جامعة الدول العربية تعود إلى سوريا.. ما الذي تغيّر؟

قرار جامعة الدول العربية جاء ليُنهي المحاولات الفاشلة لعزل سوريا، وذلك من خلال إعلانها استئناف مشاركة وفود الحكومة السورية في اجتماعاتها، فما الذي تغيّر على الصعيد السياسي؟

  • جامعة الدول العربية تعود إلى سوريا.. ما الذي تغيّر؟
    جامعة الدول العربية تعود إلى سوريا.. ما الذي تغيّر؟

بعد غيابٍ طال لسنوات، استعادت سوريا مقعدها في جامعة الدول العربية‬، وذلك بعد اجتماعٍ استثنائي عقده مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة.

وقررت جامعة الدول العربية استئناف مشاركة وفود الحكومة السورية في اجتماعاتها، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها، اعتباراً من يوم 7 أيار/مايو 2023.

كذلك، دعت إلى ضرورة اتخاذ خطوات عملية وفاعلة للتدرج في حلّ الأزمة وفق مبدأ الخطوة مقابل الخطوة، بما ينسجم مع قرار مجلس الأمن رقم 2254 بمواصلة الجهود التي تتيح توصيل المساعدات الإنسانية إلى كلّ المحتاجين في سوريا.

وطالبت أيضاً، بتشكيل لجنة اتصال وزارية مكوّنة من الأردن والسعودية والعراق ولبنان ومصر والأمين العام للجامعة، لمتابعة تنفيذ اتفاق عمّان، والاستمرار بالحوار المباشر مع دمشق للتوصّل إلى حلٍ شامل للأزمة يُعالج جميع تبعاتها.

بدورها، تلقّت دمشق باهتمام القرار الصادر عن اجتماع الجامعة العربية، وشددت على أنّ التفاعلات الإيجابية التي تجري حالياً في المنطقة العربية تصبّ في مصلحة كل الدول العربية، وفي مصلحة تحقيق الاستقرار والأمن والازدهار لشعوبها.

عودة سوريا ضرورة سياسية يفرضها الواقع

علّقت جامعة الدول العربية عضوية دمشق في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 بموافقة 18 دولة، واعترضت ثلاث دول هي: سوريا ولبنان واليمن، وامتنع العراق عن التصويت وقتها، وفرضت الدول العربية عقوباتٍ سياسية واقتصادية على دمشق آنذاك، إثر مواقف سوريا تجاه الحرب المفروضة عليها.

وقدّمت دول عدّة، خصوصاً خلال سنوات الحرب الأولى، دعماً للمعارضة المسلحة حتّى أنّه خلال قمة عربية في الدوحة في العام 2013، شارك، ولمرّة واحدة فقط، وفدٌ من الائتلاف السوري المعارض بوصفه "ممثلاً" عن الشعب السوري.

اليوم، مع انتصار سوريا واستعادة معظم أراضيها بدعمٍ من حلفاء إقليميين ودوليين، وفشل المعارضة في إدارة الملف السوري على المستويات كافّة، إذ كانت تدير الأطراف المعارضة الملفات بناءً على مصالحها الضيّقة.

وكذلك، فشل المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في إسقاط الحكومة في سوريا، إذ أصبحت الأزمة السورية واحدةً من أصعب الملفات الخارجية بالنسبة إلى الإدارات الأميركية (إدارات أوباما، ترامب وبايدن).

وفي وقتٍ سابق، نقلت جريدة "الأخبار" اللبنانية، أنّ الرئيس السوري بشار الأسد صارح قادة عرباً ووسطاء قائلاً إنّ "دمشق هي من يملك حق أن يسامح دولاً وجماعات كانت طرفاً كبيراً في الحرب وشريكة في سفك الدماء العربية. وسيكون من الخطأ أن يفكر أحد في أنّ سوريا مستعدة للحديث مع أيّ دولة بشأن وضعها الداخلي، فلا مجال لأيّ تفاوض حول المسألة السورية الداخلية".

اليوم، قرار جامعة الدول العربية جاء ليُنهي المحاولات الفاشلة لعزل سوريا، انطلاقاً من الضرورة السياسية التي كرّسها الواقع المتغيّر، ولا سيما أنّ سوريا تتطلع اليوم إلى إعادة إعمار ما دمّرته الحرب. 

مسار الانفتاح العربي

مع تغير المعادلات الميدانية، برزت منذ عام 2018، مؤشرات انفتاح عربي، وإن كان بطيئاً، تجاه سوريا بدأت مع إعادة فتح الإمارات سفارتها في دمشق.

لكن، يبدو أنّ الزلزال المدمّر الذي ضرب سوريا وتركيا المجاورة في شباط/فبراير 2023، سرّع من عملية استئناف المحيط الإقليمي علاقاته مع دمشق، إذ تلقى الأسد سيلاً من الاتصالات والمساعدات من عدّة دول عربيّة، حتى إنّ السعودية والإمارات أرسلتا طائرات مساعدات كانت الأولى من نوعها منذ قطع علاقاتهما مع دمشق.

وفي آذار/مارس الماضي، زار الرئيس السوري بشار الأسد الإمارات وسلطنة عمان لتعزيز التعاون والتنسيق بما يخدم الاستقرار والتنمية في المنطقة.

وبعدها بفترةٍ قليلة، أعلنت الرياض في آذار/مارس أنّها تجري مباحثات مع دمشق حول استئناف الخدمات القنصلية.

وفي 18 نيسان/أبريل الماضي، التقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان الرئيس السوري خلال أول زيارة رسمية سعودية إلى دمشق منذ القطيعة.

وخلال شهر نيسان/أبريل أيضاً، جال وزير الخارجية السوري فيصل المقداد على دولٍ عربية عدّة بينها مصر وتونس والأردن والجزائر والسعودية، وخلال الجولة أعلنت تونس استئناف العلاقات مع دمشق.

وكذلك، استضافت الأردن بداية الأسبوع اجتماعاً لوزراء خارجية سوريا والأردن والسعودية والعراق ومصر، وجرى الاتفاق على "دعم سوريا ومؤسساتها في أيّ جهود مشروعة لبسط سيطرتها على أراضيها".

عودة سوريا تأتي بعد تطورات المشهد العربي والإقليمي

وعن التغييرات السياسية الحاصلة التي دفعت العرب إلى العودة  إلى سوريا، قال نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أيمن عبد الوهاب للميادين نت إنّه يمكن قراءة عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية في إطار تطورات المشهد العربي والإقليمي العام، وتحديداً يمكن الحديث عن ملف التقارب السعودي- الإيراني، وتطورات الوضع الميداني الداخلي في سوريا، وكذلك تنامي مؤشرات أهمية احتضان سوريا عربياً.

ولفت عبد الوهاب إلى أنّ تنامي رؤى العديد من القوى الإقليمية المؤثرة ذات الثقل العربي في أهمية عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، لا ينفي وجود بعض التحفظات من بعض الأطراف العربية على هذه العودة.

وأشار إلى أنّ "عودة سوريا إلى الساحة العربية ستمثّل عاملاً مهماً في توازنات القوى، وفي ترجيح بعض المؤشرات السياسية المعنية بزيادة مساحات التفاعل والتعاون العربي- العربي.

الأطراف العربية ستعود تدريجياً إلى سوريا

وبالنسبة إلى كيفية ترجمة عودة سوريا من الناحية السياسية إلى الساحة العربية، قال أيمن عبد الوهاب إنّ عودة سوريا ستنعكس في اتجاهٍ إيجابي لبعض القوى العربية الداعمة لمفهوم الدولة الوطنية والمعززة للاستقرار في المنطقة.

وأوضح عبد الوهاب أنّ عدداً من الأطراف العربية سيعود تدريجياً إلى سوريا، ولا سيما مع عودة الاستقرار والتفاعل السوري مع القضايا العربية.

وأشار إلى أنّ سوريا لها ثقلٌ استراتيجي يوازي العراق ومصر وهذا سيساعد بشكلٍ كبير في طرح بعض القضايا من منظورٍ مختلف، وسينعكس في العديد من الملفات في المنطقة.

واشنطن غير مُرحّبة بعودة سوريا

واليوم، صرّحت الخارجية الأميركية، بأنّ "دمشق لا تستحق استعادة مقعدها في جامعة الدول العربية في هذه المرحلة"، وذلك تعليقاً على قرار للجامعة بإنهاء تعليق عضوية سوريا فيها واستئناف مشاركة وفودها.

وعن الموقف الأميركي، قال نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أيمن عبد الوهاب إنّ التحفظ الأميركي سيبقى قائماً على الأقل في المراحل الأولى، فواشنطن غير مُرحّبة بالعودة.

وأضاف عبد الوهاب أنّ تشابك الوضع في سوريا له انعكاسات سواء في اتجاه "إسرائيل"، أو حتى في ما يخص الوجود الروسي وارتباطه، وإن كان بشكلٍ غير مباشر مع الملف الأوكراني.

وأردف قائلاً إنّ "التدخل الإسرائيلي سواء في الملف السوري أو الأوكراني له تقاطعات قد تبدو غير مباشرة، لكن في الحقيقة  سينعكس على طبيعة العلاقات الروسية - الإسرائيلية من جهة ، وعلى موقف  القوى الكبرى من الملف السوري، لا سيما في ظل إعادة هندسة المنطقة في هذا التوقيت".

لا يوجد أمام الدول العربية سوى العودة إلى سوريا، فرحلة عزلها التي انطلقت عام 2011 انتهت إلى فشل، فمن كان يريد تدفيع سوريا ثمناً لعودة التواصل معها عاد لاستئناف العلاقات معها، فالرئيس الأسد قال لكل من التقاهم من المسؤولين العرب، بأنّه ليس مستعجلاً للعودة إلى الجامعة العربية، لكنّه مستعدٌ لتنظيم العلاقات الثنائية مع الدول العربية من دون أيّ شرط.

اقرأ أيضاً: لماذا تسعى السعودية لعودة سوريا إلى الجامعة العربية؟