وثائقي "Enigma" عبر الميادين: استعمار كوبا وجذور الثورة (الحلقة الأولى)

الميادين تقدم الحلقة الأولى من سلسلة "إنيغما" الوثائقية، وفيها سردٌ لأهم المحطات في التاريخ الكوبي لما قبل القرن العشرين، وبدء فيدل كاسترو ورفاقه المعركة النهائية من أجل إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة.

  • سلسلة
    سلسلة "إنيغما" الوثائقية عبر الميادين توثق الثورة الكوبية

بهدف تعريف الثورة الكوبية وترسيخها لدى الشعوب العربية والإسلامية، في منطقتنا والعالم، تُقدم شبكة الميادين من إنتاجها وإعدادها، وبالتعاون مع فريق كوبي نخبوي، على رأسه مسؤولة فريق الإعداد الإعلامية الكوبية آرلين رودريغيز، والمخرج ميكايل بورتو، وبإشراف عام على العمل من قبل مديرة "الميادين إسبانيول" وفيقة إبراهيم، سلسلة "إنيغما" الوثائقية، من خمس حلقات متتالية، بدأ عرضها اليوم الأحد، عند الساعة الـ9.00 مساءً.

ومن خلال هذه السلسلة، يتم التعرف إلى تاريخ الجزيرة الكوبية ونضالها، بدءاً من القرن الـ14 وصولاً إلى يومنا هذا.

وفي الحلقة الأولى من السلسلة، ستتم معرفة كيف حصلت كوبا على استقلالها، وكيف تبلورت القومية الكوبية على الرغم من الاستعمار والاستغلال البريطاني، ومن هم أهم رجال النضال الكوبي، وكيف تطورت قدراتهم على المواجهة والتخطيط.

كوبا: جمهورية الثورة

كوبا، البلد الذي يستمد اسمه من كلمة كوباناكان في لغة الشعوب الأصلية،  يقع على مدخل خليج المكسيك، وهو أكبر أرخبيل بين جزر الأنتيل وفي بحر الكاريبي.

أقرب يابسة إليها شمالاً، هي شبه جزيرة فلوريدا التي تبعد عنها 180 كيلومتراً، ومن الجنوب هي على مسافة 140 كيلومتراً من جزيرة جامايكا، وإلى الشرق تقع هايتي على مسافة لا تتعدى الـ95 كيلومتراً فقط، وإلى الغرب توجد شبه جزيرة يوكاتان في المكسيك على مسافة تزيد على 200 كيلومتر. ويعدّ البحر الحدود الوحيدة لسكان هذا البلد الذين يزيد عددهم على 11 مليون كوبي.

الجزيرة الكوبية مفتاح الخليج

كوبا، هي "مفتاح الخليج"، الجزيرة التي سميت نسبةً إلى موقعها الجيوسياسي المتميز على مدخل خليج المكسيك، لكن وفي أحد أهم الأحداث في تاريخ البشرية يوم التقى الأوروبيون الأميركيين، تمّت إبادة مجموعات من السكان الأصليين والتي قطنت كوبا في مدة زمنية لا تتجاوز القرن بسبب الانتهاكات الجسيمة التي قام بها الأوروبيون، وبسبب الأمراض التي جلبت من قبل الأوروبيين أنفسهم.

وفي أقل من عقد من الزمن، قامت المدينة الإسبانية – المركز، بقيادة دييغو فيلاسكيس، أول حاكم لكوبا، بإنشاء 7 تجمعات سكنية أو مدن أخرى في جميع أنحاء الجزيرة. ومن هذه التجمعات، انطلقت الحملات الاستكشافية الكبرى في السنوات التي تلت غزو  القارة الأميركية واستعمارها، ونشر الديانة المسيحية فيها.

وبعدما قاد إرنان كورتيس حملةً لغزو المكسيك انطلاقاً من هافانا في عام 1519، تحولت العاصمة الحالية لكوبا إلى نوعٍ من القاعدة اللوجستية لحملات الغزو، والتزوّد بالمؤن للأساطيل العائدة إلى إسبانيا محملةً بغنائم السطو.

هذه الشهرة الجيوسياسية المبكرة جعلتها تكتسب مكانةً في التاريخ، الذي كان قد بدأ يُصاغ لما سُمي بالعالم الجديد، ومذ وقتها، أطلق على الجزيرة "مفتاح الخليج".

الاحتلال البريطاني لكوبا

200 عام بعد فتح كوبا واستعمارها في القرن الـ18، ظهرت المؤشرات الأولى لوطن في مرحلة التكوّن من خلال حدث أدى إلى كسر التبعية الاستعمارية: احتلال هافانا من قبل الإنكليز؛ حيث أرسلت إنكلترا أكثر من 20 ألف رجل لإخضاع المدينة، وكانت هذه أكبر حملة عسكرية تعبر المحيط حتى ذلك الحين.

الحصار الإنكليزي للمدينة امتد من شهر حزيران/يونيو حتى شهر آب/أغسطس من عام 1762؛ لكن المقاومة التي قادها ابن المدينة "بيبي أنطونيو" عمدة بلدة غواناباكووا، واجهت الاستراتيجية الخاطئة التي طبقها الحاكم الاستعماري العاجز عن إنقاذ أثمن المواقع الإسبانية في منطقة بحر الكاريبي: كوبا.

وبعد 11 شهراً، انتهى الاحتلال البريطاني، ولكن هذه الفترة كانت كافية لتقييم الشعور الشعبي تجاه قومية كانت في طور التكوّن.

القومية الكوبية واستقلال كوبا

مؤشر آخر مهم لطريقة جديدة في رؤية العالم، كانت قد بدأت تفرض نفسها، وقد قدمها أحد أبناء القرن الـ18 هو العبقري المثقف، القسيس فيليكس فاريلا. فاريلا، رجلٌ فرض على تلامذته الحكم على الأمور بعقلهم، واتخاذ القرارات بأنفسهم، كما حارب العبودية ودافع في جريدته "الهابانيرو" عن مبدأ أن تكون كوبا مستقلة عن أي قوة أجنبية ويجب تحقيق ذلك  من دون أي مساعدة خارجية.

كذلك، نشأت القومية الكوبية في مدينة بايامو، ضمن موقع أثري وطني، حيث يوجد المنزل الذي ولد فيه أبو الأمة الكوبية كارلوس مانويل دي سيسبيديس. وهناك أيضاً توجد ساحة الثورة، وهي أول ساحة حملت هذا الاسم في كوبا، وساحة النشيد الوطني المكان الذي تمّ فيه تأليف  النشيد الوطني وتأديته للمرة الأولى.

ظلّت كوبا معزولة عن تأثير حروب الاستقلال التي كانت تهز القارة الأميركية، وبقيت على حالها كموقعٍ استراتيجي مريح للإسبان، فاستحقت بذلك من قبلهم لقب "الأكثر وفاءً". لكن، بالتزامن مع هذا اللقب، تبلور تدريجياً وبشكل غير مُعلن، الوعي الوطني الذي عانق مفهوماً عذباً يدعى: الوطن.

لماذا قرر الكوبيون الوقوف في وجه الإمبراطورية الإسبانية العظمى عام 1868؟

في النصف الثاني من القرن الـ19، نما وتعزز الحس الوطني في كوبا، من حيث الكم والعمق والقوة. من جهتها، رفضت إسبانيا بكل عناد، من بين أمور أخرى، إجراء أي إصلاحات أو منح حكم ذاتي لجزيرة كوبا، وهو الذي كان مطلباً متكرراً  وقديم العهد من أوساط الكريول.

أولى المواجهات العسكرية كانت حرب السنوات الـ10، والمعروفة أيضاً باسم الحرب الكبرى، التي بدأها كارلوس مانويل دي سيسبيديس وهو من "الكريويوس"، بانتفاضة 10 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1868 ومن طاحون قصب السكر (لا ديماهاغوا) الذي يملكه دي سيسبيديس في شرق البلاد.

هكذا تحوّل سيسبيديس إلى قائد للثورة، بعد أن قام بعمل ذي قيمة إنسانية له رمزيته ولا يمكن إنكاره، وهو عتق جميع العبيد الذين كانوا لديه.

وبوتيرة متسارعة، وسّعت الحرب ساحات القتال في المنطقة الشرقية، وانضم الآلاف من البيض والسود والخلاسيين الأحرار إلى المعركة.

ثمّ، في شهر تشرين الأول/أكتوبر، اتخذ أغنى مالك للأراضي في شرق كوبا، فرانسيسكو فيسنتي أغيليرا، وهو من بايامو، قراراً يرمز إلى الوحدة، إذ أيّد قرار الاستيلاء على بايامو. وبهذا، حصلت الثورة الوليدة على عاصمة لها. ومع ذلك، وبعد بضعة أشهر، حاول الإسبان استعادة المدينة، فقاومها الثوار، وبعد حرب بطولية، أضرب أهل الأرض النار في مدينتهم بايامو رفضاً للاستسلام.

إطلاق صرخة الحرية

في عام 1868، انطلق مشروع تحرر كوبا، تحت عنوان "صرخة الحرية". اسم خُلّد في التاريخ، ورافق الأمة الكوبية على مدار أعوامها. وفي 4 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1868، وبعد أقل من شهر على هذا الإطلاق، انتصرت أول حملة عسكرية باستخدام "الماتشيتي" أو السلاح الأبيض في تييندا دل بينو، بالقرب من بايري. وهذا الاسم يعود للدومينيكاني ماكسيمو غوميز الذي خاض هذه الحرب برتبة جنرال، وهي أعلى رتبة في الجيش الكوبي الذي يقاتل في ساحات المعركة.

وفي هذا اليوم نفسه، ثار سكان كاماغواي في لاس كلافيينا، بقيادة المحامي الشاب إيغناسيو أغرامونتي، بوصفه شخصية بارزة في محيطه في ذلك الحين.

وبعدها، في شهر شباط/فبراير من عام 1869، انضمت أيضاً إلى الحرب الدائرة في الغابات الكوبية، منطقة لاس فيَّاس، وذلك من خلال الانتفاضة التي حدثت في مانيكاراغوا. لم يمتنع عن الانضمام إلى صفوف المقاومين، سوى برجوازيي المنطقة الغربية الكبار، وذلك خوفاً من أن تتضرر مصالحهم الطبقية.

لكن حالة تمرد قام بها الجنرال أنطونيو ماسييو، قائد المنطقة الشرقية، وسجل أكثر الفصول إشراقاً في التاريخ الكوبي والذي أطلق عليه: "احتجاج باراغوا"، حيث أكد القائد الكوبي أنّ الحرب لن تنتهي ما لم يتحقق الاستقلال التام لكوبا عن إسبانيا.

ومن أجل تمكين انتصار الوحدة على الانقسام، أسّس هوسيه مارتي في "كايو ويسو" في الولايات المتحدة عام 1892، الحزب الثوري الكوبي، وهو حزب سيضطلع بمهمة القيادة السياسية لثورة قومية مناهضة للإمبريالية وذات أبعاد شملت القارة اللاتينية، وهذا ما منحه حداثة تاريخية مطلقة.

سافر مارتي إلى سانتو دومينغو ليتحدث شخصياً مع الجنرال ماكسيمو غوميز في أيلول/سبتمبر 1892، واتفق كلاهما على العمل من أجل استقلال كوبا، فترسخت الوحدة بعد لقائهما في كوستاريكا وانضمام الأخير إلى مشروع مارتي التحرري. رُسم المستقبل في وثيقة تعود إلى عام 1893.

هوسيه مارتي ومناهضة الإمبريالية 

بالكاد تسنى لهوسيه مارتي أن يقاتل خلال 14 يوماً فقط، خلال تجربة الحرب في ظروفها القاسية. فكتب مارتي عشية استشهاده في دوس ريوس، رسالة غير مكتملة كشف فيها عن أعمق قناعاته السياسية ألا وهي هدفه المتمثل بمناهضة الإمبريالية والذي رافقه طوال حياته.

فقال: "إنني أواجه فعلاً وكل يوم خطر التضحية بحياتي فداءً لبلادي وإتماماً لواجبي، لأنني أدرك أهمية ذلك ولدي الحماسة لأقوم به كي أتمكن في الوقت المناسب من تحقيق استقلال كوبا، ومنع الولايات المتحدة من أن تتوسع في جزر الأنتيل، ومن أن تفرض نفسها بالقوة على أراضينا. كل ما قمت به حتى الآن، وما سوف أقوم به، هو من أجل ذلك".

ومع غياب هوسيه مارتي، استمر كل من ماكسيمو غوميز وأنطونيو ماسييو بقيادة الحرب. وفي غضون شهرين، كان غوميز قد ضاعف عدد الرجال الذين كانوا قد وصلوا معه إلى كاماغوي. دار القتال في ثلاث مُحافظات تُمثل في مساحتها 70% من الأراضي الوطنية. ومن جديد، تموضع المتمردون الثائرون في الموقف التاريخي الذي سمح لهم بإقامة دولة قومية في ساحات الوغى الكوبية. 

هيماغوايو، هي المنطقة التي سقط فيها  الرائد إيغناسيو أغرامونتي شهيداً خلال الحرب الأولى، وفيها، انعقدت الجمعية التأسيسية الثانية التي نظمها الكوبيون في خضم الصراع المسلح.

كان لديه هدفان: تحويل الحرب إلى قضية وطنية عبر إرغام إسبانيا على القتال في جميع أنحاء البلاد، وتدمير الثروات التي كانت تعود بالربح على المستعمر من خلال الضرائب.

حصار ويلر

أدركت إسبانيا بأنّها كانت تخسر الحرب، لذلك أرسلت إلى كوبا قائداً عاماً جديداً وهو فاليريانو ويلر الذي طبق سياسة محاصرة السكان المدنيين لحرمان القوات الكوبية من الإمدادات والطعام والخدمات اللوجستية.

سياسة الحرب هذه والمعروفة باسم حصار "ويلر"، أدت إلى مقتل ما يقارب 200 ألف شخص، معظمهم من المدنيين. وقد شهد شهر كانون الأول/ديسمبر من عام 1896 خسارة قاسية للقوات الكوبية. كان أنطونيو ماسييو قد واصل حملته في الغرب، وفشلت جهود غوميز لإرسال تعزيزات عسكرية له بسبب الخلافات الداخلية.

وفي المنطقة الوسطى من كوبا، قاتل قائد الثورة بعلاقة تناسبية لحجم القوى لم يسبق لها مثيل، وكانت بنسبة مئة في مقابل واحد لمصلحة إسبانيا.

لقد أثر الاستيلاء على "لاس توناس" والسيطرة على غيسا بشكل كبير نسبياً في النظام، حتى باتت أيام إسبانيا في كوبا تشرف على النهاية. 

أخيراً، في 10 كانون الأول/ديسمبر عام 1898، وقعت إسبانيا والولايات المتحدة معاهدة باريس التي جَرد بموجبها الأميركيون الشماليون إسبانيا من جميع أراضيها في أميركا، وحصلوا بالإضافة إلى جزيرة كوبا، على جزيرة بورتوريكو وجزر الفلبين.

وعندما سلبت الولايات المتحدة كوبا واستولت على استقلالها الوطني، أي بعد سنوات من القرن الـ19، جاء القرن الـ20 بحرب جديدة، فرضت نفسها ضد أشرس أنواع الهيمنة الإمبريالية على كبرى جزر الأنتيل.

هناك خرج جيلٌ جديد يجمع كل تراث وإرث أبطاله ليحقق حلم هوسيه مارتي التحرري. بدأ فيدل كاسترو ورفاقه المعركة النهائية من أجل إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة وسعيها لإخضاع كوبا.

اقرأ أيضاً: عبر الميادين.. سلسلة "ENIGMA" الوثائقية تؤرخ الثورة الكوبية وتفك لغز البلاد