بعد 65 عاماً على القرار التاريخي.. كيف ولدت فكرة تأميم قناة السويس؟

في 26 تموز/يوليو عام 1956 أعلنت مصر تأميم قناة السويس، وهو الحدث الأهم في تاريخ مصر الحديث، تزامناً مع الذكرى 65 للتأميم يروي نجل القانوني مصطفى الحفناوي دور والده وقصة التأميم واجتماعه مع الرئيس عبد الناصر لإعداد الخطة.

  • جمال عبد الناصر من ميدان المنشية حيث أعلن قرار تأميم قناة السويس عام 1956
    جمال عبد الناصر من ميدان المنشية حيث أعلن قرار تأميم قناة السويس عام 1956

يصادف يوم 26 تموز/يوليو الذكرى الـ65 لإعلان الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، هذا الحدث الذي غيّر شكل مصر الحديثة وعلاقاتها مع الدول الكبرى حينها، والتي كان بعضها يستثمر قناة السويس، ويستغل الثروات التي تنتجها القناة.

عبد الناصر كان الرئيس المصري الذي أعلن تأميم القناة، أي إعادتها لملكية الدولة المصرية بعد أن كانت لما يزيد عن 8 عقود مسلوبة وتذهب عائداتها إلى بريطانيا وفرنسا.

تفاصيل الفكرة واتخاذ القرار بقيت غامضة ولم يصل إلينا منها إلا القليل، حيث لم تُكتب الكثير من التفاصيل حول الموضوع، إلا ما كشفه الصحفي المصري محمد حسنين هيكل، إلا أن بعض المعلومات تشير إلى دور لعبه قانوني مصري اسمه مصطفى الحفناوي، في إقناع المسؤلين بفكرة تأميم القناة، وجعلها خطوة قانونية.

المهندس علي الحفناوي نجل الفقيه القانوني مصطفى الحفناوي، يروي لـ "الميادين نت" قصة تأميم القناة عام 1956، فيشير إلى أنها بدأت مع أبيه منذ طفولته عندما سمع من أهالي قريته كيف كانت فرنسا تأخذ العمال للعمل في السخرة من أجل حفر القناة، ومن ضمنهم جده. هذا الأمر جعله يتعامل مع الموضوع بتأثر وعاطفة.

ويضيف أن الذي جعل والده يصمم على فكرة التأميم، هي قصة سفره على متن باخرة، حيث كان محامياً عن شركة بريطانية في مصر، وفي أثناء سفره سمع أحد الضباط البريطانيين يتحدث بضرورة أن يضغط البريطانيون لتكون القناة شركة عالمية لا مصرية من أجل تسهيل السيطرة عليها. فتدخل مصطفى الحفناوي في الحديث وأجابه قائلاً: قناة السويس ستعود بموعدها المقرر عام 1968 إلى مصر. وبالتأكيد هذا الكلام لم يعجب الضابط البريطاني.

  • مصطفى الحفناوي وابنه علي
    مصطفى الحفناوي (يمين) وابنه علي (يسار)

ويقول علي الحفناوي إن هذه القصة جعلت والده يصمم على ضرورة استرداد قناة السويس. "فكانت خطة الوالد أن يبدأ بتقديم رسالة دكتوراه في القانون الدولي عن حق مصر في استرداد القناة"، وهنا يوضح أن نحاس باشا، رئيس الوزراء المصري حينذاك، استدعى والده عام 1950 لمعاونته ومشاورته كخبير قانوني في إلغاء معاهدة عام 1936، وهي المعاهدة التي اعترفت بحق مصر في الاستقلال ونظمت الوجود العسكري البريطاني في مصر.

وفي اللقاء قال نحاس باشا لمصطفى الحفناوي: "أنت ألفت كتاب عن معاهدة 1936، وهو كتاب هجوم على المعاهدة"، وطلب منه أن يهديه نسحة من الكتاب، فأجابه الحفناوي: "يا سعادة الباشا أنت صادرت الكتاب وسجنت مؤلفه".

وفي أثناء الحديث قال الحفناوي لنحاس باشا إن تأميم قناة السويس أهم من إلغاء معاهدة 1936 من أجل تحقيق جلاء القوات البريطانية من القناة، وفي هذه اللحظة سأل نحاس باشا: ما العمل؟ فأجابه الحفناوي: أعددت رسالة دكتوراه وينقصني بعض المستندات وهي موجودة في محفوظات شركة قناة السويس في فرنسا، فلو تعاونني في دخول أرشيف الشركة هذه، فأتمكن من إتمام رسالة الدكتوراه لكي أثبت حق المصريين في استرداد القناة.

وعلى الفور حوّله نحاس إلى وزير خارجية مصر حينها محمد صلاح الدين، الذي عينه في بعثة مصر في السفارة المصرية في باريس، كغطاء يسمح له بالتعرف على إدارة شركة قناة السويس في باريس.

واستطاع الحفناوي أن يحصل على أهم مستند يثبت أن شركة القناة مصرية الأصل ومقرها الإسكندرية ومن حق مصر تأميمها، لأن عقد التأسيس الذي تعمل به الشركة كان مزوّراً ويعتبرها شركة عالمية مقرها باريس، وبالتالي هي غير قابلة للتأميم.

لماذا لم تؤمم القناة في عهد نحاس باشا؟

يجيب علي الحفناوي قائلاً إن محمد صلاح الدين، وزير الخارجية حينها، أجاب عن هذا السؤال في مقدمة رسالة الدكتوراه للحفناوي التي قدمها له، بأن هذه الرسالة تعبّر عن موقف الحكومة المصرية. وأن الرسالة هذه قدمت المستندات الأصلية. وعندما أقرت جامعة السوربون بمحتوى الرسالة فهي أقرت بالتالي بحق مصر في تأميم القناة.

ويؤكد الحفناوي على أن موافقة الجامعة على الرسالة شكّلت فضيحة في باريس، حيث اعتبرت موافقة جامعة السوربون على الرسالة بمثابة الموافقة على تأميم السويس.

إلغاء معاهدة 1936

عام 1951 استدعى نحاس باشا الحفناوي لمشاورته مع وحيد رأفت، أحد كبار القانونيين المصريين، للإعداد لإلغاء معاهدة 1936، وقال للحفناوي: إلغاء المعاهدة هي الخطوة الأولى لنا لاستعادة قناة السويس. وبالفعل ألغيت المعاهدة في 8 تشرين الأول/أكتوبر عام 1951 وقامت الحكومة المصرية بتسليح الفدائيين في محيط قناة السويس لإخراج الجنود البريطانيين من منطقة القناة.

ويوضح علي الحفناوي أن الوضع العسكري في تلك الفترة وحصول حريق الشرطة في الإسماعيلية الذي سبب رد فعل عند الشعب، وبعدها بيوم حريق القاهرة في 26 كانون الثاني/يناير عام 1951، مما جعل ملف التأميم يؤجل. وبالتالي تغيرت حكومة الوفد وتولى الحكم حكومات عدة، حتى حصلت ثورة 23 تموز/يوليو 1952.

عبد الناصر والحفناوي

يخبرنا علي الحفناوي، الذي جمع مذكرات والده في كتاب بعنوان (خلفيات تأميم قناة السويس)، أن الرئيس جمال عبد الناصر استدعى مصطفى الحفناوي في نهاية اَب/أغسطس عام 1952 وأثار معه موضوع تأميم قناة السويس. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام، عاد عبد الناصر واستدعاه لإلقاء محاضرة في نادي الضباط في الزمالك حول قناة السويس.

ويتذكر علي أن والده مصطفى في هذه الفترة أصدر جريدة "قناة السويس" في نيسان/أبريل عام 1952 وفي أول عدد منها فضح ممارسات الشركة البريطانية. وقد بقي يهاجمها في المنتديات والإذاعة والإعلام.

عام 1954 استدعاه عبد الناصر في لقاء سري، وجرى الإجتماع في منزل المستشار محمود عبد اللطيف وطلب عبد الناصر من الحفناوي أن يتوقف عن مهاجمة الشركة البريطانية والمطالبة بتأميمها. وشرح له أن الإنكليز يرفضون التوقيع على اتفاقية الجلاء، طالما أن الحكومة المصرية تترك الحفناوي يهاجم الشركة ويطالب بتأميمها. وفي هذا الإجتماع وعد عبد الناصر بأن يؤمم القناة بعد خروج اَخر جندي بريطاني من مصر.

بحسب المعلومات  التاريخية فإن عبد الناصر بدأ التفكير الجدي بتأميم القناة بعد رفض الولايات المتحدة الأميركية تمويل بناء السد العالي في مصر بتاريخ 19 تموز/يوليو 1956، وفي خطاب له بعد أيام قال إن المصريين سيبنون السد بأيديهم، وبدأ يعرض الفكرة على المقربين منه والمختصين.

يروي علي الحفناوي "استدعى عبد الناصر والدي في 23 تموز/يوليو 1956 إلى منزله في منشية البكري وسهر معه الليل كله في سبيل إعداد وثيقة التأميم".

  • إعلان الرئيس عبد الناصر تاميم قناة السويس
    إعلان الرئيس عبد الناصر تاميم قناة السويس

وبعد 3 أيام وتحديداً في 26 تموز/يوليو أعلن عبد الناصر من ميدان المنشية في الإسكندرية تأميم قناة السويس، بعد أن أعد مجموعات من المهندسين والضباط لاحتلال مقرات الشركة في مصر. وفي نفس اليوم، توجه مصطفى الحفناوي مع  مجموعة من المهندسين وضباط الشرطة لاستلام مقر شركة القناة في القاهرة ووضع اليد على أختامها وملفاتها.

قادت بريطانيا وفرنسا و"إسرائيل" عدواناً ثلاثياً على مصر بسبب قرار تأميم القناة بعدها بأسابيع قليلة، إلا أن العدوان انتهى بقبول المعتدين "مرغمين" بعودة قناة السويس إلى السيادة المصرية، واعتبر قرار "ناصر" بتأميم القناة أهم قرار في تاريخ مصر الحديث، وجعل من الرجل قائداً عربياً ذو شهرة واسعة في العالم العربي.

نشير إلى أن مصطفى الحفناوي رحل عن عالمنا في 18 حزيران/يونيو عام 1980.