هل يدعم الغرب وحدة "خوذ بيضاء" أوكرانية؟

تهدف منظمة جيفورد للانضمام إلى القتال ضد روسيا تحت غطاء التدخل الإنساني، وهو نموذج تم استخدامه من قبل في سوريا.

  • ماكر جيفورد خلال قتاله في سوريا.
    ماكر جيفورد خلال قتاله في سوريا.

ماكر جيفورد هو مرتزق بريطاني له صلات مزعومة بأجهزة الاستخبارات الأميركية، يعمل على إنشاء نسخة من مجموعة "الخوذ البيضاء" السورية في أوكرانيا.

جيفورد، الذي قاتل سابقاً مع "قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الكرد، ومع المجلس العسكري السرياني، يقوم بجمع تمويل للإمدادات التي يقول إنها متجهة إلى خط المواجهة في أوكرانيا.

في 27 شباط / فبراير الماضي، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رسمياً متطوعين دوليين من جميع أنحاء العالم لمساعدة بلاده.

يهدف جيفورد إلى جمع ما لا يقل عن 15000 جنيه إسترليني يزعم أن هذا المبلغ سيمكنه "من إنشاء فريق طبي سريع الاستجابة، يعمل به متطوعون دوليون، سيتم نشرهم في الخطوط الأمامية في غضون الشهر المقبل". وهو يخطط لنقل تجاربه في شمال سوريا حيث قام، بالإضافة إلى محاربة داعش، بتكوين فريق طبي وقدم التدريب لقوات المرتزقة والسكان المحليين هناك. لكن من الواضح أن هذه لن تكون مجرد مهمة إنسانية.

كتب جيفورد يقول: "إن الأرض والاحتياجات الخاصة للجيش الأوكراني والعدو الذي سنقاتله تعني أنه سيتعين علينا إحضار أفضل المعدات معنا"، مشيراً إلى أنه يقوم بتجنيد أشخاص للمشاركة في القتال ضد روسيا.

وتدعم صفحته الخاصة توتير ذلك، حيث ينشر منشورات حول كيفية الاشتراك في القوات المسلحة الأوكرانية بعد مناشدة زيلينسكي لتأمين دعم دولي من متطوعين. وقد وجه نداءات مماثلة خلال مناظرة إذاعية مع راديو "بي بي سي" مع جون ريس، أحد قادة "تحالف أوقفوا الحرب" البريطاني، الذي وصف دعوة المتطوعين للقتال بأنها "سخيفة" وخطيرة.

تهدف منظمة جيفورد للانضمام إلى القتال ضد روسيا تحت غطاء التدخل الإنساني، وهو نموذج تم استخدامه من قبل. وقال جيفورد: "أريد أن أكون واضحاً تماماً هنا، الطموح هو إنشاء نسخة أوكرانية من الخوذ البيضاء"، في إشارة إلى المجموعة سيئة السمعة العاملة في سوريا.

تزعم "الخوذ البيضاء"، المعروفة كذلك باسم "الدفاع المدني السوري"، بأنها منظمة إنسانية، لكنها مرتبطة بكل من الجماعات التكفيرية والأجهزة العسكرية والاستخبارات الغربية. وقد أنشأها الضابط السابق في الجيش البريطاني جيمس لو ميزورييه، وقد تلقت تمويلاً بالملايين من الولايات المتحدة وبريطانيا وحكومات غربية أخرى، لتكون بمثابة واجهة للعمليات الغربية لتغيير النظام في سوريا.

وكما هو متوقع، رفض الغرب الانتقادات الموجهة "للخوذ البيضاء" واعتبروها دعاية وتشهيراً تقوده الحكومتان السورية والروسية. لكن "الخوذ البيضاء" تعمل في المناطق التي يسيطر عليها "الجهاديون" وتقع مبانيها بجوار مقراتهم في العديد من المدن السورية. وقد تورطت المجموعة في سلسلة من الخلافات، وتبين أن بعض أعضائها من أنصار تنظيم القاعدة والتنظيمات السلفية الأخرى.

وقد اتُهمت بشن هجمات كيمائية، وعلى الأخص في مدينة دوما (في ريف دمشق)، لتمهيد الطريق لتدخل عسكري غربي في سوريا.

ولطالما أثار النقاد مخاوف من إمكانية تنفيذ هجمات كيميائية في أوكرانيا على غرار عملية "الخوذ البيضاء" في سوريا لأغراض مماثلة.

  • يتمتع جيفورد بصلات قوية مع الاستخبارات البريطانية والأميركية.
    يتمتع جيفورد بصلات قوية مع الاستخبارات البريطانية والأميركية.

 

ينحدر جيفورد - واسمه الحقيقي هاري - من منطقة غنية في ريف كامبريدجشير البريطاني. قبل مغامرته العسكرية، عمل مستشاراً لحزب المحافظين وتاجر عملات في المدينة. وقد تفاخر علانية بعقد اجتماعات مع الاستخبارات الأميركية والبريطانية وأطلع المسؤولين الحكوميين (في البلدين) على الوضع في سوريا، داعياً إلى زيادة الدعم العسكري.

وعبر استخدام صلاته هذه، حاول جيفورد حشد الدعم لـ"وحدات حماية الشعب" الكردية وحضر اجتماعات مع ممولين في سويسرا ومكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك وداخل البرلمان البريطاني. وقال: "لقد زرت نادي كارلتون [وهو نادٍ خاص للمحافظين في وسط لندن] مرات عديدة.. لكن من المهم إيصال الرسالة". وقال لصحيفة "الغارديان" البريطانية في مقابلة عام 2016، إنه أمر محبط للغاية أن تكون هناك، وأن تكون في الخطوط الأمامية وترى النجاح ثم ترى السياسة تكبح أيدي الناس.

يشجّع جيفورد صراحة المتطوعين العسكريين البريطانيين على اللحاق به والانضمام إلى "الدفاع عن أوكرانيا". تغريداته على تويتر تظهره يمجد من يصفه بـ"قناص بريطاني" يحمل سلاحاً ويرتدي زياً يحمل شعاراً ما يبدو أنه لليمين المتطرف. كما تظهر الصور أعضاء من منظمته وهم يقدمون التدريب لجنود أوكرانيين في مكان غير معروف.

في مقطع فيديو، ادعى أنه وشريكه ذاهبان لتدريب قوة الشرطة الأوكرانية. وتعمل عمليته تحت اسم "سرية العندليب" Nightingale Squadron ، وشعارها مزخرف على جانب سيارة لاندروفر فريلاندر باهظة الثمن شوهدت محملة بحزم مساعدات.

وبينما قد يبدو الاسم Nightingale Squadron بالنسبة للغربيين بريئاً بدرجة كافية، إلا أنه يحمل دلالات مخيفة لمن يعيشون في مدينة لفيف الأوكرانية، حيث يستحضر اسم هذه الوحدة التي تعاونت مع النازيين، مما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف من اليهود خلال الهولوكوست.

تأسست كتيبة العندليب أو "ناشتيغال بتاليون" في عام 1941 وخضعت لسيطرة منظمة ستيبان بانديرا للقوميين الأوكرانيين. وشكّل معظم أعضائها جيش المتمردين الأوكرانيين، بينما انضم 14 منهم إلى فرقة "أس أس غاليسيا" SS Galicia في عام 1943.

يقول مركز "سيمون فيزنستال" اليهودي Simon Wiesensthal إن "كتيبة ناشتيغال" كانت في لفيف وتعاونت مع النازيين بين 30 حزيران / يونيو و3 تموز / يوليو من عام 1941 عندما تم ذبح 4000 يهودي. ويمكن العثور على أحفادها في القوات اليمينية المتطرفة العاملة الآن في أوكرانيا والتي شاركت في مذابح ضد المتحدثين بالروسية والمذابح ضد اليهود.

برز جيفورد في بريطانيا بعد أن خدم في شمال سوريا في القتال ضد تنظيم داعش. وقد نشر ، كتابًا بعنوان "أسلوب آندي ماكناب: قتال الشيطان" في عام 2019 يصف تجاربه في المنطقة، وهو دعاية ذاتية سيئة تسعى إلى تعزيز مسيرته المهنية في السياسة.

تتناقض معاملة الحكومة البريطانية لجيفورد مع متطوعي الطبقة العاملة، الذين خدم العديد منهم إلى جانبه في الرقة وفي معارك رئيسية أخرى على خط المواجهة. فقد تعرضت الغالبية العظمى منهم للاعتقال والمراقبة والتهديد بالسجن لدى عودتهم إلى بريطانيا بينما أفلت جيفورد من تدقيق مماثل. بل، على النقيض من ذلك، يتجول جيفورد بحرية بين البرلمان واستوديوهات التلفزيون ومحطات الراديو التي تعمل على تضخيم صوته.

وقد أعرب العديد من نظرائه في "وحدات حماية الشعب" بشكل خاص عن شكوكهم في أن جيفورد عميل للدولة البريطانية. إنه بالتأكيد يتناسب مع هذا الوصف ولديه الاتصالات اللازمة. فهو يميني سياسياً يتمتع بقيم محافظة، ويمكن الاعتماد عليه لتدمير الحركة المناهضة للحرب ومعارضي حكومة حزب المحافظين إلى جانب المؤسسة السياسية.

وهناك أوجه تشابه واضحة بين جيفورد والرجل الذي يسعى لمحاكاته، مؤسس "الخوذ البيضاء" لو ميزورييه الذي توفي في ظروف مريبة في اسطنبول في عام 2019. وهو من نواحٍ عديدة المرشح المثالي لتأسيس "الخوذ البيضاء الأوكرانية" التي طالما اشتبه الموجودون على الأرض في كونها عملية دولية. وهناك مقاتلون سابقون آخرون من "وحدات حماية الشعب" الكردية يشاركون أيضاً في هذه العملية.

كما أطلق رفيق جيفورد في السلاح، المظلي البريطاني السابق والمحارب المخضرم في حرب أفغانستان دانيال بيرك، عملية مماثلة أعلن عنها الأسبوع الماضي. فقد أسس الأخير ما وصفه بمنظمة غير حكومية تدعى "ملائكة أوكرانيا المكفهرة"، على الرغم من أن خلفية ذلك غير واضحة.

وقال بورك، الذي تم تسريحه من الجيش بسبب قتاله هناك، إنه أنشأ المنظمة غير الحكومية "لأن المنظمات غير الحكومية الأخرى أو الوحدات العسكرية الدولية تميل إلى خوض الحرب ضد بعضها البعض لإظهار من هو الأفضل".

تتواجد مجموعته لتقديم الإغاثة الإنسانية والتدريب للجيش داخل أوكرانيا. وتشمل أنشطة الوحدة، التي يبدو أنها تتكون من قدامى المحاربين العسكريين، "نقل المتطلبات اللوجستية مثل الطعام والماء والأدوية إلى مراكز اللاجئين والوحدات العسكرية".

وقد أنقذت المجموعة زوجين عالقين في مكان ما في أوكرانيا ومكنتهم من العودة إلى فرنسا.

تقول صفحة جمع التبرعات الخاصة بها: "في هذه الرحلة، أطلقنا اسم" الملائكة المكفهرة" على شاحنتنا لأن خلفياتنا كمحاربين قدامى تقدم خبرتنا لقوات الدفاع الإقليمية".

بيرك هو عكس جيفورد من نواح كثيرة. فهو جندي مدرب كان لديه الدافع للانضمام إلى القتال ضد داعش في سوريا بعد تفجير "مانشستر أرينا" في عام 2017 الذي قتل فيه 22 شخصاً. وخلال الفترة التي قضاها في سوريا، قام بورك بتصوير واسترداد الوثائق والأقراص الصلبة التي نقلها إلى خبراء مكافحة الإرهاب البريطانيين، والخرائط، التي سلمها إلى القوات الخاصة الأميركية. وقد أدى ذلك إلى اتهامات له من قبل "وحدات حماية الشعب" بأنه جاسوس بريطاني وتم استجوابه لعدة أيام قبل أن يقنعهم في النهاية بخلاف ذلك.

وبعكس جيفورد، لفت بورك انتباه أجهزة الأمن البريطانية، حيث أمضى ثمانية أشهر في السجن بعد اتهامه بارتكاب جرائم إرهابية، على الرغم من إسقاط قضيته في وقت لاحق.

وبحسب شبكات التواصل الاجتماعي، انضم العديد من المتطوعين السابقين في "وحدات حماية الشعب" الكردية إلى صفوف مقاتلي المرتزقة الدوليين في أوكرانيا. لكن ليس من الواضح بالضبط عدد الذين سافروا إلى البلاد، لكن عامل الرعاية في نوتنغهامشير، أيدن أسلين – المعروف كذلك باسم كوساك جوندي - استسلم للقوات الروسية في ماريوبول الشهر الماضي. وهو يصر على أنه ليس مرتزقاً أجنبياً ، ومثل زميله البريطاني شون بينر، كان عضواً في القوات المسلحة الأوكرانية النظامية بعد أن التحق بها في عام 2018.

وتزعم روسيا أن آلاف المرتزقة الأجانب دخلوا أوكرانيا وتتهم حلف شمال الأطلسي والغرب بشحن أسلحة ومعدات لهم عبر شبكات مدنية للسكك الحديدية والنقل.

مع استمرار الحرب، تستمر أرباح شركات الأسلحة في الارتفاع وتستمر الجهود الغربية لإضعاف روسيا بينما يبدو السلام بعيداً أكثر من أي وقت مضى.

ومن المتوقع أن تلعب مجموعة "الخوذ البيضاء" الأوكرانية نفس الدور الذي يلعبه نظراؤهم السوريون: هجوم دعاية كبير مناهض لروسيا، تنظيم أحداث وإشعال حوادث لتمهيد الطريق لتدخل حلف الناتو.

*سمير مصطفى صحافي بريطاني.

حلف الناتو يحاول التمدد باتجاه الشرق قرب حدود روسيا، عن طريق ضم أوكرانيا، وروسيا الاتحادية ترفض ذلك وتطالب بضمانات أمنية، فتعترف بجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، وتطلق عملية عسكرية في إقليم دونباس، بسبب قصف القوات الأوكرانية المتكرر على الإقليم.