصين، أن السعي لهذا الهدف، هو من الأساسيات، خصوصاً بعدما ارتدت العقوبات وقتها، سلباً على الأميركيين أنفسهم، أكثر من الصينيين.

ففي أيلول/ سبتمبر عام 2019، وبعد صيف من المشادات الكلامية الساخنة، قامت إدارة ترامب بزيادة التعريفات الجمركية على واردات صينية بقيمة 125 مليار دولار أميركي، مما دفع الصين إلى الرد بفرض تعريفات جمركية على واردات أميركيّة بقيمة 75 مليار دولار أميركي. وقتها أُجريت العديد من المفاوضات الرفيعة المستوى، لكن دون أي إمكانية فعلية للتوصل إلى تسوية. انتهت حقبة من الانخراط الاقتصادي، حداها الأمل، أميركياً. رأى ترامب بأن التعريفات الجمركية ستكون كفيلة بتركيع الصين وتغيير ما يزعم أنه ممارسات تجارية غير عادلة للولايات المتحدة، لكن الصين ردت آملةً بأن تُنزل إجراءاتها الانتقامية المزيد من الألم الاقتصادي بالولايات المتحدة لإرغام واشنطن على إعادة تقييم موقفها.

تُشير الأرقام إلى أن الولايات المتحدة لم تكن الطرف الفائز في هذه المعركة. فمع أن النمو الاقتصادي الصيني وقتها تباطأ، لكن التعريفات الجمركية ضربت المستهلك الأميركي بدرجة أكبر من نظيره الصيني. ومع تصاعد المخاوف وقتها بشأن ركود اقتصادي، وصل الآن إلى واشنطن، الا أن ترامب لم يراع حقيقة أن النهج المتبع عرَّض الاقتصاد الأميركي للخطر، وفرض تهديدات على نظام التجارة الدولية، وزاد العجز الذي يثير اشمئزاز ترامب، حسب تعبيره. ففي سنة زيادة التعريفات الجمركية على الواردات القادمة من الصين، كانت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة قد ارتفعت بمقدار 34 مليار دولار أميركي، أي بنسبة 7% عن العام الفائت، مقابل انخفاض صادرات الولايات المتحدة إلى الصين بمقدار 10 مليارات دولار أميركي، أي بنسبة 8%.

وفي الأشهر الثمانية الأولى من العقوبات، كانت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة قد انخفضت بأقل من 4% فقط عن الفترة نفسها من العام الفائت، في حين واصلت صادرات الولايات المتحدة إلى الصين انكماشها، بنسبة 24%. وعوض تضييق الفجوة التجارية، ترافقت التعريفات الجمركية مع تفاقُم العجز التجاري الذي تعانيه الولايات المتحدة مع الصين، بنسبة 12% في عام 2018 (ما يصل إلى 420 مليار دولار أميركي) وبنحو 8% إضافية في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2020.

انعزالية ترامب أفادت الصين التي ملأت فراغ التراجع العالمي للولايات المتحدة. والرئيس بايدن، الذي حشد أوروبا وأستراليا واليابان للحديث عن محاربة الاستبداد وجعل الديمقراطية تزدهر في جميع أنحاء العالم لا يزال يمثل مشكلة شائكة للرئيس الصيني. الأخير، لا يخفي وجهة نظره بأن الولايات المتحدة قوة عظمى تتلاشى في الوقت الذي تصر فيه على منع صعود الصين إلى مكانها الصحيح في العالم. ومع اقتراب احتمال اللقاء بين الإثنين، لا يبدو أن هناك أجواء إيجابية تلوح بالأفق. الحرب الباردة، قد تكبر مع احتدام الصراع الاقتصادي.

أما بالنسبة للحرب العسكرية، فمعيار الصدمة لا يزال حاضراً، خصوصاً أن مسؤولي البنتاغون تفاجأوا الصيف الماضي باختبار بكين لصاروخ ذي قدرة نووية، يفوق سرعة الصوت. وهذا ما يعزز، رغم كل الترجيحات، الأميركية تحديداً، عنصر المفاجئة لدى التنين الصيني الذي لم يخض حرباً منذ عام 1979.