انتخابات فرنسا: محاولات لتوحيد "أرخبيل الرفض" ومفاجآت صندوق الاقتراع غير مستبعدة

يبدي خبراء فرنسيون في مجال السياسة عدم استبعادهم بإمكانية حصول مفاجآت في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في حال تمكّنت مارين لوبان من إقناع المحتجين والرافضين للتصويت بأن ينتخبوا لصالحها.

  • لا يستبعد خبراء فرنسيون حصول مفاجآت في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية
    لا يستبعد خبراء فرنسيون حصول مفاجآت في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية

 تجاوزت نسبة الاحتجاج وعدم التصويت، نسبة الانتخاب في الدور الأولي في بعض الدوائر  الانتخابية في فرنسا، حيث بلغت نسبة الممتنعين عن التصويت بالإضافة إلى الأصوات الفارغة والأصوات الباطلة 75٪ من الناخبين المسجلين.

وبدا من الواضح في أماكن عدة مثل آيسن، بيرينيه أورينتال، موسيل و بوش دو رون وغيرها، أنّ الناس لم يعودوا يؤمنون بالأحزاب الحكومية أو حتى بالنظام السياسي. في هذه المقاطعات عبِّر سبعة إلى ثمانية من كل عشرة ناخبين عن أنفسهم في الجولة الأولى، إما بالتصويت لمرشّح ينافس بشدة النظام القائم ويعارض الطريقة التي جرت بها السياسة في فرنسا لعقود، وإما بالتصويت بورقة بيضاء  أو بالامتناع.

وإذا قمنا بتضمين التصويت لصالح الشيوعي فابيان روسيل والأصوات غير الصالحة، فإن 78.6٪ من المواطنين المسجلين في القوائم الانتخابية لسكان بيرينيه الشرقيين أعربوا عن عدم رضاهم أو عدم اكتراثهم، وتصل النسبة إلى 77.4٪ في بوش دو رون، 77.3٪ في أيسن، 76.4٪ في هوت مارن أو 75.6٪ في موسيل.

وقال عالم السياسة دومينيك رينيه، الأستاذ في معهد العلوم السياسية بباريس، إنّ الاتجاه العام الذي يمكن تسميته بـ"فرنسا الرافضة" اليوم يضم 55.6٪ من الناخبين الفعليين، و 68٪ من الناخبين المسجلين، مؤكداً أنّ مفهوم الاحتجاج الانتخابي يخفي العديد من الاعتبارات الدقيقة.

وأكّد جيروم فوركيه، مدير قسم استراتيجيات العمل والرأي بالاتحاد الدولي لكرة القدم، أنّ "التصويت لحزب احتجاجي لا يساوي الامتناع عن التصويت، فإنّ الدوافع لا تكون هي نفسها دائماً". وأضاف: "من بين الذين امتنعوا عن التصويت، هناك أشخاص لا يهتمون بالأصل بالسياسة، هؤلاء مختلفون عن الزموريين (نسبة للمتطرف زمور) الذين يشاهدون CNews على التكرار، بينما اختار بعض ناخبي مارين لوبان أو جان لوك ميلينشون هؤلاء المرشحين من خلال الالتزام بالأفكار أو البرامج المدافعة عنها، وليس فقط للتعبير عن خيبة أمل أو رفض للنظام".

30 عاماً من تراكم الرفض 

لكنّ عمل دومينيك رينييه، الذي يشغل أيضاً منصب المدير العام لمؤسسة الابتكار السياسي، وهي مؤسسة فكرية "ليبرالية وتقدمية وأوروبية"، يُظهر بوضوح أنّه على مدار ثلاثين عاماً، أعربت فرنسا عن غضبها أو اشمئزازها أكثر فأكثر.

في عام 1970، كتب الباحث الأمريكي ألبرت هيرشمان أنّ المواطنين الساخطين يختارون أحد هذه السلوكيات: إما القبول بالوضع الراهن والمشاركة المستقيلة، وإما الاحتجاج والغضب ورفع الصوت وإما عدم الاهتمام والخروج من المشهد.

قال جيروم فوركيه: "تجتمع قلة الاهتمام بالسياسة كاحتجاج قوي للغاية. يمكن أن يكون لهذا التجمع طبيعة اجتماعية، خاصة بين الناخبين المتواضعين، أو سياسية إذا كنا نؤيد حلولاً أكثر جذرية من تلك الخاصة بالأحزاب الحكومية. إنّ الرفض "الواضح جداً" للسياسيين والأحزاب لا يخلو من الموقف تجاه المؤسسات.

نتيجة لذلك، يؤكد فريديريك غونثير، أستاذ العلوم السياسية في كلية العلوم السياسية في غرونوبل  والباحث في مختبر Pacte-CNRS، أنّ فرنسا "هي واحدة من البلدان في أوروبا الغربية التي تضمّ أكثر الديمقراطيين استياءً بنسبة 35٪، مقارنة بـ 27٪ في ألمانيا، 12٪ في السويد و 6٪ في الدنمارك".

لكنّ غونثير نبّه إلى ضرورة "ألّا نخلط بين رفض السياسة ورفض النظام السياسي، بينما تظهر الاستطلاعات أنّ الاهتمام بالسياسة بعيد كل البعد عن الصمت"، مضيفاً: "إنّها مفارقة في هذا الاحتجاج الانتخابي، فإذا كان الفرنسيون غير راضين، فذلك لأنّهم يتوقعون الك،ييييثير من السياسة".

وتابع: "هم يميلون إلى التصويت للمرشحين الذين يُنظر إليهم على أنّهم الأكثر عرضة لتغيير قواعد اللعبة. استغلّ إيمانويل ماكرون هذا في عام 2017، عندما وعد بممارسة السياسة بشكل مختلف. وهذا العام، يواصل جان لوك ميلينشون ومارين لوبان وضع أنفسهم على سكة التجديد الديمقراطي من خلال الدفاع عن إصلاحات مؤسسية رمزية: استفتاء مبادرة المواطن المستقيل وعقد الجمعية التأسيسية النسبي وغيرها.

الشعور بالإقصاء

ومع ذلك، فإنّ التصويت الاحتجاجي يستند أيضاً إلى المعاناة التي ليست مطلباً ديمقراطياً شرساً، والتي غالباً ما توجد خصائصها في " مناطق الغضب".

"إنها خريطة الهشاشة الفرنسية"، يلاحظ جيروم فوركيه، مع ارتفاع معدلات البطالة (10.8٪ من السكان النشطين في أيسن، 11.7٪ في بيرينيه أورينتال، مقابل 7.2٪ للمدينة في نهاية عام 2021، وفقاً لـمعهد البحوث والدراسات. المزيد الفقر، عدد أقل من الشهادات. إنها "فرنسا الظلال ضد فرنسا التي تتألق"، كما يقول، أو حتى "فرنسا المنكوبة، والضواحي، والريف المقفر، والمناطق غير الصناعية"، ضد "فرنسا المرغوبة حيث توجد الحياة ".

عالم الاجتماع في جامعة بيكاردي، ويلي بيليتييه، قال إنه يعرف جيداً "فرنسا التي هبطت من مرتبة الشرف". وأوضح: "في  منطقة أيسن، كل شيء بعيد، وأسعار الوقود تأكل الميزانية المنزلية بسرعة كبيرة. الأطباء يغادرون، والممرضات نفس الشيء. إنّ اختفاء الخدمات العامة يغذي شعوراً بالتخلي عنهم،" وهو "استياء شديد للغاية"، كما أشار أحد المحافظين الذي يعرف هذه المناطق من خلال الاحتجاج الانتخابي القوي.

وتابع قائلاً: "في العديد من الأرياف تجد الكثير من القرى التي لم يبق منها شيء. اختفت الخدمات العامة. عليك أن تسافر من 50 إلى 70 كم للعثور على أطباء. ومع ذلك، فإن الأشخاص هناك ليسوا دائماً قادرين على التنقل كما نعتقد. بالنسبة للكثيرين منهم، يتم تنظيم الحياة على بعد 10 كيلومترات حول منازلهم. إنّ إنشاء خدمات البيت الفرنسي التي تتيح الوصول إلى خدمات إدارية معينة يهدئ الغضب قليلاً، لكن الناس يواصلون الصراخ في صناديق الاقتراع ".

وحدد ويلي بيليتيير نقطة أخرى مشتركة بين هذه الأقسام: "تفكك العلاقات الاجتماعية". يقلق عالم الاجتماع من "الأماكن التي جمعت الناس معاً وشكلت مجتمعاً آخذاً في الانهيار". وهكذا،"تختفي جمعيات الأغلبية، ونوادي الصيد، والكنائس تفرغ، والفصول الابتدائية المدرسي مهددة، والحانات الصغيرة تغلق. "الآخر" يصبح تهديداً وهمياً. الوضع خطير للغاية".

"قلب الطاولة"

"في فرنسا الرافضة، تجد كل ما ميّز الانتخابات الرئاسية عام 2022: عدم المبالاة، الغضب والتطرف"، يتنبأ ويلي بيليتيير، قائلاً: "هنا، لن تنجح الجبهة الجمهورية في وجه مارين لوبان" لأنّ الجمهور يعتبر محاولات استبعادها "إهانة"، وإنّ إعادة شيطنتها "يعزّز اعتقادهم بأنّها تقف إلى جانبهم كناخبين ساخطين. هناك كراهية وغضب لا يمكننا تخيله! في السوبر ماركت، سمعت شخصاً يخبر شخصاً آخر أنّه بصق فعلياً على التلفزيون".

ويضيف: مع اقتراب يوم 24 نيسيان/أبريل، اعتبر غونثير أنّ "الدافع الذي يمكن أن يغيّر بقوة أكبر من المتوقع غالباً ما يتمّ تجاهله: دافع "قلب الطاولة". قد يدفع هذا الناخبين الممتنعين عن التصويت في الجولة الأولى للتصويت في الجولة الثانية، لسبب وحيد وهو "شعورهم بالاحتقار من قبل النُخب"، مما يجعلهم يرون في ترشيح لوبان "فرصة لاستعادة بعض السلطة". 

ومن وجهة النظر هذه، فإنّ الجدل القائم بين الجولتين سيكون "حاسماً"، كما يعتقد العالم السياسي، الذي يحذّر من أنّ "فرصة حصول مفاجأة في الجولة القادمة لا يمكن استبعادها".

وتطرّق جيروم فوركيه إلى التحدي الذي تواجهه مارين لوبان، وهو "تجميع صفوف المحتجين وجعلهم يصوّتون بكثافة". ولكنّه أضاف مشككاً بفرضيات آخرين: "إذا كان للاستفتاء (كما حصل عام 2005) القدرة على دمج كلّ "أرخبيل" الرفض، فمن المشكوك فيه أن تنجح الانتخابات الرئاسية".

واعتبر فوركيه أنّ إيمانويل ماكرون، الذي يمثّل "ثقلاً مهيمناً ومركِّزاً" يواجه "محيطاً شديد الانقسام"، فهو بالتالي "في وضع جيّد للفوز". لكنّه يضيف: "إذا أعيد انتخاب رئيس الدولة، عندها ستبدأ المشاكل، لأنّه سيكون من الصعب للغاية بالنسبة له حكم بلد يعارض بمعظمه السلطة التي تمثله.