جريمة إحراق المصحف الشريف.. لماذا تتكرر في أوروبا؟

في تظاهرة تزامنت مع عيد الأضحى رخّصت لها الشرطة السويدية، أحرق رجل نسخة من المصحف الشريف، فهل يعكس هذا الفعل المُدان تنامياً لـ "الإسلاموفوبيا" في أوروبا؟

  • جريمة إحراق المصحف الشريف.. لماذا تتكرر في أوروبا؟
    جريمة إحراق المصحف الشريف.. لماذا تتكرر في أوروبا؟

منحت الشرطة السويدية ترخيصاً لتنظيم تظاهرة، أمس الأربعاء، تهدف إلى حرق نسخة من المصحف الشريف بالتزامن مع حلول عيد الأضحى المبارك (العيد الأكبر للمسلمين حول العالم).

خلال تظاهرة أمس، أقدم سلوان موميكا (37 عاماً)، من أصول عراقية، على إحراق نسخة من المصحف لـ "تسليط الضوء على أهمية حرية التعبير"، كما يدّعي.

وجاء الضوء الأخضر لتنظيم هذه التظاهرة بعد أسبوعين على ردّ محكمة استئناف سويدية قراراً للشرطة برفض منح تصاريح لتظاهرتين في ستوكهولم كان سيحرق المصحف خلالهما، وأجّلت السلطات التظاهرتين خوفاً من ردود الأفعال.

إساءات متكررة

جريمة حرق نسخة من المصحف، يوم أمس، لم تكن الأولى، والسويد ليست البلد الأول الذي يقع فيه هذا العمل الذي تدينه الدول.

في 21 كانون الثاني/يناير الماضي، أقدم زعيم حزب "الخط المتشدّد" الدنماركي اليميني المتطرف، راسموس بالودان، على حرق نسخة من المصحف في ستوكهولم أمام السفارة التركية تنديداً بالمفاوضات التي تجريها ستوكهولم مع أنقرة بشأن انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ولم تمرّ عدّة أيام على ذلك الحدث، حتى أقدم زعيم تنظيم "الوطنيين الأوروبيين ضد أسلمة الغرب" (PEGIDA) المعادي للإسلام، إدوين واجنسفيلد، بتمزيق ورقة من المصحف الشريف، وسعى في إحراقها تحت أنظار السلطات الهولندية.

خلال العام 2022، أحرق المصحف 3 مرات. الأولى على يد  زعيم حركة "أوقفوا أسلمة النرويج"، لارس ثورن، وأحرق نسخة من المصحف الشريف في حيٍ تعيش فيه جالية مسلمة كبيرة بضواحي العاصمة أوسلو، أما الثانية والثالثة فعلى يد راسموس بالودان، على الرغم من أنّ الشرطة رفضت منحه الترخيص لفعل ذلك.

وخلال العام 2021، قامت مجموعة نرويجية متطرفة معادية للإسلام تنتمي لحركة "أوقفوا أسلمة النرويج" (SIAN) بتمزيق صفحات من المصحف خلال تظاهرة مناهضة للإسلام في العاصمة أوسلو، وكذلك قام ناشطون في حزب بالودان المتطرف بإحراق نسخة من المصحف في مدينة "مالمو" السويدية.

منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، حاولت الحكومات الغربية اليمينية، وبقيادة إدارة الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش الابن، تعميم الإسلاموفوبيا في الغرب،وتكررت حادثة الإساءة للمصحف الشريف خلال السنوات الماضية، وتواترت أحداث حرق المصحف الشريف لمتظاهرين في الولايات المتحدة، ومن قِبل الجنود الأميركيين في أفغانستان، وفي غالبية المرّات يشهد هذا الحدث إدانات ومظاهرات حول العالم. 

هل يعكس حرق المصحف تنامياً لـ "الإسلاموفوبيا" في أوروبا؟

قيام زعيم حزب "الخط المتشدد" الدنماركي اليميني المتطرف، راسموس بالودان، بحرق المصحف الشريف في مختلف مدن الدنمارك منذ عام 2017، وبرأي مراقبين، فإنّه وفي تكراره لهذا التصرّف، يمضي على خطى زعماء اليمين المتطرف، على الساحة السياسية الأوروبية، والذين يعتبرون أنّ العداء للإسلام وللمهاجرين المسلمين، ورقة رابحة لكسب الشعبية في أيّ انتخاباتٍ يخوضونها.

تمدّدُ اليمين المتطرف في أوروبا، يبدو واضحاً من خلال ازدراء فئاته للمقدسات الدينية التي تؤمن بها الجاليات، وكذلك ازدراء المهاجرين أنفسهم، إذ دعا بالودان إلى العنف، حيث قال: "ستنتهي دماء الأعداء الأجانب في المجاري حيث ينتمي الأجانب"، فما تلبث أن تهدأ أحداث الكراهية في بقعة أوروبية حتى تندلع في بقعة أخرى.

حدث ذلك عندما أعادت مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة، نشر رسومها الكاريكاتورية، المسيئة لنبي الإسلام محمد في أيلول/سبتمبر من العام 2020.

وخلص بحث لـ "The Swedish National Council for Crime Prevention Brå" في 3 أيار/مايو 2021 إلى أنّ العديد من الأشخاص الذين يعيشون في السويد لديهم تصورات نمطية وسلبية عن المسلمين، وأنّ هذه التصورات والأفكار تساعد على توفير تربة خصبة لجرائم الكراهية والتمييز.

وتتخذ جرائم الكراهية المعادية للإسلام أشكالاً عديدة ولا تقتصر على نوع معيّن من المكان أو الزمان أو الشخص. ومن بين تقارير الشرطة التي جرى فحصها خلال الدراسة، تمثّل التهديدات والتحرّش أكبر فئة من الجرائم، يليها التحريض على مجموعة من السكان، والتشهير، والجرائم العنيفة، والتحريض ضد المسلمين في وسائل التواصل الاجتماعي، وجرائم كراهية بدرجات متفاوتة.

في السياق نفسه، فإنّ تنامي اليمين المتطرف في أوروبا يؤسس لتعاون وتنسيق ما بين الجماعات اليمينية، والمشكلة الأكثر تعقيداً عندما تكون لـ"الإسلاموفوبيا" ورقة سياسية لكسب الأصوات في الانتخابات العامة أو المحلية، وهذا بالفعل ما حصل مع  راسموس بالودان الذي خسر في الانتخابات المحلية في كوبنهاغن، ولكن في العام 2019 حصل بالودان على تغطية إعلامية ضخمة، مما أهّله لدخول الانتخابات العامة.

ونتيجة لتمدّد الفكر المتطرف، شُنّت حملات دهم واعتقال استهدفت منظمات مجتمع مدني إسلامية ومساجد باسم حماية الدولة، مع أنّ سياسات كهذه تقوّض في واقع الأمر حريات أساسية يحميها الدستور، مثل حرية الدين والمعتقد والتعبير والفكر.

حرق المصحف بين حرية التعبير وخطاب الكراهية

يُمثّل القرآن الكريم، رمزاً لعقيدة يدين بها أكثر من مليار شخص، وكل من يقوم بحرق المصحف يهزأ من تلك العقيدة وأصحابها.

لا يمكن أن نجادل بأنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ضمن حرية الرأي والتعبير، وكذلك كفل حق التظاهر في الدول ذات الأنظمة الديمقراطية، ومن حق المجموعات أن تعبّر عن آرائها، ولكنْ هنالك فرقٌ شاسع بين التعبير عن الرأي وتنفيذ خطاب الكراهية ضد الأديان.

المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنصّ على أنّه "لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير. يشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء من دون تدخّل، والسعي للحصول على المعلومات والأفكار، وتلقّيها ونقلها من خلال أي وسائط، وبغض النظر عن الحدود".

إنّ المسلمين لم يفرضوا على شعب أوروبا أن يؤمنوا بالقرآن، وهذا المبدأ يُعتبر من أسس الحضارة الغربية، منذ جون لوك (سياسي إنكليزي 1632 - 1704)  وفولتير (كاتب وفيلسوف فرنسي عـاش خلال عصر التنوير 1694 - 1778)، فالتسامح هو أن تقبل بما لا تؤمن به، وتتغاضى عنه ولا تمَس أصحابه بأذى، أو تزري ما يؤمنون به.

لذلك، فإنّ أي تصرّف يتجاوز حرية التعبير إلى خطاب كراهية ضد المسلمين بالدرجة الأولى وضد رموزهم ومعتقداتهم لا يمكن أن نصنّفه إلا كخطاب كراهية، إذ عرّفت الأمم المتحدة خطاب الكراهية بأنه "أي نوع من الاتصال في الكلام أو الكتابة أو السلوك، يهاجم أو يستخدم لغة تحقيرية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس مَن هم، وبعبارة أخرى، على أساس دينهم أو عرقهم أو جنسيتهم أو لونهم أو نسبهم أو جنسهم أو أي عامل هوية آخر".

ولأجل ذلك، قامت الأمم المتحدة بمحاولة لوضع سمات معينة يمكن من خلالها التمييز بين حرية الرأي وبين خطاب الكراهية، فقالت إن خطاب الكراهية "تمييزي" أو "ازدرائي".

وخطاب الكراهية وفق الأمم المتحدة هو الكلام الذي يحضّ على كراهية أفراد أو مجموعة بسبب هويتهم، وبما في ذلك: (الدين، والعرق، والجنسية، واللون، والنسب، والجنس)، ويمكن نقل الكلام التحريضي من خلال أيّ شكلٍ من أشكال التعبير، بما في ذلك الصور والرسوم المتحركة والإيماءات والرموز.

إنّ حرق نسخ من المصحف الشريف وقع في عدّة مدن أوروبية ومن بينها السويد، إذ خرج الشباب المسلمون رفضاً لهذا الفعل الشائن وقبض عليهم وعوقب من تظاهر تعبيراً عن حرية الرأي، بالسجن لسنوات من دون أيّ اعتبار لدعاوى الحرية والديمقراطية الجوفاء. 

تتعامل دول أوروبا ولا سيما السويد بازدواجية مع موضوع الحرية، فهي تعهّدت لسفير "إسرائيل" بمنع أي محاولة لحرق التوراة أمام سفارة الكيان الإسرائيلي، وذلك بعد تقدّم مواطن سويدي بطلب رسمي للسماح له بذلك لاختبار صدق الديمقراطية السويدية في حماية حرية التعبير، وقد شكر السفير الإسرائيلي حكومة السويد على تفّهمها.