"مقبرة الدبابات الأوكرانية".. أي أسلحة استخدمتها روسيا في صدّ الهجوم المضاد؟

أهمية الأسلحة الروسية المضادة للدروع برزت بصورة خاصة خلال الأسبوعين الفائتين، مع تدمير عشرات الدبابات والمدرعات الأوكرانية في الموجة الأولى للهجوم المضاد، فما أبرز هذه الأسلحة وما هي مميزاتها وقدراتها؟

  • "مقبرة الدبابات الأوكرانية".. أي أسلحة استخدمتها روسيا في صدّ الهجوم المضاد؟

بعد انطلاق الهجوم الأوكراني المضاد ضد القوات الروسية، والذي يعتمد بصورة كبيرة على الدبابات والمدرعات الغربية، برزت أهمية الأسلحة الروسية المضادة للدروع في التصدي له، وظهرت فعاليتها بصورة خاصة خلال الأسبوعين الفائتين، مع تدمير عشرات الدبابات والمدرعات الأوكرانية.

فما أبرز هذه الأسلحة الروسية، وما مواصفاتها؟

1- منظومة "كورنيت"

الكورنيت هو سلاح صاروخي روسي شهير، موجَّه بالليزر ومضاد للدبابات.

واستمدّت هذه الصواريخ سمعتها المخيفة من مداها الأقصى، الذي يتجاوز كثيراً معظم الصواريخ الحالية المضادة للدبابات، كما يتجاوز مدى معظم الدبابات على اكتشاف المنظومات المضادة لها.

وبالمقارنة مع أهم الصواريخ الغربية المضادة للدروع، يمكن لصاروخ جافلين "أف جي أم -148" الأميركي أن يصيب هدفه بفعالية على بعد 2.5 كيلومتر، في حين أنّ منظومة "كورنيت-إي" يبلغ أقصى مدى فعال له 5.5 كيلومترات، ولاحقاً أصدرت الشركة المصنعة لمنظومة "كورنيت" النسخة المعدلة، والتي يصل مداها إلى نحو 10 كم.

ويحمل صاروخ "كورنيت" رأساً حربياً مزوّداً بشحنة انفجارية قمعية ترادفية (تاندم)، ويُعَدّ ذا قدرة هائلة على اختراق الدروع، ولا سيما بالنسبة إلى حجم الصاروخ الذي يُعَدّ من أكبر وأقوى الأسلحة المضادة للدروع الثقيلة التي تمت صناعتها على الإطلاق، ويمكنه عبر الانفجار الترادفي أن يخترق حتى الدروع التفاعلية الحديثة، ويتمّ توجيهه على نحو دقيق ومستمرّ عبر الليزر.

ودخلت منظومة "كورنيت" الخدمة عام 1998، كبديل عن منظومة "كونكورس" الأقدم، وتصل قدرته على اختراق الدروع إلى حدود 1000 مليمتر في الفولاذ، والمدى الطبيعي إلى 5.5 كم، كما أنّ طول الصاروخ هو 1200 ملم وقطره 152 ملم، ووزنه 8.2 كجم، بينما يصل الوزن الإجمالي للمنظومة إلى 29.2 كجم، ويصل وزن الرأس الحربي إلى 7 كجم.

  • إطلاق صاروخ من نوع "كورنيت - إي" مضاد للدروع

2- صواريخ "فيخر"

تمّ تصميم الصاروخ الموجّه "فيخر -1"، الذي يتمّ إطلاقه من الجو، للاشتباك مع الأهداف الأرضية المتحركة المحمية بالدروع التفاعلية، ويمكنه كذلك تدمير الأهداف الجوية متوسطة السرعة، مثل طائرات الهليكوبتر والطائرات الهجومية والطائرات بدون طيار، والأهداف الموجودة على سطح البحر.

وصُمّم الصاروخ الموجه جواً، من جانب شركة "كلاشنيكوف" الروسية الشهيرة، ليكون فعالاً في الليل والنهار، وفي الظروف الجوية السيئة، وأن يتحمل الحرارة المنخفضة والمرتفعة، بحيث يظل قادراً على الاشتباك مع الأهداف الأرضية والأهداف على سطح الماء وفي الجوّ.

ويصل وزن الصاروخ "فيخر -1" في حاويته إلى 59 كجم، ومداه يتراوح بين 800 و8000 متر، وقد يصل مداه الأقصى إلى 10 كم، وتصل قدرته على اختراق الدروع مع زاوية التقاء بالهدف 90 درجة إلى 750 مم. وتفوق سرعته 600 متر/ثانية.

وفي الآونة الأخيرة تمكنت صواريخ "فيخر -1"، التي تمّ تركيبها على طوافات "كا-52" أو "القاطور" المتطورة، من استهداف المدرعات والدبابات الغربية التي شاركت في الهجوم المضاد، ولا سيما مدرعات "برادلي"، إذ نشر موقع شركة "كلاشنيكوف" الروسية مقاطع مصورة للاستهداف وانفجار الآلية مباشرة بعد إصابتها.

  • صاروخ "فيخر" أو الزوبعة بالروسية

3- صواريخ "أتاكا"

هو صاروخ موجه مضاد للدبابات، من صناعة الاتحاد السوفياتي السابق، ولديه توجيه قيادة لاسلكي، ويجب توجيهه نحو الهدف طوال الطريق بين الإطلاق والوصول. وتم تصميمه لمواجهة الدبابات ذات الدروع المركبة والدروع التفاعلية المتفجرة.

ويتمّ تخزين صاروخ أتاكا في أنبوب بلاستيكي مقوى بالزجاج، والذي يعمل أيضاً كقاذف، ويحمل النظام بواسطة أنواع متعددة من طائرات الهليكوبتر، بما في ذلك إم أي-28 و إم أي-35، كما يُستخدم على المركبات الأرضية مثل "بي إم بي-تي".

ويوجد ثلاثة أنواع صواريخ رئيسة متوافقة مع نظام الإطلاق، الأول سلاح مضاد للدروع من مرحلتين، يتميز برأس حربي ترادفي للتعامل مع الدروع الإضافية. والثاني صاروخ له رأس حربي حراري (فراغي)، لاستخدامه ضد مواقع المشاة والمخابئ. والثالث يتميز برؤوس حربية ممتدة على الهيكل، الأمر الذي يوفر للصاروخ قدرة جو - جو ضدّ الطائرات منخفضة الارتفاع وبطيئة الطيران.

وفي الواقع، فإنّ النسخ الأولى من الصاروخ تعود إلى عام 1980، وانتشرت منظومات "أتاكا" في عدد من البلدان الأخرى ذات التسليح الشرقي، بعد أن أثبت فعالية وعملانية ميدانية، أبرزها الجزائر وبيلاروس والبرازيل والهند وإندونيسيا وإيران.

ويصل طول الصاروخ إلى 1.83 م وقطره 0.13 م،ووزنه 42.5 كجم، أما نظام التوجيه فهو راديوي وشبه أوتوماتيكي مع خط البصر، ويبلغ وزن الرأس الحربي 7.4 كجم، ومدى الصاروخ يصل إلى 6 كم، أما سرعته فهي بين 400 و500 متر/ثانية.

  • صاروخ "أتاكا" أو الهجوم بالروسية

4- مدفعية 125 ملم "مانغو"

يستخدم الجيش الروسي عائلة من الذخيرة المدفعية من عيار 125 ملم، تُعرف باسم "مانغو"، منذ منتصف الثمانينيات، مع جميع مدافع 125 ملم المستخدمة في دبابات القتال الرئيسة والمدرعات، بما في ذلك دي-81.

وتتألف هذه العائلة من عبوة متفجرة (خرطوشة) وقضيب خارق للدروع مصنوع من الفولاذ، ويمكن استخدامها مع دبابات تي-72 و تي-90، وتعرف بلقب "مانغو". ودخلت هذه القذائف الفعالة الخدمة مع الجيش الروسي في عام 1986، وتستخدم نواة من سبائك معدن التنغستن الثقيل، كبديل عن اليورانيوم، مغلفة بالفولاذ، كقذيفة لاختراق دروع دبابات العدو وناقلات الجند المدرعة.

وأثبتت التجارب أنّ هذه الأنواع من القذائف فعالة جداً ضدّ الدروع، حتى الحديثة منها، بسبب كونها تستهدف المركبة من الأعلى عادةً، وهي المنطقة التي تكون أقلّ تدريعاً من المقدمة والجانبين والأسفل.

إذ أظهرت صور تناقلتها وسائل التواصل لدبابات ليوبارد متضررة من المعركة خلال الهجوم الأخير، أنّ تدريعها الفوقي رقيق نسبياً وغير مقاوم للقذائف والشظايا، وقدّر محللون أنّ سماكة الدرع لا تزيد عن سنتمترين أو ثلاثة، وهو ما يعني أنّ الشحنات المتفجرة القمعية والقذائف الخارقة للدروع وحتى القذائف العادية قد تكون قاتلة لهذه الدبابات.

  • قذائف 125 ملم الكزود برأس لاختراق الدروع

5- مسيّرات "لانست" الانتحارية

تُعَدّ هذه المسيّرات الانتحارية من أبرز مظاهر القدرة الروسية على التكيف مع متطلبات العمليات القتالية، بحيث تطورت القدرة الإنتاجية لهذه المسيرات بصورة هائلة مع بداية العملية العسكرية وظهور فعاليتها الكبيرة في جبهات القتال ضد مختلف أنواع الأهداف الثابتة والمتحركة.

ويمكن لهذه الطائرة من دون طيار أن تطير بسرعة من 80 إلى 110 كم/ساعة، مع أقصى قدر من التحمل 40 دقيقة، ويبلغ وزن الإقلاع الإجمالي الأقصى لـ "لانست 3" نحو 12 كغم، وصممت بالأصل لتحمل حمولة متفجرة تصل إلى 3 كغم، وهي تعمل بتوجيه إلكتروني ضوئي ووحدة توجيه تلفزيونية، تسمح بالتحكم في الذخيرة خلال المرحلة النهائية من الرحلة.

ولاحقاً، تمّ تعديل النموذج "3 أم" ليحمل وزناً يفوق 5 كغم، وتمّ إنتاج عدة أنواع من الرؤوس المتفجرة، منها الترادفي المضاد للدروع، والمتفجر الحراري ضد التحصينات والخنادق، والمشظي ضد الأفراد.

كما تمّ إنتاج نسخة مصغرة "لانست 1"، تحمل عبوة وزنها 1 كجم، وتستخدم بصورة أساسية في المعارك القريبة وضد الأفراد والأهداف، التي لا تُعَدّ شديدة الأهمية، كالآليات خفيفة التصفيح.

  • مسيرات "لانست 3-إم" الإنتحارية

نقاط ضعف الدبابات والمدرعات الغربية

واستفادت القوات الروسية في بناء قدراتها لمواجهة الألوية المدرعة الأوكرانية، من عدة نقاط، أبرزها:

1- التدريع غير التفاعلي

قدّم الغرب أنواعاً متقدمة من الدبابات والمدرعات، لكن حتى الآن لم يظهر أي دليل موثّق يشير إلى وجود دروع تفاعلية متفجرة لدى القوات المدرعة الأوكرانية، والسبب في ذلك قد يعود، بحسب محللين، إلى غياب القدرة على تسليح مئات الدبابات والمدرعات بدروع تفاعلية، على نحو يفي الحاجة إلى تنسيق هجوم سريع، بينما سيحتاج هذا الأمر إلى وقت إضافي، غير الصيانة والنقل والتدريب.

ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الدروع يقلل احتمال تدمير المركبة المدرعة بواسطة الأسلحة التقليدية، ويزيد في فرص نجاة طاقمها.

2- غياب التغطية الجوية وتفوق المدى لمصلحة الأسلحة الروسية

تحدّث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مؤخراً، في مقابلة تلفزيونية، عن أزمة غياب التغطية الجوية للقوات الأوكرانية، وهو الأمر الذي أكّد أنه سيكون سبباً في تكبّد قواته خسائر كبيرة في مقابل القوات الروسية.

وبطبيعة الحال، فإنّ غياب التغطية الجوية يعني السماح لمجموعات أسلحة روسية مضادة للدروع ، وقوات المدفعية القريبة والبعيدة، بالعمل بصورة فعالة ومريحة نسبياً، فضلاً عن سلاح الجو الروسي والمروحيات.

وعلى الرغم من وضوح هذا الأمر وكثرة الحديث عنه في أوساط المحللين الغربيين، فإنه يبدو أنّ موسكو تمكّنت من فرض معادلة على القوات الغربية، تجعل تزويد كييف بطائرات حربية مسألة محرّمة، وتوجب التعامل مع الوضع المشتعل على الجبهة في ظلّ فقدان الغطاء الجوي.

ويبرز في هذا الإطار تفوّق الأسلحة الروسية المضادة للدروع في مداها على نظيرتها الغربية ومدافع الدبابات والمدرعات، الأمر الذي يسمح باصطياد هذه الآليات في أثناء اقترابها من خطوط الدفاع الروسية، قبل أن تدخل مدىً يسمح لها بالتعامل المباشر مع القوات الروسية، وهذا ما ظهر في "مجزرة الدبابات والمدرعات" التي حدثت في الأسبوعين الفائتين.

3- هجوم مقابل دفاع

بطبيعة الحال، فإنّ القوات المهاجمة تكون نسبة خسائرها أكبر بأضعاف من القوات المدافعة، وحجم المخاطرة أكبر كثيراً، على الرغم من أنّ أرقام الخسائر الأوكرانية جاءت أكبر كثيراً من المتعارف عليه عادةً وهو 3 مهاجمين في مقابل كل مدافع.

ويعود ذلك إلى أنّ القوات الروسية اكتسبت خبرات قتالية خلال الفترة الماضية، وتمكنت من تثبيت دفاعاتها وبناء خطط تكتيكية تسمح بالعمل بشكل منسجم بين مختلف أذرع القوات ضدّ أي هجوم أوكراني، وتنسق بين الاستطلاع وسلاح ضد الدروع وسلاح المدفعية والمسيرات الانتحارية والمدفعية المباشرة.

4- طواقم أوكرانية حديثة التدريب وحديثة العهد بالأسلحة الغربية

هذا الأمر عبّر عنه كثير من المحللين العسكريين الغربيين، عندما بدأ الحديث عن إرسال الدبابات إلى كييف الصيف الفائت، ومفاده أنّ التدريب على العمل الميداني الفعال بين الكتائب المدرعة الأوكرانية، وتنسيق الجهود في ميدان المعركة مع مختلف الأسلحة والأذرع، وخوض المعارك ضمن تشكيلات فعالة، أمر يحتاج إلى خبرات عالية وتدريب طويل.

وأظهرت صور الدبابات والمدرعات المحترقة في الطرق الرئيسة، والمكدسة قرب بعضها البعض، ضعف قدرات الحركة والمناورة والتمويه لدى القوات الأوكرانية، التي أُوكلت إليها هذه المهمة الصعبة في قيادة الموجة الأولى من الهجوم المضاد، ضد إحدى أكثر المناطق الروسية تحصيناً.

وأوضحت مشاهد الدفاع الروسية أنّ قواتها قامت في عدد من الأحيان باستهداف القوات الأوكرانية بصورة مريحة وعن بعد آمن وبأسلحة ملائمة، سواءٌ من الأرض أو عبر المروحيات القتالية والمسيرات، من غير تكبّد أي مخاطرات أو خسائر.

وتقدّر المصادر الموثوق بها خسائر أوكرانيا بأكثر من 150 قطعة متنوعة، بينها نحو 20 مركبة برادلي ونحو 10 دبابات ليوبارد، بينما تحدثت الأوساط الروسية بصورة رسمية عما يقارب 400 آلية عسكرية، تمّ تميرها أو إعطابها خلال الأيام الـ10 الأخيرة.

كما شكّل إعلان البنتاغون، على عجالة، خلال اليومين الماضيين، إرسال أسلحة ومركبات برادلي وذخيرة إلى كييف، من المخزون الاستراتيجي الأميركي، تأييداً للتقديرات التي تحدثت عن "خسائر أوكرانية فادحة" خلال الأيام الأولى للهجوم المضاد، فاقت كثيراً التوقعات الاكثر سوداوية بشأن صعوبة اختراق الخطوط الدفاعية الروسية.

اقرأ أيضاً: هجوم أوكرانيا المضاد ودفاعات روسيا.. لماذا تكبدت كييف هذه الخسائر؟

حلف الناتو يحاول التمدد باتجاه الشرق قرب حدود روسيا، عن طريق ضم أوكرانيا، وروسيا الاتحادية ترفض ذلك وتطالب بضمانات أمنية، فتعترف بجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، وتطلق عملية عسكرية في إقليم دونباس، بسبب قصف القوات الأوكرانية المتكرر على الإقليم.