لوموند: تونس أمام خطر الشرذمة السياسية

تبدأ حملة الانتخابات الرئاسية في تونس يوم 15 أيلول/سبتمبر وسط خيبة أمل من الطبقة السياسية التي يستغلها المرشحون الشعبيون.

صلاح الدين الجورشي: تواجه تونس فخاً

مرة أخرى، ستلفت تونس الانتباه إلى بنائها الديمقراطي. هذا التفرد في العالم العربي والإسلامي. ستسمح لحملة الانتخابات الرئاسية التي افتتحت رسمياً يوم الإثنين 2 أيلول/سبتمبر، للتونسيين بانتخاب رئيسهم مباشرة للمرة الثانية منذ ثورة 2011.

إن إجراء المشاورات، يؤكد في حد ذاته على إدراج البلاد في مسار ديمقراطي، إلا أنه يحدث في أجواء ثقيلة، مربكة، غامضة، وحتى مقلقة، في حين أن أكثرية الشعب التونسي تشعر بالفخر لانجاز الديمقراطية في البلاد. يلخص حاتم مراد، أستاذ العلوم السياسية في تونس هذا المناخ ويعتبر أنه على مخاطرة تتمثل في عدم فاعلية الحكم.

الرهان الرئيسي يرتبط باستقرار المشهد السياسي في عملية إعادة التشكيل. هل ستؤدي الانتخابات الرئاسية (التي سيتبعها في 6 تشرين الأول/أكتوبر الانتخابات البرلمانية)، إلى التقليل من مخاطر تفتيت المشهد الحزبي الذي لوحظ خلال العامين الماضيين؟

من بين المرشحين الـ26 للرئاسة، يظهر الاختراق في استطلاعات الرأي ما يسمى "شعبية النظام المناهض" على خلفية عدم الثقة بالحزبين الرئيسيين نداء تونس "الحداثة" والنهضة "إسلامي".  يكرس نهاية مرحلة، حيث قام الانقسام حول الإسلام السياسي بتنظيم المجال السياسي التونسي.

 

صفقة مفاجئة قبل الانتخابات

إن تفاقم القضايا الاجتماعية، وخاصة "الفقر"، إلى جانب المعارضة الكبيرة لفئة النخبة، تفسر تحديداً صعود حظوظ نبيل قروي، الراعي المثير للجدل لقناة نسمة التلفزيونية، الذي حصل على تعاطف كبير من خلال أنشطته الخيرية لبعض القرى الفقيرة في تونس الداخلية. إن اعتقال السيد قروي في 2آب/أغسطس، المشتبه في "غسل الأموال" و "التهرب الضريبي"، أزعج ما تمّ طبخه سابقاً من خطة للانتخابات، عبر سجنه في "المرناقية"، بالقرب من تونس. القطب التلفزيوني، الذي يوصف غالباً باسم "برلسكوني التونسي"، لا يستطيع القيام بحملة انتخابية شخصية لكنه لا يزال منافساً رسمياً، وفقاً للجنة الانتخابية العليا المستقلة (ISIE).

اعتقاله الذي ندد به أنصاره باعتباره "مناورة سياسية" تتناقض وشعبية الرجل. إذا صدقنا الاقتراع، هذا يعزز مكانته كـ "ضحية للنظام". ظهور شخصيات أخرى مثل الأكاديمي قيس سعيد، صاحب الخطاب المحافظ، أو المحامية عبير موسوي، الذي يزرع الحنين إلى عهد بن علي، الذي أطاحت به الثورة في كانون الثاني/يناير 2011 . يوضح أيضاً البحث عن بدائل للتشكيلات التي سيطرت على المشهد لمدة ثماني سنوات. يقول أستاذ العلوم السياسية حمادي الرديسي مناقضاً هذه الصورة "عندما نرى هذه السلالات من الحكم الاستبدادي وتفتيت المشهد السياسي لا يمكننا الحديث عن توطيد الديمقراطية في تونس".

من المرجح أن يعيد هذا التفتت فتح نقاشٍ كان يعتقد أنه انتهى مع اعتماد الدستور في أوائل عام  2014 : الهندسة المؤسسية للديمقراطية الفتية. القانون الأساسي، البرلماني بشكل رئيسي، هو موضوع الانتقادات المتزايدة من مؤيدي إعادة التأهيل الذين يشعرون بالقلق من خطر "الأغلبية غير الموجودة"، في اليوم التالي للتصويت المزدوج في الخريف.

هذا الإصلاح الدستوري مطلوب بشكل خاص من قبل عبد الكريم زبيدي، المرشح ووزير الدفاع، المقرب من رئيس الدولة السابق، الباجي قائد السبسي الذي توفي في 25 تموز/يوليو، والذي لم يخف أبداً رغبته في إعادة توازن صلاحيات الرئاسة وعلى حساب رئيس الوزراء. الوقت، وخاصة عدم وجود إجماع سياسي حول هذا الموضوع، لن يسمح له بإعادة فتح هذا المشروع المؤسساتي.
والسخرية في القصة أن اختفاءه قبل نهاية فترة ولايته تسبب في قلب التوقيت الانتخابي، وضع الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات البرلمانية وإعطاء دفعة لانتخاب رئيس الدولة. رئيس الحكومة الطموح يوسف الشاهد، الذي لم يرغب في البداية في طلب الوصول إلى قرطاج (مقر الرئاسة)، مفضلاً الاستمرار في القصبة (مقر رئيس الوزراء)، اضطر في النهاية للدخول إلى الساحة الرئاسية. كما أن حزب النهضة الإسلامي المحافظ، الذي كان لفترة حكمه في البرلمان أهمية كبيرة في صياغة دستور عام 2014، قدم أيضاً مرشحاً رئاسياً في شخص المحامي عبد الفتاح مورو.

"تونس تواجه مصيدة"

إن الموعد النهائي دقيق لحركة النهضة التي لا يزال مذهبها العقائدي لتلميع تراثها الإسلامي "عملاً غير مكتمل"، وفقاً لما قاله أحد قادة الحزب. إن الإيماآت الأيديولوجية المعترف بها، بما في ذلك مرسوم "الانفصال" الصادرعن مؤتمر الحزب العاشر في عام 2016 بين المجالين السياسي والديني، بطيئة في تحقيق الأرباح المرجوة. لقد قاموا في الواقع بنقل جزء من ناخبيه التاريخيين دون نزع الشكوك التي تغذي من جهتها الرأي المعادي للإسلام المتشدد في تونس، والذي لم يقبل بصراحة "التسوية التاريخية" المتفق عليها عام 2015 بين نداء تونس والنهضة تحت رعاية الرئيس السبسي.

يعترف زعيم الحزب قائلاً: "إن الاختراقات ضئيلة للغاية لأن هناك دوماً الكثير من التردد تجاهنا". في هذا السياق، يقترح السيد مورو تعميق إعادة تعريف الهوية الأيديولوجية للحزب من خلال الإشارة إلى أن هذا الأخير يعتبر "محافظاً" فقط. عند نقطة تحولها الشهيرة في عام 2016، قررت النهضة التخلي عن العلامة "الإسلامية" لتبني "المسلم الديمقراطي" في إشارة إلى "المسيحيين الديمقراطيين" الأوروبيين.

إذا كان قد تم التصديق على اقتراح السيد مورو من قبل الحزب، فسيؤدي ذلك إلى إبعاد الحزب عن الإطار المرجعي الديني الأصلي. يقول مورو "المشاكل في تونس سياسية واقتصادية واجتماعية وليست دينية". ومن خلال الكشف عن برنامجها، شددت النهضة بشدة على القضايا الاقتصادية والاجتماعية.

السبب في ذلك هو أن الناخبين أصبحوا الآن محاصرين جزئياً من قبل الشعبوية الناشئة، خاصة تلك التي يجسدها نبيل قروي الذي على الرغم من كونه عضواً في عائلة "الحداثة" المزعومة، غالباً ما لعب على المشاعر الدينية لجماهيره. في مواجهة مثل هذا التحدي، لم يخف حزب النهضة أبداً، بصفته شريكاً في الائتلاف الحكومي "تحيا تونس"، حزب رئيس الحكومة يوسف الشاهد (المولود في المعارضة داخل حزب الرئاسة السابق نداء تونس) نيته لحجب "الدخيل" السيد قروي.

لكن اعتقال رجل الأعمال هذا من خلال ممارسات مشبوهة يصفها الخصوم بأنها "مافيا"، لا يبدو أنها كافية لتحييدها. على العكس من ذلك، فهي مبالغة لأشياء منبوذة. "تونس تواجه فخاً"، يلخص المحلل صلاح الدين الجورشي. مضيفاً "إن ترك قروي حراً يشكل خطراً، لكن استبعاده يمثل خطراً أيضاً".

في ظل هذه الظروف، يبدأ جزء من ناخبي "الحداثة"، الذين يعانون من حساسية لكل من النهضة ومغامرة نبيل القروي، في الاهتمام بعبد الكريم زبيدي، وزير دفاع لثلاث مرات منذ عام 2011 والذي يجسد بعض الاستمرارية للدولة. هذا يعني أن اللعبة السياسية التونسية لم تكن أبداً منفتحة.

ترجمة بيان خنافر

https://www.lemonde.fr/afrique/article/2019/09/02/la-tunisie-face-au-risque-de-la-fragmentation-politique_5505281_3212.html