بعد سنة على الانقلاب العسكري ضدّها: لماذا انسحبت فرنسا من مالي؟

تتمحور المصالح الاستراتيجية الأهم لفرنسا حول مصادر النفط والغاز ومناجم اليورانيوم في تشاد، ومناجم الذهب في النيجر، كما تشكّل الكتلة النقدية الأفريقية في المصارف الفرنسية رافعةً ضخمة للعملة الفرنسية، فلماذا إذاً قرر الرئيس ماكرون الإنسحاب من مالي؟

  • بعد سنة على الانقلاب العسكري ضدّها: لماذا انسحبت فرنسا من مالي؟
    بعد سنة على الانقلاب العسكري ضدّها: لماذا انسحبت فرنسا من مالي؟

تتركز مصالح فرنسا الحيوية في أفريقيا في منطقة الساحل الأفريقي، وبالتحديد في تشاد والنيجر وبوركينا فاسو ونيجيريا ومالي، بالرغم من مصالح واسعة تربط فرنسا بأكثر من 10 دول أفريقية أخرى. تتعامل أكثر من 15 دولة أفريقية بالفرنك الأفريقي بنسختيه الغربية والوسط-أفريقية، وتحتفظ جميعها بمعظم احتياطاتها النقدية في المصرف المركزي الفرنسي. كما تستثمر شركات فرنسية كبرى بشكل واسع في أهمّ الدول الأفريقية، كشركة بولوريه لتعهدات البناء، وعملاق النفط توتال، وشركة أورانج للاتصالات وغيرها. لكنّ المصالح الاستراتيجية الأهم لفرنسا تتمحور حول مصادر النفط والغاز ومناجم الوقود النووي "اليورانيوم" في تشاد، ومناجم الذهب في النيجر.

فإذا كانت أفريقيا على هذا القدر من الأهمية بالنسبة لفرنسا، لماذا قرر الرئيس ماكرون إنسحاب قواته العسكرية من مالي في شباط/فبراير الفائت؟

المعارضة المالية توحدّت ضد الرئيس المؤيد لفرنسا

بعد أن دخلت القوات العسكرية الفرنسية عام 2012 لـ"تحرير البلاد من الجماعات الإرهابية وتحقيق حكم ديمقراطي"، قامت بتنظيم انتخابات رئاسية عام 2013 أوصلت رئيساً فرنسي الهوى هو بوبكر كويتا إلى الرئاسة، وأقدمت على إعادة ترشيحه وثم تهيئة ظروف انتخابه لولاية ثانية عام 2018. 

وقد شكّل إعادة انتخاب كويتا بدعم فرنسي سبباً لتوحيد المعارضة التي ضمّت حركات إسلامية معتدلة وقوى تمثّل المجتمع المدنيّ ضدّ الحكم وضدّ راعيته، فرنسا.

وبعد انتخابات 2020 التشريعية، تشكّل "ائتلاف 5 يونيو" الذي ضمّ شريحة أوسع تعارض استمرار حكم الرئيس كويتا، المرتبط اسمه بقضايا فساد إداري ومالي، والذي تفاقم نفوذ المقربين منه برعاية فرنسية، وسط غياب تامّ لأيّ توجّهات جدية لدى السلطات في مواجهة فعالة للحركات المسلّحة المتشددة.

في الواقع، فإنّ الحركات المسلّحة عادت وتوحّدت بالرغم من التواجد العسكري الفرنسي، وتعاظم تهديدها لأجزاء كبيرة من مالي مع ارتكابها للمجازر ضدّ المدنيين بشكل دوريّ، ومع تحالفها مع تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة وانتشارها في معظم دول الساحل الأفريقي تحت أعين قوات الأمم المتحدة والقوات الأوروبية والفرنسية.

ويرى محللون، في محاولة لتفسير سبب تعاظم سطوة الحركات الإرهابية في منطقة الساحل ومنها مالي، برغم الحضور العسكري الأوروبي، أنّ وجود الخطر الإرهابي في هذه البلدان يشكّل ذريعة مناسبة للتدخل العسكري الأوروبي فيها، وسبباً مباشراً لطلب حكوماتها من أوروبا ولا سيما فرنسا التدخل لحمايتها وتحرير أراضيها، ما يسمح باختصار مسافات طويلة تحتاجها العلاقات الدبلوماسية بين البلدان للوصول إلى هذا المستوى من الارتباط السياسي والأمني.

ذاكرة الاستعمار لا تزال حاضرة في مالي

ويضاف إلى فشل فرنسا خلال نحو 10 سنوات في تحقيق إنجازات ملموسة على صعيد الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي في مالي، مشاعر العداء التاريخي التي يكنّها أبناء أفريقيا للدول الاستعمارية الأوروبية، التي نكّلت بشعوب القارة واستغلّتها بشكل غير متوازن لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب مصالح الأفريقيين. أدّى كلّ ذلك، بالإضافة إلى عوامل خاصة كتماسك الجيش الماليّ وتوحّد قيادته وتمايزها إلى حدّ كبير عن القيادة السياسية وتوجهاتها الفرنسية، إلى نجاح الانقلاب الأخير التي قام به المجلس العسكري في مثل هذه الأيام في 24 أيار/مايو من العام الفائت، رداً على قرارات مدعومة فرنسياً بتغييرات في هيكلية الجيش.

وقد شكّل الرأي العام الماليّ المساند للانقلاب والحكومة الجديدة والرافض للوجود العسكري الفرنسي سبباً لانقلاب مفاجئٍ في موازين القوى الداخلية في مالي، لم يكن بحسبان باريس وحلفائها، ووضعها أمام تحدٍّ مباغتٍ جعل أقلّ الخيارات خسارة بالنسبة لها هو الانسحاب العاجل من بلد فقدت فيه السيطرة على مفاصل الدولة بعد فقدان القدرة على حشد رأي عام موالٍ لها. 

قوى دولية أخرى باتت تنافس فرنسا في مالي

يزداد حضور اللاعبين الدوليين غير الأوروبيين في المعادلة السياسية الأفريقية، وبات يمكن الحسم اليوم بأنّ أهم المؤثرين الفاعلين في المشهد الأفريقي من خارج القارة هي روسيا، الصين، تركيا، والولايات المتحدة، مع حضور متزايد لا يمكن تهميشه لإيران.

روسيا

بدأ تعزيز روسيا لحضورها في أفريقيا منذ نحو عقد، بعد الأزمتين السورية والليبية وما مثّلته من تهديد لروسيا بخسارة آخر مواطئ القدم على البحر المتوسط لصالح أعداءها التاريخيين الناتو وأوروبا. تربط روسيا بالعديد من بلدان القارة السمراء علاقات عسكرية أهمها صفقات التسليح مع الجزائر، مصر، كاميرون، تنزانيا، نيجيريا، كما ربطتها بمصر اتفاقات بناء محطات لانتاج الطاقة النووية. 

ومثلّت الحرب الأهلية في أفريقيا الوسطى المدخل المباشر لروسيا للحضور العسكري المباشر في القارة، إذ تدخّلت روسيا في تسليح وتدريب وتوحيد القوى المسلحة التابعة للحكومة المنتخبة حديثاً في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ عام 2017، وتمكّنت من بناء وزن سياسيّ لم يعد بالإمكان تجاوزه هناك. وأتبعت روسيا دورها ببنائها مشاريع مدنية كمستشفيات وأبنية، وأرسلت قوات روسية تابعة لمجموعات سيلا وفاغنر شبه العسكرية لحمايتها، وسرعان ما تحوّلت إلى حضور مئات عناصر هذه القوات لحماية مرافق البلاد الحيوية وتدريب الجيش وتقديم استشارات عسكرية وأمنية والإشراف على التنسيق الإستخباري. أثمرت هذه العلاقة دعماً للرئيس المنتخب عام 2020 في استعادة نحو نصف أراضي البلاد التي كانت خاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة المعارضة لحكومته والمدعومة من فرنسا.

الصين

بدورها، تمكّنت الصين، التي شرعت منذ نحو عقدين بالاستثمار التجاري والمدني في القارة عبر منتدى التعاون الاقتصادي الصيني – الأفريقي عام 2000، من تنفيذ مئات المشاريع ذات الطابع الخدماتي التي تعهّدتها ونفّذتها من مستشفيات ومدارس مباني حكومية وخاصة.

كما قامت بتدريب جنود من عدة دول أفريقية بشكل دوريّ، وتساعدها في مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة والمشاكل الأمنية، وتدير الصين 7 موانئ على الأقلّ على ساحل أفريقيا الغربي، وكان آخر الإنجازات الصينية في الشراكة مع أفريقيا إطلاق منتدى الدفاع والأمن الصيني – الأفريقي عام 2019، والذي أسّس لتطوّر كبير في العلاقات العسكرية والأمنية والسياسية بين الطرفين.

تركيا وإيران

هذا بالإضافة لحضور تركيا وإيران في الدول ذات الأغلبية المسلمية، كالسودان وليبيا وتنزانيا وأريتريا ونيجيريا وغيرها. وتسعى تركيا لتعزيز حضورها عبر المشاركة في مهام الأمم المتحدة كما عبر توقيع معاهدات عسكرية مباشرة مع دول كالصومال والنيجر وجيبوتي، باتت على أثرها تمتلك 3 قواعد عسكرية دائمة لها في أفريقيا تحت عنوان تدريب القوات المسلحة لهذه البلاد.

كما تمكّنت إيران من تعزيز حضورها في أريتريا ونيجيريا وتنزانيا وغيرها، وبنت في أريتريا قاعدة عسكرية تكتسب أهمية كبرى بالنسبة لطهران، كونها تقع على شواطئ البحر الأحمر، الممرّ المائي الاستراتيجي.

ويعبّر الإنسحاب الفرنسي من مالي عن مسألتين، الأولى هي رسالة إلى الدول الأوروبية بأنّ فرنسا لم تعد قادرة على تحمّل ثقل الحضور الأوروبي في أفريقيا وتبعاته المادية من خسائر في الأرواح والتكاليف ولا سيما التكاليف السياسية؛ والمسألة الثانية هي الحاجة الفرنسية إلى إجراء مراجعة جدية لاستراتيجيتها ما بعد الاستعمارية في مقاربة علاقتها بالقارة الأفريقية، لأنّ النسخة الحالية لم تعد بنسبة كبيرة صالحة في ظلّ المتغيّرات الكبرى على الساحة الأفريقية والدولية.

الانتخابات الرئاسية الفرنسية: نهاية "القطّ المتوحّش"

شكّل ارتفاع كلفة البقاء الفرنسي في مالي، مع تعاظم مخاطر التهديدات الأمنية للقوات الأوروبية، سبباً كافياً لتذمّر الجمهور الفرنسي من استمرار العملية العسكرية "القطّ الوحشي" ومهام قوات عملية "برخان"في البلاد. وصل عدد القتلى الفرنسيين في العمليتين في مالي إلى 52 جندياً فضلاً عن عشرات المصابين، مما شكّل سبباً للضغط على ماكرون أمام الرأي العام الفرنسي، الذي يزداد مطالبةً بتوجّه الدولة أكثر نحو سياسات حمائية، وإلقاء أثقال "الإمبراطورية" السابقة عن ظهرها.

وشكّل اقتراب موعد الانتخابات الفرنسية الرئاسية، التي جرت في نيسان/أبريل 2022، أي بعد شهرين من إعلان بدء إنسحاب القوات الفرنسية من مالي، دافعاً لتسريع عملية الإنسحاب لتحقيق مكاسب رئاسية لماكرون، الذي كان وعد قبل انتخابه للولاية الأولى في 2017 بمراجعة حقيقية لدور فرنسا ما بعد الاستعماري في الدول الأفريقية، لم يتمكّن من تحقيقها. 

فالأنباء التي وصلت لماكرون عن الانقلاب العسكري الأخير في أيار/مايو الفائت، شكّلت إعلاناً رسمياً عن تحوّل المهمة الفرنسية في مالي من مهمة صعبة ومعقدة سيكون لها تبعات سياسية سلبية على المستوى الداخلي والخارجي، إلى مهمة مستحيلة في مستنقع للوحل الأفريقي، يبدو أنّ سبل النجاح في العمل داخله لا تملك باريس حتى الآن مفاتيحها، بعكس لاعبين دوليين آخرين أبرزهم موسكو وبكين.