الجيش التركي: من العلمانية إلى التأسلم

أقر مجلس الشورى العسكري (الليلة الماضية) وهو أعلى هيئة عسكرية وسياسية يترأسها إردوغان سلسلة من التعيينات في الجيش وأعتبرها البعض محاولة جديدة لأحكام السيطرة التامة على الجيش "حامي حمى العلمانية" منذ قيام الجمهورية عام 1923.

مجلس الشورى العسكري يقر سلسلة من التعيينات في الجيش التركي ويعتبرها البعض محاولة جديدة لأحكام السيطرة التامة عليه

قرر المجلس إحالة 47 جنرالاً وأميرالاً إلى التقاعد وترقية 14 أميرال وجنرال إلى رتب عليا والتمديد لـ 12 أميرال مدة عام ولـ 313 عقيد لمدة عامين ليتسنى ترقيتهم إلى رتب أعلى. 

وأشار الجنرال المتقاعد أحمد ياووز إلى إقالة العديد من الجنرالات الذين تصدوا لمحاولة الانقلاب الفاشلة للتقاعد، وأعتبر قرار المجلس جزءاً من سياسات الرئيس إردوغان للسيطرة على المؤسسة العسكرية وضمان ولاء كل قياداتها له بشكل مباشر ودون أي أعتراض. 

وكانت المعارضة قد اتهمت إردوغان باستغلال محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/ يوليو 2019 للتخلص من كل أعدائه في الجيش فأمر باعتقال الآلاف من الجنرالات والضباط والعساكر بتهمة المشاركة في الانقلاب.

وحكمت المحاكم على البعض منهم بالسجن لفترات طويلة وتم فصل الآلاف منهم من الجيش بما فيهم 196 من جنرالات وأميرالات الجيش وعددهم الإجمالي 326.

وقام إردوغان بعد محاولة الانقلاب المذكورة بإغلاق جميع الكليات الحربية والمدارس العسكرية وأسس جامعة الدفاع الوطني التي تشرف على قبول طلبات الانتساب للجيش بعد إجراء امتحانات مكتوبة وشفهية لهم للتأكد من ميولهم الدينية المطلوبة لاحقاً لأسلمة المؤسسة العسكرية.

وترى المعارضة في كل هذه المعطيات جزءاً من مخططات إردوغان للسيطرة المطلقة على العسكر وسبق أن أتهمهم في تموز/ يوليو 2007 بالتآمر عليه. وتم آنذاك إعتقال العشرات من الجنرالات والضباط ومحاكمتهم من قبل وكلاء نيابة وقضاة موالون لفتح الله جولان وتخلص منهم اردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/ يوليو 2016  على الرغم من مساعدتهم له في شباط/ فبراير 2010 أيضاً عندما قاموا باعتقال ومحاكمة أكثر من 300 جنرال وضابط بتهمة الإعداد لمحاولة الانقلاب ضد الحكومة المنتخبة ولحق بذلك اعتقال رئيس الأركان ايلكار باشبوغ بتهم مماثلة في كانون الثاني/ يناير 2012. 

وأعتبرت أوساط المعارضة كل هذه التطورات فصولا متتالية في مسرحية أعدها وطبقها الرئيس اردوغان للتخلص من جميع معارضيه في الجيش وأي كانت انتماءاتهم وميولهم. فقد أستخدم اردوغان أتباع جولان للتخلص من القيادات العلمانية ثم تودد للجنرالات العلمانيين الذين ساعدوه في التصدي لانقلاب اتباع جولان في تموز/ يوليو 2016. ويسعى إردوغان الآن لضمان ولاء من تبقى في الجيش من "العلمانيين والإسلاميين" له طالما أنه بحاجة للعسكر لمواجهة كل أعدائه في الداخل والخارج وخاصة سوريا بوضعها الحالي والمستقبلي. 

وأتهم زعيم الشعب الجمهوري كليجدار أوغلو الرئيس اردوغان بإخفاء حقيقة علاقته السابقة مع جولان وقال "إردوغان هو الذي قدم كل المساعدات والتسهيلات والامتيازات لاتباع جولان وعين عشرات الآلاف منهم في المناصب العليا في مؤسسات ومرافق الدولة وفي مقدمتها الجيش والأمن والمخابرات والقضاء" وتم التخلص منهم جميعا بعد تموز/ يوليو 2016.

ويتمادى البعض في إتهاماته للرئيس اردوغان ويقولون عنه أنه يعمل على أضعاف الجيش الذي أغضب الحليف الأكبر أميركا عندما رفض البرلمان ومعه العسكر في الأول من آذار/ مارس 2003 السماح للقوات الأميركية باستخدام الأجواء والأراضي التركية إبان احتلال العراق وهو ما كان يدافع عنه إردوغان.

وأراد الأميركان أن ينتقموا لذلك فأسروا 11 ضابطاً تركياً في مدينة السليمانية في 4 تموز/ يوليو 2003 ومن دون أن يكون آنذاك لرئيس الوزراء إردوغان أي رد فعل على ذلك. 

وشهدت السنوات الأخيرة سلسلة من التطورات المتناقضة في العلاقات التركية- الأميركية التي ساهمت في نهاية المطاف في كسر شوكة العسكر في الحياة السياسية بحيث لم يعد لهم أي تأثير خاصة بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي وربط رئاسة الأركان وقادة القوات المسلحة بوزير الدفاع وهو بالتالي وبالضرورة مضمون الولاء لإردوغان.

وجاء المرسوم الرئاسي الأخير بجعل قانون البدل العسكري ساري المفعول دائماً وبالتالي تقليص مدة الخدمة الإلزامية 6 أشهر فقط كآخر خطوة على طريق ضمان ولاء الجيش المطلق لإردوغان وتقول عنه المعارضة بأنه يرجح الجيش الضعيف الموالي له على جيش قوي ينافسه في السلطة حال الجيش الانكشاري مع السلاطين العثمانيين.