أنالينا بربوك.. "المرأة الحديدية" التي تجرأت على بسمارك وتعمّدت تهميش شولتس

في خطوة مثيرة للجدل، لم يجرؤ على القيام بها أي وزير خارجية لألمانيا منذ قرون، وضعت أنالينا بربوك بصمتها الخاصة على مبنى وزارة الخارجية الألمانية الذي تشغله.

  • عن أنالينا بربوك التي تجرأت على بسمارك وتتعمّد تهميش شولتس 
    تجرأت أنالينا بربوك على بسمارك وتتعمّد تهميش شولتس 

يبدو أن عقدة "المرأة الحديدية" لا تفارق هذه الأيام وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بربوك. فمنذ أن أُسند إليها منصب رئيسة الدبلوماسية لبلادها، لا تترك مناسبة إلّا وتستغلها، من أجل الحصول على هذا اللقب، الذي كانت استحقته عن جدارة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، بعد قيادتها ألمانيا، وحتى أوروبا، طوال 16 عاماً.

لكن الأهم أن طموح بربوك لا يقف عند هذا الحدّ. فوزيرة الخارجية تتطلع أيضاً إلى الجمع بين هذا اللقب، أعلاه، ومنصب "المستشارة المقبلة" لألمانيا، والذي تعمل على تحقيقه، ليل نهار. وهذه الرغبة تبدو واضحة وجلية تماماً، من خلال السيرة والسلوك السياسيَّين لبربوك وحركتها ونظرتها إلى دور برلين المستقبلي، على المستويين الأوروبي والعالمي، وعلاقاتها الدولية، وأسفارها المتكررة، ومواقفها النارية (المتطرفة مقارنة بأسلافها السابقين) بشأن عدد من القضايا والأزمات، وخصوصاً الأوكرانية.

من أين استمدت بربوك هامش قوتها حالياً، وكيف تستغله للترويج لشخصها؟

في الواقع، تعي بربوك جيداً حاجة المستشار الألماني الحالي، أولاف شولتس، إليها، كزعيمة لحزب "الخضر"، وخصوصاً أن "الحزب الديمقراطي الاجتماعي" (SPD)، الذي ينتمي إليه شولتس، كان حصل في أثناء انتخابات عام 2021، على 26 في المئة فقط، من الأصوات، فاضطر بعدها مرغماً إلى التحالف مع "الديمقراطيين الأحرار" الليبراليين (FDP)، و"حزب الخضر"، من أجل استمراره في قيادة ألمانيا.

من هنا، عرفت بربوك قَدْرَها وأهميتها (وتدللت، إن جاز التعبير)، واستغلت موقعها الحزبي بخبث ودهاء كبيرين، الأمر الذي منحها نفوذاً هائلاً في السياسة الخارجية في مقابل دعم شولتس في منصبه، مستشاراً لألمانيا.

وعليه، بمجرد أن أصبحت وزيرة خارجية شولتس، أخذت بربوك زمام المبادرة على الفور، وزارت العواصم التالية: واشنطن وبروكسل وباريس ووارسو وكييف، حتى قبل شولتس.

وفي خطوة مثيرة للجدل، لم يجرؤ على القيام بها أي وزير خارجية لألمانيا منذ قرون، وضعت بربوك بصمتها الخاصة على مبنى وزارة الخارجية الألمانية الذي تشغله. وبالتالي، أمرت بإعادة تسمية غرفة المؤتمرات الرئيسة ـــ كانت تُعرف في الأصل باسم غرفة بسمارك، على اسم أول مستشار ألماني ومؤسس وزارة الخارجية ــــ باسم قاعة الوحدة الألمانية. وبذلك، لم تقم بربوك بإبعاد أول مستشار لألمانيا عن وزارة الخارجية فحسب، بل نجحت أيضاً في إبعاد أشهر مؤيديها للسياسة الواقعية.

كيف تعمل بربوك على تهميش شولتس واستعادة منصب المستشار منه؟

في الحقيقة، لا تخفى على أحد نيات بربوك في سحب بساط المستشار الذي يشغله شولتس هذه الأيام. لهذا، حيث يكون شولتس متردداً، ويعتمد السياسة الواقعية (كما هي الحال في العلاقة بروسيا والأزمة الأوكرانية)، تحرص بربوك على الظهور في صورة السياسية الحازمة والصارمة، وخطف الأضواء، محلياً ودولياً، من خلال رفع شعارات حقوق الإنسان، التي تدغدغ مشاعر الشعب الألماني وتلقى صدىً إيجابياً واسعاً لديه، وإطلاق مواقف عدائية ضد موسكو، وبصورة أقل تجاه بكين.

زد على ذلك أن بربوك تقدّم نفسها أيضاً المدافعةَ الأولى عن الأوكرانيين. ولهذه الغاية، تصدَّرت هذه الوزيرة عناوين الصحف، الثلاثاء الماضي، في 10 الجاري، عبر زيارتها المفاجئة لمدينة خاركيف، شمالي شرقي أوكرانيا.

ومع أن بربوك لم تتطرق إلى الجدل الدائر في الداخل بشأن ما إذا كان سيتم تزويد كييف بدبابات ألمانية متطورة، إلّا أنها وعدت بدعمها بمزيد من الأسلحة، وقالت إنها ستساعد أوكرانيا على "تحرير مواطنيها الذين ما زالوا يعانون تحت إرهاب الاحتلال الروسي". 
اللافت أن تصريح بربوك هذا جاء أقوى كثيراً من أي شيء كان قاله المستشار أولاف شولتس في الأسابيع الأخيرة، فضلاً عن أنه عُدَّ خروجاً على سياسة التوازن التي يعتمدها المستشار الحالي في مقاربته للأزمة الأوكرانية.

كيف جعلت بربوك أوكرانيا معركتَها؟

ليس من قبيل المبالغة القول إنه أصبح واضحاً للعيان أن الحرب في أوكرانيا هي أيضاً معركة بربوك، التي تَعُدّها حصان طروادة للجلوس على كرسي المستشار، بسبب تعاطف الشعب الألماني مع نظيره الأوكراني.

فالزيارة المفاجئة لخاركيف كانت خامس زيارة تقوم بها بربوك لأوكرانيا منذ أن تولت منصبها في نهاية عام 2021، بعد أن كانت سافرت إلى هناك لأول مرة في كانون الثاني/يناير 2022. في المقابل، احتاج شولتس إلى خمسة أشهر أخرى للوصول إلى كييف، استجابةً فقط لضغوط داخلية وخارجية كبيرة.

علاوة على ذلك، عندما عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وقف إطلاق النار لمدة 36 ساعة خلال عيد الميلاد، لدى الأرثوذكس، الأسبوع الماضي، قامت بربوك بالرد سريعاً على سيد الكرملين (في ظل صمت شولتس)، مؤكدةً أن "ما يسمى وقف إطلاق النار لا يجلب الحرية ولا الأمن للشعب"، وأضافت أن "يُؤمَل أن يكون بوتين اضطُر إلى تشتيت العزم الغربي بخطوته".

ماذا بشأن موقف المستشار شولتس؟

على الرغم من عدم تسرّب أي إشارات تشي بوجود خلاف بين شولتس وبربوك، فإن المراقبين يقولون إنه إذا كان المستشار يحاول تقويضها، فهو يفشل حتى الآن، بحيث منحها استطلاع حديث أعلى نسبة تأييد، بين كل السياسيين الرئيسيين في ألمانيا، إذ قال ما يقرب من نصف المشاركين إنهم راضون عن عملها، وهذا لا يجب أن يكون مفاجأة.
 
 المثير في الأمر أن بربوك ذهبت بعيداً في تهميش المستشار شولتس، إلى حد أنها تدخلت في مسائل تخرج عن نطاق اختصاصها. فبهدف استعادة صلاحيات وزارة الخارجية، أعلنت بربوك، في آذار/مارس 2022، أن وزارتها ستصوغ أول استراتيجية للأمن القومي في ألمانيا، وهي رؤية لدور البلاد وأهدافها في العالم.

ما تجدر معرفته أن التباين (غير المعلن) بين المستشار ووزيرة خارجيته، كان سبق هذا التاريخ. فبعد أيام من اندلاع المواجهة الروسية ـــ الأطلسية في أوكرانيا، أعلن شولتس، وسط ضجة كبيرة، «تحولاً» في السياسة الخارجية لبرلين، بما في ذلك زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي. لكنّ ما توقف عنده المراقبون هو أن بربوك زايدت على موقف المستشار الألماني، ورأت أن الأموال الهائلة التي وفرها شولتس لجيش البلاد، لم تكن كافية بمفردها، وأعلنت أن "السياسة الأمنية هي أكثر من مجرد قوة عسكرية، بالإضافة إلى الدبلوماسية". وفي خطاب آخر، أكدت الحاجة إلى حكومة "تتخذ إجراءات جريئة".
 
لاحقاً، حاول شولتس فرملة اندفاعة بربوك، واستخدم هو ووزير المالية، كريستيان ليندنر، حق النقض ضد مسوّدة استراتيجيتها الأمنية، قائلَين إنها لا تزال في حاجة إلى عمل.

في المحصّلة، ما هو مؤكد أن الصورة الشخصية البارزة لـ "Baerbock" تجعل من الصعب تجاهلها، وهذا يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمامها من أجل ملء الفراغ الناجم عن ضعف شولتس وتردده. بالإضافة إلى ذلك، مع عدم وجود نهاية في الأفق للمعارك في أوكرانيا، فمن المفارقات أن الفرصة، التي توفرها هذه المواجهة، هي التي تسمح لشخصية صاخبة من حزب الخضر (مثل بربوك)، التي كانت مسالمة ذات يوم، بالتألق والبروز والتقدم على شولتس.