"خطوة لا مفرّ منها"... لبنان نحو هيكلة الديون

كلمة رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب يوم أمس، شكلت منعطفاً في سياسات الحكومة اللبنانية التي كانت مصرّة على تسديد المستحقات المالية دون أي تأخير أو مراجعة.

  • "خطوة لا مفرّ منها"... لبنان نحو هيكلة الديون
    تقوم فكرة هيكلة الدين على استبدال دين سيادي قديم للدولة بدين سيادي جديد

ما من شك أن كلمة رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب، يوم أمس السبت، كانت مفصلاً في تاريخ الحكومات اللبنانية لجهة مقاربة السياسة المالية للبلاد. فالرجل خرج ليعلن تعليق "سداد استحقاق 9 آذار/مارس من اليوروبوند، لضرورة استخدام هذه المبالغ في تأمين الحاجات الأساسية للشعب اللبناني". 

وهو الأمر -أي تعليق السداد- الذي يعد سابقة في تاريخ طويل من علاقة الحكومة بالدائنين، إذ لم يحدث للبلد الذي "تخطّى مجموع الدين العام فيه الـ90 مليار دولار، بما يشكل نحو 170% من الناتج المحلي" وفق دياب، أن تخلّف أبداً عن استحقاقاته.

تقوم فكرة هيكلة الدين على استبدال دين سيادي قديم للدولة بدين سيادي جديد، وذلك بعد التفاوض مع الدائنين. وفي حال عدم التوصّل إلى صيغة مُرضية، سيكون بإمكان الدائنين رفع دعاوى قضائية على الدولة اللبنانية في الخارج، ما قد يؤدي إلى الحجز على بعض أصولها. 

"هذه خطوة لا مفرّ منها" يقول الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة للميادين نت، ويتابع قائلاً "لكن الأهم من الإعلان عن خطوة التعليق وإعادة الهيكلة، هو معرفة ما سيترتب على هذا الإجراء خاصة في ما يتعلق بالجانب القانوني". 

يرجّح عجاقة أن يكون الفريق الحكومي قد أنبأ كبار مالكي سندات اليوربوندز بالأمر قبل إعلان يوم أمس، لكن ماذا عن صغار المالكين؟ يجيب أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية بأن ذلك لم يتم، ما قد يمثل عثرة في سير التفاوض بشأن الهيكلة، ويدخلها في إرباك المرافعات القضائية.

يشير عجاقة إلى إجراء قانوني "غير مفهوم" اعتُمد منذ تشرين الأول/اكتوبر 2014، وذلك بإلغاء بند في سندات اليوروبوندز ينص على أن "بإمكان الغالبية المؤهلة من حاملي السندات ربط جميع حاملي السندات ضمن القضية نفسها بالشروط المالية لإعادة هيكلة الدين العام"، وهذا ما يرتب على الحكومة التفاوض مع جميع حاملي السندات والتوصل لتسوية كي لا تُستدرج الدولة اللبنانية إلى محاكم نيويورك أو باريس أو لندن المالية.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي زياد ناصر الدين أن إعلان دياب أمس "جريء ومفصلي"، معللاً ذلك بقوله بأن "الحكومات السابقة لم تكن شريكة في السياسات النقدية، لكن هذه المرة قررت حكومة دياب أن تكون المتحكمة بالسياسة النقدية وأن لا تهدر موارد الدولة المالية المرتبطة بحاجات الناس الأساسية".

وأضاف ناصر الدين في حديث للميادين نت أن التفاوض بين الحكومة وحاملي السندات بدأ بالفعل، وهذا "ما يتطلب التفافاً شعبياً حول قرار الحكومة ومفاوضين أكفاء يعملون لتأمين مصالح الدولة لا مصالح المتحكمين برؤوس الأموال".

وأوضح ناصر الدين أن "تعليق السداد ترك باب التفاوض مفتوحاً مع المالكين؛ لهم حقوق عند الدولة، لكن الأخيرة بحاجة إلى بعض الإصلاحات والتعديلات، وبالتالي تحتاج للتفاوض معهم حول فوائد الدين ومدة التسديد وغيرها من الأمور".

وكان الخبير الاقتصادي حسن مقلد أكد للميادين نت أنّ "هناك مجموعة من حملة يوروبوندز المحليين قد أجّروا سنداتهم لأشخاص خارج لبنان من أجل أن يأخذوا كامل المبلغ وليس القيمة السوقية المتاحة لهم، وثانياً ليقبضوه خارج لبنان وليس داخل الجهاز المصرفي اللبناني".

وبلغت قيمة الدين العام في لبنان لغاية تشرين الأول 2019، 87.1 مليار دولار، منها 32.51 مليار محرّر بالدولار و54.5 مليار محرّر بالليرة، فيما تشكّل سندات اليوروبوندز 93.6% من مجموع الديّن المحرر بالدولار.

وبدأت معالم الأزمة تتضح منذ غام 2011 مع بدء تسرب الدولارات من احتياطات مصرف لبنان المخصّصة للحفاظ على ثبات سعر الصرف وتمويل حاجات الاستيراد، ما انعكس عجزاً متراكماً في ميزان المدفوعات.

ولبنان ليس البلد الأول الذي يلجأ إلى خيار هيكلة الديون، ففي العام 2005 عمدت الأرجنتين إلى استبدال سندات دين قديمة بأخرى جديدة بعد اقتطاع 60% من القيمة الأسمية للسند القديم (ما يعرف بـ"قصّ الشعر")، لكن 24% من حاملي السندات رفعوا دعاوى ضد الحكومة في نيويورك، كذلك خفّضت اليونان عام 2012 القيمة الإسمية للدين بنسبة تتراوح بين 50% و60%.