عزل روسيا عن العالم.. كيف سعت بريطانيا لتحقيق هذا الهدف؟

التوترات بين روسيا والمملكة المتحدة تأججت عقب العملية الروسية في أوكرانيا، لكن جذورها تعود إلى عدائية بريطانية أكبر تجاه موسكو، وإلى الطموح باستعادة القيادة الأوروبية.

  • بريطانيا
    العلاقات الروسية البريطانية

لا تكاد مؤشرات التوتر في العلاقات الروسية البريطانية تختفي حتى تعود إلى الواجهة مجدداً، وآخرها إدراج الخارجية الروسية اسم رئيس الوزراء بوريس جونسون، ووزيري الدفاع والخارجية، و10 من كبار مسؤولي الحكومة البريطانية، في قائمة الممنوعين من دخول روسيا، في رد على إرسال بريطانيا أسلحة فتاكة لأوكرانيا ومحاولتها عزل روسيا.

وردّت بريطانيا على القرار الروسي بتقديم المزيد من المساعدات العسكرية لأوكرانيا، فيما صرّح جونسون بأن "لا شيء يمنع المملكة المتحدة من أن تضمن حصول الأوكرانيين على المصادر التي يحتاجونها للدفاع عن بلادهم من الهجوم الروسي المستمر".

دعم أوكرانيا صعّد التوتر

يبدو أنّ بريطانيا لا تفوّت فرصة لإشعال فتيل الخصومة مع روسيا، وربما جاءت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا لتتوج التحيز البريطاني ضد روسيا.

التعاون العسكري بين المملكة المتحدة وأوكرانيا ليس وليد اليوم، فقد وقّع الطرفان في تشرين الأول/أكتوبر 2020 مذكرة لتعزيز التعاون في المجالين العسكري والتقني، بمبلغ 1.25 مليون جنيه إسترليني. 

كذلك، تم توقيع مذكرة تفاهم حول التعاون بين البلدين في تصميم وبناء سفن حربية في الأراضي الأوكرانية والبريطانية، إضافة إلى بناء قاعدتين تابعتين للقوات البحرية الأوكرانية في حزيران/يونيو 2021.

ووقّع سفير أوكرانيا في لندن فاديم بريستايكو في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 اتفاقية إطارية تقضي بتخصيص موارد مالية لبناء 8 زوارق حاملة للصواريخ لحساب أوكرانيا.

وبذلك، تكون المملكة المتحدة ثاني أكبر دولة بعد سويسرا في ترتيب الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد الأوكراني، وتعتبر لندن ثالث أكبر مستثمر بعد قبرص وهولندا على مستوى الاستثمار المباشر المتراكم في أوكرانيا.

مؤخراً، وعلى خلفية العملية العسكرية الروسية التي انطلقت في 24 شباط/فبراير من العام الجاري، شكّلت بريطانيا رأس حربة في فرض الكثير من العقوبات الغربية على روسيا، مثل تجميد أرصدة البنوك الروسية في المملكة المتحدة، وحظر الشركات المملوكة للدولة الروسية والشركات الخاصة الاستراتيجية الرئيسية، لمنعها من الحصول على التمويل في أسواق المال في المملكة المتحدة، وإقرار قيود عقابية جديدة تتعلق بضوابط التجارة والتصدير ضد القطاعات الاستراتيجية والفائقة التطور في روسيا، ومنع شركة الطيران الوطنية الروسية "إيروفلوت" من دخول المجال الجوي للمملكة المتحدة.

كانت بريطانيا من أكثر المتحمسين لعزل روسيا عن نظام "سويفت" العالمي بشكل كامل، ولفتت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس إلى أنّ بلادها لا تهدف فقط إلى فصل روسيا عن "سويفت"، بل إلى إقامة تحالفات في مجالي الاقتصاد والأمن حول العالم، لتشديد العزلة على روسيا، فيما يجري الحديث عن عزم سلطة الضرائب البريطانية على إلغاء اعترافها ببورصة موسكو للأوراق المالية، وهو ما يؤدي إلى زيادة عزلة روسيا عن أسواق المال العالمية.

 ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي

مباشرة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 كانون الثاني/يناير 2020، وضعت حكومة بوريس جونسون ما أسمته المراجعة الشاملة للسياسة الدفاعية والدبلوماسية، والذي تمثّل روسيا بموجبه التهديد الأكبر على الأمن البريطاني وأمن أوروبا أكثر من أي دولة أخرى، بما في ذلك الصين.

وتسبب الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بخسارة بريطانيا الكثير من نفوذها العالمي. لذا، رأت ألا بديل لاستعادة مكانتها إلا بالتماهي مع مواقف الولايات المتحدة الأميركية وكسب ودها، لتكون الحليف الأقوى لواشنطن في أوروبا.

وعبّرت موسكو عن استغرابها من التحوّل غير المتوقّع لبريطانيا، واشتداد عدائية مواقفها حيال روسيا بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بقوله إنّ "بريطانيا مستمرة في سياستها المناهضة لموسكو، رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، وسط توقعات بأن يكون التخلي عن عضوية الاتحاد الأوروبي حافزاً للندن لتطبيع العلاقات مع روسيا".

وعقّب على ذلك بالقول إنّ العلاقات الروسية البريطانية وصلت إلى "درجة التجمد"، والسبب في ذلك هو "المسار الصارم الذي اتبعته السلطات البريطانية تجاه روسيا في السنوات الأخيرة".

حلفاء روسيا خصوم لبريطانيا أيضاً!

يبدو أنّ السياسة البريطانية الجديدة هي خلق نوع من التوازن في مواجهة الثنائي الصين – روسيا. وتعد لندن عضواً رئيسياً مساعداً للولايات المتحدة في محاصرة النفوذ الصيني في العالم، والبداية من الدور الذي أدته في إقناع أستراليا بالتخلي عن صفقة الغواصات الشهيرة مع فرنسا الصيف الماضي، والرهان على الغواصات الأميركية وتشكيل حلف "أوكوس" بين الدول الثلاث لمحاصرة النفوذ الصيني في منطقة الهندي – الهادئ. 

وتتجلى الرؤية الجيوسياسية البريطانية في ضرورة إضعاف الثنائي الآخذ في التشكل الصين – روسيا، وذلك بعدم فتح المجال له للتركيز على المحيط الهادئ، وجعل روسيا منشغلة بالواجهة الغربية الأوروبية، وهذا ما دفع موسكو إلى انتقاد إنشاء هذا التحالف العسكري، عبر وصفه من قبل سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف بأنّه "مغامرة أميركية" تقوّض أسس الاستقرار في آسيا.

ما تتبعه بريطانيا من أساليب في تعاملها الدولي مع روسيا يثبت عدم قدرتها على المواجهة المباشرة بأيِّ شكل كان. لذا، لجأت المملكة المتحدة إلى ما يشبه "الحرب الباردة" مع روسيا.

حلف الناتو يحاول التمدد باتجاه الشرق قرب حدود روسيا، عن طريق ضم أوكرانيا، وروسيا الاتحادية ترفض ذلك وتطالب بضمانات أمنية، فتعترف بجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، وتطلق عملية عسكرية في إقليم دونباس، بسبب قصف القوات الأوكرانية المتكرر على الإقليم.