العراق أمام استحقاقين.. السياسة والدراسة

العراق بين السياسة والدراسة. الأولى حُدِّد موعدها في العاشر من الشهر المقبل، أمّا الثانية فلا تزال تنتظر قراراً حكومياً حاسماً. فريق "الميادين.نت" تابع أجواء التحضيرات للعام الدراسي الجديد في بغداد.

  • العراق أمام استحقاقين.. السياس والدراسة
    العراق أمام استحقاقَين.. السياس والدراسة

العراق أمام استحقاقين: الانتخابات البرلمانية المقبلة والعام الدراسي الجديد. ففي وقتٍ تستعدّ الأحزاب والكتل السياسية لخوض معركتها، هناك حزبان آخران في المشهد العراقي، يستعدّان لمعركة من نوعٍ آخر، هما: العائلات العراقية وأصحاب المكتبات.

فريق "الميادين.نت" تجوَّل في عددٍ من أسواق بغداد، وتنقَّل بين مكتباتها، ليرصد تحضيرات العام الدراسي الجديد.

ازدحام خانق في شارع "عبد الغني الرصافي" المؤدّي إلى "سوق السراي". تشهد السوق، المشهورة بمكتبات بيع الجملة ومحال القرطاسية، توافداً كثيفاً من جانب العائلات البغدادية، فهي الوجهة المفضَّلة للأُسر المتوسطة الدخل والفقيرة. فهنا يجد العراقيون كل ما يحتاج إليه أبناؤهم الطلاب للعام الدراسي الجديد: حقائب ذات موديلات متنوعة؛ دفاتر؛ أقلام؛ كتب. كلها متوافرة بأسعار مقبولة، لا تُثقل كواهلهم. 

أمام أحد محالّ القرطاسية، انشغلت الطفلة رنيم التميمي باختيار حقيبتها المدرسية. علامات الفرح طغت على وجهها، بينما الانزعاج بدا واضحاً على والدتها، وإن أخفت الكِمَامَةُ جزءاً من ملامحها، إلاّ أن العقدة بين حاجبَيها كانت كافية. في حديثٍ إلى "الميادين.نت" تقول والدة رنيم "ارتفعت أسعار القرطاسية على نحو لافت عن العام الماضي. لديّ ثلاثة أطفال، وزوجي يعمل في الليل والنهار لتأمين مستلزماتهم، لكنّ ارتفاع سعر الدولار أنهك العراقيين، وتحديداً الآن". 

  • العراق أمام استحقاقين.. السياسة والدراسة
    "سوق السرايا" في بغداد

الشكوى التي أفصحت عنها والدة رنيم، ليست مغايرة لتلك التي أطلقها علي أحمد، لكنه أضاف إليها تفصيلاً جديداً، قائلاً "لديّ 4 أطفال، والأسعار نار. المشكلة ليست في أسعار القرطاسية. هذه مقدور عليها. لكنّ الطامة الكبرى في ارتفاع أقساط المدارس، والكل يُلقي اللوم على ارتفاع سعر صرف الدولار. أمّا الحكومة فهي غائبة". 

في الجهة المقابلة، كان محمود الياسري يحاول إقناع ابنه باختيار محفظة أقلام أخرى، لكنّ إصرار الطفل الصغير على محفظة تحمل صورة "سبايدرمان"، دفعه إلى الرضوخ. عندها، اندفعنا نحوه لنعرف رأيه في الأسعار، فأخبرنا محمود بأنها مقبولة، ولم يلحظ أي ارتفاع، لكنه استدرك قائلاً " المشكلة لديّ ليست في الأسعار، وإنما أشعر بالقلق على أطفالي من مخاطر فيروس كورونا. لكن، لم يعد في اليد حيلة. سيضيع مستقبل جيل بأكمله جرّاءَ الإقفال الذي فرضته الجائحة". 

العائلات العراقية لا تأنّ وحدها من ارتفاع الأسعار. الصرخة انطلقت أيضاً من حناجر التجار وأصحاب المكتبات. محمود فاضل، صاحب مكتبة منذ أكثر من 20 عاماً في سوق السرايا، يشكو انخفاضَ الإقبال هذا العام أيضاً، ويضيف "تعرَّضنا لخسائر بسبب الجائحة على مدى عامين، وعلى الحكومة أن تحسم قرار العودة إلى العام الدراسي، وألاّ تبقى في حالة تردُّد، لأن هذه الحالة هي التي تمنع الناس من الإقبال على الشراء، بالإضافة إلى أن التعلُّم عن بُعد لم يكن حلاً ناجعاً. أغلبية الطلاب كانت تستخدم الهاتف للتسلية، وليس للدراسة". 

انتقلنا من "سوق السراي"، ذات الطابع الشعبي، إلى مكتبة الربيعي في "الكرادة داخل". تُعد هذه المنطقة من أرقى مناطق بغداد، لكن نمط عيشها المغايرَ، ويُسر أحوال قاطنيها، لا يعنيان أنها بعيدة عما يحدث من حولها، فالأزمة التي يمر فيها العراق لا تنحصر تداعياتها في فئة من دون أخرى.

  • صاحب مكتبة الرببعي في منطقة
    صاحب مكتبة الرببعي في منطقة "الكرادة داخل" ببغداد

صاحب المكتبة حيدر الربيعي قال "على مدى عامين، ونحن ندفع إيجارات ورواتب وضرائب. الإقبال ضعيف، لكنّ لدينا أملاً في أن الأمور ستتحسَّن، وتحديداً الصحية، لتعود الأمور إلى طبيعتها. خطوة الحكومة بشأن رفع سعر الصرف كانت تداعياتها قاسية، لأن المواطن غير معتاد على ارتفاع الدولار من 1200 إلى 1480 ديناراً في يوم واحد. هذه الزيادة قلصت المبيعات بصورة كاملة. وكل المواد لدينا مستوردة، وتتأثّر بسعر الصرف. ونتمنى أن تنظر الحكومة في هذا الأمر، لأنه أضرّ المواطن والاقتصاد".

الحكومة العراقية لم تحسم أمرها بعد. قبل أيام، أعلنت أنها تدرس مقترحاً يقضي بتأجيل العام الدراسي الجديد إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة. الإعلان ترافق مع استمرار ارتفاع معدّلات الوَفَيَات والإصابات بفيروس كورونا في العراق، فضلا عن أن التجربة التعليمية عن بُعد تعثَّرت في البلاد بسبب ضعف البنى التحتية للمدارس العراقية، وسوء خدمة الإنترنت، وعدم تمكّن جميع الأُسَر من توفير أجهزة إلكترونية لأبنائها.

الظروف الاستثنائية، التي يمر فيها العراقيون، لم تحجب ما شاهدناه من فرحةٍ ترتسم على وجوه الطلاّب، وهم يتنقَّلون من بسطةٍ خشبية إلى آخرى، ليختاروا أجمل ما عليها، في انتظار عودتهم إلى المدارس، ليتسلَّحوا بعِلمٍ يُعيد العراق أجملَ مما كان عليه.