فيلم "سيدة الجنة".. استخدام الثقافة للإساءة وإثارة الفتنة

الفيلم البريطاني، الذي يتناول حياة السيدة فاطمة، ابنة الرسول محمد، يثير الجدل. تمّ سحبه من دُور السينما في بريطانيا، وأدى إلى تظاهرات في مناطق متعدّدة. ما قصة "سيدة الجنة" البريطاني؟

  • علامات استفهام حول فيلم
    علامات استفهام بشأن فيلم "سيدة الجنة" البريطاني

"هل حدّثتك أمك عن قصة سيدة الجنة؟". 

اقتباس من المقطع الترويجي للفيلم البريطاني، "سيدة الجنة" (The Lady of Heaven)، الذي أثار غضب كثير من المسلمين داخل بريطانيا وخارجها. حامَ حول هذا الفيلم، قبل بدء عرضه وبعد، كثيرٌ من علامات الاستفهام، تتمحور حول الغرض والتوقيت والأهداف. المعارضون رأوا أن صُنّاع الفيلم يُسيئون إلى الإسلام، ويحاولون تشويه صورته، بينما يعتقد المؤيدون أن ثقافة إلغاء الآخر خطر على الفنون.

"سيدة الجنة"

هو فيلم دراما بدأ عرضه في بريطانيا في 3 حزيران/يونيو الجاري، ويدّعي أنه يروي قصة السيدة فاطمة الزهراء، ابنة النبي محمد، منذ ولادتها حتى وفاتها. تدور أحداثه في زمانين مغايرَين، الحاضر والماضي. ويبدأ بقصة الطفل (ليث) الذي قُتلت والدته، التي تُدعى فاطمة أمام عينيه، على يد تنظيم "داعش" في العراق، فيعتني به شاب من الحشد الشعبي العراقي، ويأخذه إلى منزله في بغداد. يسكن هذا المقاتل في منزل جدته لأنه فَقَدَ والديه في هجوم إرهابي سابق، فتبدأ الجدة تسأل الطفل عن حياته وعن أمه المقتولة، ثم يخبرها بأن اسم والدته فاطمة، فتسأله الجدة: "هل حدثتك أمك عن قصة سيدة الجنة؟". بعد هذا السؤال، يسرد الفيلم قصة السيدة فاطمة، من وجهة درامية، يقول مراقبون إن هدفها الاحتراب بين السُّنة والشيعة.

بعد مشهد الطفل، ينتقل الفيلم إلى الفترة التاريخية، التي شهدت لمّ شمل السيدة فاطمة بوالدها النبي محمد في المدينة المنورة، وزواجها بعلي بن أبي طالب، وإنجابها الحسن والحسين. وبحسب نقّاد ومتابعين في مواقع التواصل، لم يتناول الفيلم قصة السيدة فاطمة التاريخية، المعروفة في الإسلام، بل ركّز، في المقابل، على بعض الروايات المثيرة للفتنة، والتي تضمّنت إساءات دينية. كما انتقد كثيرون ظهور وجه النبي محمد، على نحو واضح، خلال عرض الفيلم، وهو الأمر الذي يرفضه عدد كبير من المسلمين حول العالم. كذلك، شكّل الفيلم مادة استفزازية بسبب الطريقة التي ظهر فيها الصراع على الخلافة بين المسلمين، واتهم المعارضون لعرض الفيلم صُنَّاعَه بالإساءة إلى الإسلام، ومحاولة تشويه صورته.

 

"ترويج للكره"

اتهم منتقدو الفيلم صُنّاعَه بالإساءة إلى الإسلام، وتحرّكت احتجاجات في بريطانيا، خلال الأيام الماضية، من أجل منع عرضه، الأمر الذي أدى إلى سحبه من دور العرض. واضطُرت شبكة "سيني وورلد" (cineworld) البريطانية، المتخصّصة بدُور السينما، إلى وقف عرضه. وسحبت السلسلة السينمائية الشهيرة في المملكة المتحدة جميع العروض، مشيرة إلى مخاوف الموظفين وسلامة العملاء، بينما لا تزال شبكة "Vue"، وهي سلسلة سينمائية منافسة، تقدّم عروضها في لندن والجنوب الشرقي من البلاد.

ووقّع أكثر من 120 ألف شخص عريضة يطالبون فيها بريطانيا بسحب الفيلم. كذلك، وصف مجلس المساجد في بريطانيا الفيلمَ بأنه "مسيء إلى الدين، وطائفي". ولم تتوقّف ردود الفعل عليه عند هذا الحد، بل منع المغرب عرضه، واستنكرته كل من مصر وباكستان وإيران والعراق.

في المقابل، كان لافتاً الموقف الرسمي البريطاني في الدفاع عن عرض الفيلم، عازياً الأمر إلى قدسية حرية التعبير. وأجاز المجلس الوطني للأفلام، على غير عادته، عرضه، ولم يرَ أنه متجاوز لخطوط التصنيف. 

كما أدى عرض الفيلم إلى عزل مسؤول مسلم من منصب مستشار حكومي لحكومة المملكة المتحدة، بعد أن اتهمته بريطانيا بتشجيع مظاهرات ضدّ فيلم "سيدة الجنة". وكان المسؤول، الذي يدعى قاري عاصم، وهو إمام مسجد ومحامٍ في ليدز في شمالي إنكلترا، كتب تعليقاً في فيسبوك، قال فيه إن الفيلم "يؤذي مشاعر المسلمين". كما نشر عاصم إحداثيات مكان للتظاهر في ليدز في الليلة نفسها.

ورأت السلطات البريطانية أن هذا المنشور يتعارض مع عمله نائباً لرئيس مجموعة عمل بشأن الإسلاموفوبيا، وأنهت "بمفعول فوري" مهماته، معتبرة أن الحملة ضد الفيلم "أدت إلى مظاهرة تحرّض على الكراهية الدينية".

"قذارة طائفية"

موقع "5Pillarsuk" البريطاني قدّم تفصيلاً عن مضمون الفيلم، وشرح بإسهاب لماذا يُعَدّ "سيدة الجنة" فيلماً "طائفياً، يؤدي إلى توترات بين السُّنة والشيعة"، وبيّن كيف يعرض الفيلم سرديات طائفية.

- بميزانية تبلغ 15 مليون دولار، وعلى مدى أكثر من ساعتين، عرض الفيلم روايات طائفية متطرّفة، وسيجد معظم المسلمين تصوير الصحابة صادماً.

- الفيلم عنصري للغاية، بحيث يجسّد الأدوار السلبية في العمل من خلال ممثلين سود البشرة.

- تدور سائر أحداث القصة بين حقبتين. يجد ليث منزلاً جديداً. تروي له سيدة مسنة قصة ابنة النبي، فاطمة، مع استمرار التشابه بين التطرف والتعطّش إلى الدماء بين "داعش" وصحابة النبي. 

- أدّى دورَ النبي محمد ممثلٌ، بحيث يمكن رؤية وجهه بوضوح، وهذا صادم للغاية، ولا يحترم أفضل المخلوقات لدى المسلمين.

- يُصوّر الفيلم النبي على أنه يفضّل عائلته على الآخرين.

-  تمّ إنفاق كثير من الأموال على "سيدة الجنة"، وهذا يتّضح، بصورة خاصة، من خلال التصوير السينمائي. وقد يجد المشاهدون غير المسلمين الفيلم جذاباً، الأمر الذي يجعله أكثر خطورة.

- بالنسبة إلى المسلمين، سيتسبب الفيلم بعاصفة إذا انتشر على نطاق واسع في بريطانيا.

يُعَدّ مؤلف الفيلم، ياسر الحبيب، الذي يعيش في لندن منذ أعوام، وسبق سَجنه في الكويت، شخصية مستفزّة لدى الشيعة والسُّنة، من خلال الأطروحات التي يرى كثيرون، سنةً وشيعةً، أنها تهدف فقط إلى إثارة الفتنة والتحريض.

جمع كبير من المسلمين يرى في فيلم "سيدة الجنة"، المموَّل من بريطانيا، هدفاً يرمي إلى "إيقاع الفِرقة بين أبناء المجتمع الإسلامي". الناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي يؤكدون أن "المنتفعين الحقيقيين من إنتاج هذا الفيلم هم الذين ركّزوا، خلال الأعوام الماضية، على الإسلاموفوبيا، وحاولوا رسم صورة عنيفة عن الإسلام".

اخترنا لك