"سنعيد بكم صبرا وشاتيلا" .. أسرى معتقل الخيام يتذكرون

نوال، كفاح، عفيف وسوسن يتذكرون أيام الأسر في معتقل الخيام، ويتحدثون عن قسوة العميل عامر الفاخوري.

تحت الأسلاك رقد الأسرى لسنوات وتحملوا التعذيب المضني
تحت الأسلاك رقد الأسرى لسنوات وتحملوا التعذيب المضني

لم ينسَ المعتقلون في الخيام كيف كان يتم تعليقهم على الحائط لساعات متأخرة من الليل. لم ينسَ المعتقلون في الجنوب كيف كانوا يركعون ويضربون بشكل متواصل في السجون الإسرائيلية، حتى كان يغمى على بعضهم، وعندما يستيقظ كان يحكي له رفاقه في الأسر ما حل به.

الماء البارد يتبعه الساخن، من بعدها زنزانة حجب عنها الضوء. لم ينسَ الحاضرون هناك الأسلاك التي كانت تربط بأصابعهم، ولحن الكهرباء تضرب أجسادهم المبللة بالماء، فضلًا عن "القن" وفي التعريف الجنوبي هو "بيت الدجاج" والذي كان يوضع فيها الأسرى لساعات، 50 سنتيمترًا طولًا وعرضًا و70 ارتفاعًا، وسائل التعذيب في معتقل الخيام لا تقل أبدًا عن تلك التي سمعنا بها في سجن "أبو غريب" أو "غوانتانامو". أما قصص الأسرى فهي أيضًا لا تقل عن تلك التي نتابعها في الأفلام السينمائية، فهم رغم جراحهم وتعبهم كانوا أشداء على العدو رحماء فيما بينهم.

عاد العميل عامر الياس الفاخوري إلى لبنان بكل برودة أعصاب، وهو الذي كان يتفاخر باسمه الحقيقي في المعتقل محاولًا الدوس على جراح الأسرى وجثث الشهداء، لكن ذاكرة الأسرى لم تنس ولم تشخ بعد، فهم مازالوا يتذكرون جيدًا قصصهم هناك.


المسدس والكاتم .. سرّ نوال

في زنازين معتقل الخيام مئات القصص ربما الآلاف منها، حيث شهد العام 1987 موجة اعتقالات بتخطيط إسرائيل وتنفيذ ما كان يسمى بميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" وهو الجيش الذي كان بقيادة العميل أنطوان لحد. جاء نتيجة هذه الموجة قرار شعبي بتوسيع دور المرأة في العمل المقاوم، بعد أن كان دورها في السابق يعتمد على نقل بعض المعلومات وقطع السلاح.

الأسيرة نوال بيضون تعرف كل هذه التفاصيل، وهي التي قضت 4 سنوات في معتقل الخيام. وهي قررت برفقة مجموعة من الفتيات التنسيق مع المقاومة القيام بأمر يترك صداه المخيف في نفوس الأعداء. المهمة كانت اغتيال العميل حسين عبد النبي "المقبور" على حد تعبيرها في حديثها مع "الميادين نت" وهو دلالة على عدم الرحمة.

فشلت العملية نتيجة خطأ تقني (دام التخطيط 7 أشهر) وبقي المسدس والكاتم سر نوال طوال فترة الاعتقال فهي التي كانت مهيأة وموكلة بقتل عبد النبي. وفي 19 نيسان/أبريل 1988 دخلت نوال إلى المعتقل حيث قضت يومًا واحدًا في ثكنة مدينتها بنت جبيل من ثم نقلت في اليوم التالي.

تتحدث نوال عن معاناتها في المعتقل بكل فخر وقوة، فتقول إن أساليب التعذيب في كل جلسة اعتراف كانت مختلفة "أشكال ألوان". لم يكن هناك تفريق ما بين إمرأة ورجل إلا في مسألة التعليق على عامود الكهرباء.

وتضيف نوال في حديثها أنه لا يمكن نسيان أي لحظة داخل المخيم فكلها صعبة:"كل لحظة هي ذكرى راسخة"، لكن ما استوقفها هو اليوم الذي استشهد فيه الأسيران بلال السلمان وإبراهيم أبو العز، حيث أنها لم تنس صوتهما أثناء تلقيهما للضرب، لم تنس صوت ارتطام جسديهما بباب الزنزانة ورغم كل ما عانته إلا أنها لم تعترف أبدًا بأي معلومات سرية مرتبطة بعملية اصطياد عبد النبي.

أما عن الفاخوري "الجزار" كما يطلق عليه، فهي تعرفه وتتذكر كلمة "إسمع" التي لم ينفك عن قولها بين الكلمة والأخرى، حيث أجمع معظم من تحدث للـ"الميادين نت" على نفس النقطة، وكان هو من يعطي كل الاوامر بالتعذيب والقتل وغيرها.

خرجت نوال من السجن في العام 1992 في أول عملية تبادل بين المقاومة وقوات الإحتلال، بعدها أكملت درستها وهي اليوم منتصرة وتشغل منصب ناظرة في ثانوية بنت جبيل الرسمية. وفي ختام كلامها تضيف إن ما حدث في الخيام يجب أن يدخل في المناهج، وأن أسماء من عبروا واستشهدوا هناك يجب أن تكون جزءًا من تاريخ لبنان، فما حدث هناك لم يكن عاديًا.


كفاح جرّبت الموت المحتم

باب إحدى الزنازين في معتقل الخيام
باب إحدى الزنازين في معتقل الخيام

لم تخف كفاح عفيفي يومًا إلا عندما قابلت العميل الفاخوري. لقائهما الأول كان بعد نقلها من السجون الإسرائيلية في فلسطين المحتلة إلى "الخيام"، حيث أخذت إلى الفاخوري والذي كان يحاول الظهور دائمًا على أنه سيد موّقر،  بحسب تعبيرها، سألها عن جنسيتها والمكان التي جاءت منه، وعندما علم بأنها تحمل الجنسية الفلسطينية قال لها:"هل سمعت بمجزرة صبرا وشاتيلا"، أجابت بأنها كانت في الحادية عشر من عمرها، فرد عليها:"هنا سنعيد بكم ما حدث في صبرا وشاتيلا"، وهي ليست الوحيدة التي سمعت هذا الكلام من الأسرى.

تتحدث كفاح عن ما قاله الفاخوري فهو الشيء الوحيد الذي بثّ في قلبها الرعب، فقط سماعها بـ"صبرا وشاتيلا"، أما الباقي فكانت قادرة على مواجهته. عندما نقلت كفاح إلى الخيام كانت مصابة في كليتها، وفي أحد الأيام كانت الممرضة تحاول تعديل ضماد الجرح، فدخل الفاخوري عليهما رفقة اثنين فأخذ سيجارة من مرافقه وغرزها في جرحها.

تكمل عن أقصى ما تعرضت له من تعذيب:"أثناء الأسر كان يحضر أهالي الفتيات ويحضرون لهم أغراض خاصة بهن، في يوم من الأيام كنت تحت ظرف صحي، أخذت إلى التحقيق ربطت يداي ببعضهما وظهري بكرسي، واخذو يضربوني على بطني حتى تسبب ذلك بنزيف حاد، في تلك اللحظة لم أكن اشعر بأعضاء جسدي، وبعد الإنتهاء طُلب مني الوقوف وتنظيف المكان، جمعت قواي ووقفت وضحكت كدلالة على انتصاري وفعلت ذلك".

لقد حاول الأسرى اظهار قوتهم دائمًا لكن التعذيب بالكهرباء لم يكن بالسهل تحمله، تصف كفاح الأيام هناك على أنه موت مستمر، حيث تقول إنهم كانوا يموتون ويعيشون كل يوم.

كفاح كانت الوحيدة من بين السيدات التي جربت "القن" لمدة 20 دقيقة وتقول عنها بأنها الموت المحتم. قضت 7 سنوات في الخيام حيث اعتقلت في العام 1988 على أثر توجهها لتنفيذ عملية برفقة 6 شبان. بعد يومين من المشي وصلت المجموعة التي كانت تسعى إلى دخول فلسطين إلى بلدة كفركلا الحدودية في الـ 24 تشرين الأول/ أكتوبر وكان موعد الوصول متأخرًا، استقبلهم أحد العملاء وقال بأنه سيحميهم فترك أولاده معهم في المنزل، وبعدها بساعات عاد العميل جهاد شيت برفقة "جيش لحد"، حيث سقط جريح وشهيد وأسرت كفاح التي كرّست حياتها بعد الخروج من السجن للعمل في قضايا الأسرى.


"ناري يا ولدي"

الفاخوري كان الآمر والناهي في معتقل الخيام (أ ف ب)
الفاخوري كان الآمر والناهي في معتقل الخيام (أ ف ب)

"رامبو" هذا هو لقب الفاخوري في معتقل الخيام، وكان الشرطيون والعسكريون في المعتقل يطلقونه عليه بحسب ما يرويه الأسير المحرر عفيف حمود. بدموعه وصوته الباكي روى عفيف الكثير،  ويمكن اعتباره واحدًا من الأشخاص الذين يعدّون مرجعًا في كل ما يتعلق بمعتقل الخيام حيث بقي معتقلًا هناك على مدى  10 أعوام. وأخذ بعد تحريره يجمع أرشيف المعتقل من صور وصحف وكل ما هو مرتبط بالمكان الذي قضى فيه الكثير من اللحظات الصعبة.

في الثمانينيات من القرن الماضي ترك عفيف العاصمة بيروت، وتوجه إلى قريته كفرحمام الواقعة على حدود مزارع شبعا المحتلة وهناك أخذ يقاوم الإحتلال. انطلقت حملة الاعتقالات الشاملة من بنت جبيل إلى العرقوب، وفي 5/1/1988 أعتقل عفيف.

تلقى هناك شتى أنواع التعذيب التي تنتشر اليوم ما بين المتحدثين عن ذاك المعتقل. لم تفارق القنابل المسيلة للدموع وغازاتها أنف وجسد عفيف، ففي العام 1989 حاول السجناء الانتفاضة للمطالبة بأدنى حقوقهم، لكن الفاخوري رماهم بالقنابل في غرفه لا يدخلها الهواء، وبعد ثلاث ساعات لم يعد أي من الأسرى قادرًا على الوقوف، بحسب ما يرويه حمود للـ"الميادين نت".

الفاخوري وحده من كان يقمع كل شيء داخل السجن، لقد كان الأخير أسمًا على مسمى فهو الوحيد الذي كان يتفاخر باسمه ويعلن اسمه الحقيقة أمام الجميع، كل من كانوا متواطئين هناك كانت لهم أسماء مستعارة، لقد كان مغرورًا يذكرهم دائمًا بمجزرة صبرا وشاتيلا ويشدد بكلمته "اسمع يا مخرب أو يا مشاغب" على أن اسرائيل هي الأقوى والمسيطرة. يقول حمود:" إذا أردت أن تلامس الموت أدخل إلى القن" حيث قضى عفيف في داخله عدة مرات لساعات وساعات تكون كفيلة بعزلك عن كل شيء حتى نفسك وجسدك.

"ناري يا ولدي" هذه الجملة التي كانت ترددها أم عفيف عندما تم أسرها، وأخذوا بضرب ابنها أمام أنظارها، وعندما ذكر عفيف هذا الحدث ارتجف صوته وأخذ يبكي، وهو يقول إن هذه الكلمات هي التي جعلته يثبت ويقوى في وجه كل التعذيب، وكأن والدته كانت تريد أن تقول له أنت قوتي وسندي وطاقتي.

والدة عفيف نقلت عبر أحد الدواب مجموعة من الأسلحة وخبأتها في أحد الأماكن، بطلب من عفيف. ما يزيد في حزن عفيف أن من كانوا هناك كانوا لبنانيين تعاملوا مع العدو لينفذوا أوامره ويضعون وطنيتهم جانبًا.


المصفاة... هاتف الأسيرات

زوجة عفيف الحالية كانت واحدة من الذين عاشوا لحظات النصر، التحرير والإنسحاب الإسرائيلي فضلًا عن إخلاء المعتقل. سوسن خنافر التي اعتقلت بعد اعتقال والدها بيومين في 17 شباط/ فبراير 2000، تحكي إحدى الطرائف واكتشاف الأسرى وسيلة للحديث مع بعضهم البعض.

في يوم من الأيام كانت في نوبة لتنظيف الصحون، وأثناء دندنتها كان هناك أحد في غرفة مجاورة يجلي الصحون أيضًا، ولكن صوت الأغنية خرج من مصفاة الماء التي تحولت في ما بعد وسيلة للحديث.

عاشت سوسن هناك 100يوم، في فترة كان الجميع يشعر فيها الجميع أن رحيل الاحتلال بات قريبًا. أما عن اللحظات الحاسمة تقول خنافر:"كنت في المستشفى، هناك كنا نعرف الأخبار من التلفاز وكنت أسمع بأن هناك أمور تحدث مع المقاومة، كان المفترض أن أبقى 4 أيام لكن جاء أمر بإعادتي، لكني منعت من زيارة أبي التي كانت مسموحة مرة في الشهر، منعنا من الطعام، الدخان إلخ".

وتضيف:" كانت غرفتنا أنا وزملائي مطلة على سهل الخيام، كنا نسمع صوتًا ولكن أقنعنا نفسنا بأنه فريق من لاعبي كرة القدم، فجأة لم نر أي عسكري، وأخذ الصوت يقترب أكثر وأكثر، حارسة الزنزانة رمت بالمفاتيح أرضًا، فانتابنا الخوف وأخذنا نصرخ فتوجه المقتحمون إلى غرفتنا، لقد كانت مفاتيح الزنزانة تحت اقدامهم لكنهم لم يسمعوا انها هناك من شدة حماسهم لتحريرنا".

في البلدة استقبلوا استقبال الأبطال تصفه سوسن بقولها:"لقد كان فعلًا عرس النصر"، امتدت لهم الولائم وسخّر لهم كل ما أرادوا من قبل المهللين في ذاك التحرير.


"إذا نزلت القبر سأقوم باللحاق بك"

أبو العز والسلمان استشهدا خلال التعذيب
أبو العز والسلمان استشهدا خلال التعذيب

إبراهيم أبو العز وبلال السلمان صديقان في الجهاد والأسر ثم شهيدان سويًا، يروي الأسير عفيف حمود عنهما طرائفهما سويًا وعلاقتهما القوية والصداقة التي جمعتهما، حيث كانا عندما يفصلان داخل المعتقل يعاد جمعهما. كان أبو العز دائما يمازح السلمان، بقوله:"متى سترحل عني وتتركني في شؤوني"، فيرد عليه الأخير:"إذا نزلت القبر سأقوم باللحاق بك"، وهذا ما حدث في المعتقل... رحلا سويًا.

ما عاشه الأسرى في ذلك المعتقل لم يكن عاديًا حيث حرموا من كافة ما يمكن أن يتمتع به أي سجين حول العالم، يحكى أن المرة الأولى التي سمح فيها بدخول الصليب الأحمر الدولي إلى المعتقل كانت عام 1995 أي بعد حوالى 10 أعوام من فتح بواباته.

الكثير من القصص يمكن أن تحكى هناك، وما روي آنفًا قد يشكّل غيضاً من فيض.