ماذا يحدث في البيرو؟

البيرو هي ثاني أكبر مصدر للنحاس في العالم، عاشت على وقع الاضطرابات السياسية خلال العقود الأخيرة, وقد لا يكون عزل كاستيلو والقبض عليه آخر فصول هذه الاضطرابات، ولا سيما مع التعقيبات الأميركية أولاً بأول على التطورات المتسارعة في البلاد.

  • ماذا يحدث في البيرو؟
    ماذا يحدث في البيرو؟

انقلاب وخيانة،  بعض الأوصاف التي أطلقها معارضو الرئيس اليساري بيدرو كاستيلو عليه، بعد قراره عزل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ في البلاد. سرعان ما تطورت الأحداث، وخلال ساعات فقط، اتهمه البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة اليمينية بإساءة استخدام الصلاحيات، وصوّت 101 برلماني من أصل 130 على عزله بتهمة "العجز الأخلاقي"، في جلسة بثّت على تلفزيون البلاد بشكل مباشر.

رئيس البرلمان، خوسيه ويليامز، قال إن قرار العزل يفعّل المادة 115 في الدستور البيروفي التي تنص على الخلافة الرئاسية. وعليه، أقسمت نائبة الرئيس دينا بولوارتي  اليمين الدستورية أمام البرلمان، لتستمر في منصبها كأول رئيسة للبلاد حتى نهاية العام 2026 موعد انتهاء  مدة حكم  كاستيلو.

النيابة العامة في البيرو أعلنت توقيف كاستيلو بعدما عزله الكونغرس من منصب رئيس الجمهورية. ووفق ماريتا باريتو، منسّقة فريق المدّعين العامّين المكلّفين ملفّ الفساد الحكومي، فإن كاستيلو موقوف بتهمة التمرد على قوانين البلاد. وكانت الشرطة البيروفية قد نشرت على حسابها الرسمي في "تويتر" فيديو قصيراً لكاستيلو معتقلاً قبل أن ينقل بمروحية إلى سجن بارباديلو في منطقة آتي بالعاصمة ليما.

الشرطة أعلنت أنّ كاستيلو كان ينوي اللجوء إلى السفارة المكسيكية وطلب اللجوء قبل القبض عليه. وزير الخارجية المكسيكي، مارسيلو إبرارد، قال إن مكسيكو مستعدة لمنح اللجوء لكاستيلو المعزول  إلا أنها لم تتلقَ أي طلب بهذا الصدد.

وكان البرلمان قد اقترح عزل كاستيلو مرتين سابقاً، آخرهما في آذار\ مارس من العام الحالي. آنذاك، اتهمته المعارضة بالتدخل في قضية فساد تورط فيها مقربون منه . كذلك اتهم بالخيانة بعد إعلانه الاستعداد لإجراء استفتاء لمنح الجارة بوليفيا منفذاً على المحيط الهادئ؛ لكونها لا تطل على البحر.

كذلك، حمّلت المعارضة الرئيس المعزول مسؤولية تكرار الأزمات الوزارية، وتشكيل أربع حكومات في ثمانية شهور، وهو مؤشر على عمق الأزمة بين السلطة والمعارضة في البلاد.

 كاستيلو ليس الرئيس الأول الذي أطيح به في البلاد التي تشهد أزمات سياسية متلاحقة، بل هو الثالث خلال سنوات. إذ سبق أن عُزل رئيسان، هما بيدرو بابلو كوتشينسكي اليميني عام 2018، ومارتن فيزكارا الوسطي عام 2020.

رئيس من الأرياف

وكان كاستيلو قد أشار مراراً إلى أن اليمين البرلماني كان يريد أمراً وحيداً خلال 17 شهراً من تسلمه الحكم وهو عزله من منصبه، من خلال عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية بداية، ومحاولات عزله المتكررة.

وإثر إعلان القبض عليه، أعلنت رئيسة الوزراء بيتسي شافيز استقالتها، فيما احتج مناصرو كاستيلو أمام مقر البرلمان حيث أقسمت نائبته اليمين الدستورية، معتبرين أن السلطة السياسية لم تتقبل رئيساً من الأرياف، في إشارة إلى كون كاستيلو البالغ من العمر 53 عاماً قد عمل في التدريس قبل دخوله المعترك السياسي وحصوله على غالبية أصوات البيروفيين في الانتخابات الرئاسية صيف العام 2021.

مواقف دولية

الرئيسة الجديدة، بولوارتي، قالت في أول تصريح لها إنها ستسعى إلى تشكيل حكومة وطنية جامعة، ودعت جميع الأطراف إلى هدنة سياسية لتجاوز الأزمة الراهنة. بولوارتي محامية في عقدها السادس، كانت تنتمي سابقاً إلى حزب "بيرو الحرة"، وهو حزب كاستيلو نفسه، وقد لقي أداؤها اليمين الدستورية ترحيباً أميركياً فورياً. إذ أعلنت الخارجية الأميركية مواصلة دعم واشنطن للبيرو، ولا سيما في ظل الحكومة الوطنية التي تعهدت الرئيسة بولوارتي بتشكيلها.

أما الرئيس البرازيلي المنتخب، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، فأسف أن يواجه رئيس منتخب ديمقراطياً مثل هذا المصير الذي لاقاه كاستيلو، لكنّ دا سيلفا أعرب عن ارتياحه بأنّ  كل شيء نفذ ضمن الإطار الدستوري.

أما الرئيس البوليفي، لويس آرسِ، فأشار إلى أنه، ومنذ البداية، حاول اليمين في البيرو إطاحة حكومة انتُخبت ديمقراطياً من قِبَل الشعب، فيما لام الرئيس المكسيكي، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، النخبة  السياسية لعدائها تجاه كاستيلو، ما خلق بيئة من المواجهة والعداء ضدّه.

 الأمين العام لمنظمة الدول الأميركية، لويس ألماغرو، استنكر محاولات كاستيلو خرق النظام الدستوري. فيما رحّبت مدريد بعودة الحياة الديمقراطية إلى طبيعتها في ليما. 

ظلال أميركية 

وبالرغم من أنه لم يتضح، حتى الآن، حجم الدور الذي لعبته واشنطن في الانقلاب السياسي الناعم ضد كاستيلو، وهو  رئيس منتخب شعبياً، لكنّ ظلال أفعالها المتكررة في الدول اللاتينية التي انتخبت شعوبها اليسار للحكم واضحة. فبعد عقود من الدعم المثبت للانقلابات العسكرية الدموية في غير بلد لاتيني، تحوّلت سياسة التدخل الأميركي إلى الانقلابات الدستورية الناعمة ضد أي خرق يساري في الحكم على مختلف مستوياته. حدث ذلك في فنزويلا إثر انتخاب الرئيس نيكولاس مادورو، ومحاولة البرلمان عزله ونزع الشرعية عنه بالتشكيك في نتيجة الانتخابات أولاً، وعبر انتخاب خوان غويدو رئيساً اعترفت به عشرات الدول وأولها الولايات المتحدة، ثانياً، وهو تقريباً مسار الأمور نفسه في ليما.

كذلك، تتقاطع تجربة كاستيلو مع تجربة الرئيس البرازيلي المنتخب بعد سجنه بتهم فساد ثبت عدم صحتها أغناسيو لولا دا سيلفا. الرجلان خلفيتهما نقابية، دا سيلفا عمالي، وكاستيلو برز ضمن نقابات المعلمين. كلاهما واجها تهم فساد باطلة، إذ لم يثبت أيّ من تهم الفساد وسوء استغلال النفوذ على كاستيلو وأي من مناصريه، بالرغم من التحقيقات المستمرة منذ وصوله إلى سدة الحكم منذ نحو سنة ونصف.

مسارعة الولايات المتحدة إلى التعليق على أي حدث في البيرو، شريكتها التجارية الأولى في أميركا اللاتينية، منذ انتخاب كاستيلو، مثيرة للاهتمام. فمنذ فوز كاستيلو في معركة انتخابية وصل فيها فارق الأصوات إلى 50 ألف صوت  فقط بينه وبين منافسته المرشحة اليمينية كيكو فوجيموري، ابنة الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، لم تتوقف الهجمات ضده. عرقلات ومواجهات في البرلمان، ومحاولتا عزل، ومحاولة كاستيلو، والتي لم تكن موفّقة، وفق مؤيدين ومعارضين له؛ لاستيعاب الموقف عبر عزل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ، ما أدى إلى انقلاب الأجهزة الأمنية ضده.

 هذه الأزمة ليست منفصلة، بل تأتي في سياق تاريخ من الاضطرابات السياسية المستمرة في البلاد لنحو عقدين. هذه العوامل مجتمعة تسببت في تصاعد الغضب الشعبي من النخب السياسية الفاسدة، وجعلت فترة حكم كاستيلو محفوفة بالتحديات، إضافة إلى ما واجهه برلمانياً وعدم الاستقرار السياسي، فإن الخارجية الأميركية كانت تتربص بكل قرارات الرئيس البيروفي بالتعليق عليها، وكانت السفيرة الأميركية، ليزا كينا، تتابع تحركاته لحظة بلحظة، وعقبت على قرار كاستيلو حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ باعتباره انقلاباً. فهل لها ولبلادها دور خفي في قيادة ما يصفه مراقبون بالانقلاب الدستوري الناعم ضد كاستيلو؟ الأيام المقبلة ستكون كاشفة وستحمل الإجابات عن عدد من الأسئلة العالقة في حياة البيروفيين، والتي شهدت تحوّلات سريعة خلال أقل من 48 ساعة.

ماذا يحمل المستقبل للبيرو؟ 

البيرو التي تعدّ ثاني أكبر منتج للنحاس عالمياً، عانت سلسلة اضطرابات سياسية في الأعوام الأخيرة، إذ حل الرئيس مارتن فيزكارا البرلمان قبل أن يخضع للمساءلة  البرلمانية لاحقاً في عام 2020. وقبل نحو 30 عاماً، حاول الرئيس السابق، ألبرتو فوجيموري، حل البرلمان. ولكن البلاد التي يقدر عدد سكانها بـ34 مليون نسمة، ويعدّ اقتصادها واحداً من أكبر 42 اقتصاداً في العالم، استطاعت تجاوز تلك الأزمات السياسية من دون مواجهات شعبية، وإن على حساب ثقة الشعب بمؤسسات الدولة وإحجامه عن المشاركة السياسية الواسعة. فهل تتغيّر هذه القاعدة هذه المرة؟