جدل في تونس بسبب إغلاق المساجد توقياً من انتشار فيروس كورونا

قرار تعليق صلاة الجماعة في المساجد التونسية، بسبب التوقي من انتشار فيروس "كورونا"، لم يلق قبولاً لدى عدد كبير من المصلين الذين أبوا إلاّ أن يقيموا صلاة الجماعة.

  • جدل في تونس بسبب إغلاق المساجد توقياً من انتشار فيروس كورونا
    الرافضون يعتبرون أن قرار إغلاق بيوت الله في مرحلة صعبة تمر بها الإنسانية جمعاء

"صلوا في رحالكم.. صلوا في بيوتكم"، هكذا رفع المؤذنون في تونس صلاة الفجر منذ يومين، بعد إعلان رئيس الحكومة الياس الفخفاخ قرار تعليق صلاة الجماعة في المساجد، ضمن حزمة من الإجراءات للسيطرة على تفشي فيروس كورونا. عبارات كان لها وقع كبير في نفوس كل من دأب على صلاة الجماعة، وكل من اعتاد الاستيقاظ على صوت المؤذن وهو ينادي "الصلاة خير من النوم".  

قرار تعليق صلاة الجماعة في المساجد التونسية، بسبب التوقي من انتشار فيروس "كورونا"، لم يلق قبولاً لدى عدد كبير من المصلين الذين أبوا إلاّ أن يقيموا صلاة الجماعة حتى وان كان ذلك في الشوارع وأمام المساجد.

وقد تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صوراً، أظهرت عدداً من المصلين يؤدون صلاة الجماعة أمام المساجد، في تحدّ لقرار الأصل فيه ليس منع صلاة الجماعة، وإنما تجنّب التجمعات التي قد تكون أحد أهم الأسباب في انتقال هذا الفيروس سريع الإنتشار.

الرافضون يعتبرون أن قرار إغلاق بيوت الله في مرحلة صعبة تمر بها الإنسانية جمعاء، هو ضرب من الكفر وضعف في الإيمان لأن الوباء في نظرهم يقتضي التقرب والتضرع إلى الله بالصلاة والدعاء، لكن عدداً من الأئمة انتقدوا هذا السلوك الذي رأو فيه سلوكاً لا ينم عن الإدراك العقلاني التي تمّ من أجلها تعليق صلاة الجماعة.

 في هذا السياق، يقول الأستاذ المجاز من المعهد العالي للحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة الإمام الخطيب علي بسباس لـ "الميادين نت"، إن روح الإنسان في الشرع الحنيف أعظم شأناً من الجدران والأسوار مستشهداً بقول رسول الله (ص) وهو ينظر إلى الكعبة "ما أعظمك وما أبهاك وما أعظم حرمتك إلا أن دم المؤمن أعظم حرمة منك".

وأشار إلى أن إجراء غلق المساجد اليوم، مؤسسٌ على كلية عظيمة في الإسلام وهي حفظ النفس لأنها تنطوي تحت مقاصد شرعية كبرى.

وأضاف أن "غلق المساجد في ظل هذا الوباء لا يخالف القرآن الكريم لأن المصلين في المسجد جزء من المجتمع وهم من الناس فإذا تفشى فيهم الوباء تضرروا والله تعالى قال لنا: من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".

من جهته، اعتبر الباحث في الحضارة والإسلاميات والناطق الرسمي باسم ديوان الإفتاء غفران حسيني في تصريح لـ "الميادين نت"، أن تهييج مشاعر الناس في قرار منع الجمعة والجماعة في المساجد وتحريك عواطفهم الدينية دون استناد الى أدلة  شرعية من القرآن، أو من عمل النبي (ص) الذي أمر بالصلاة في البيوت عند المطر الشديد وفعل مثله ابن عباس هي "بروباغندا وليست علماً شرعياً". 

كما أكد أن تهييج مشاعر الناس ونقل الكلام عن الفقهاء والمفسرين في وجوب تعظيم شعائر الله، دون تنزيل البلاء والوباء الذي دفع لتعليق الصلاة في الجماعة، تلبيس على الناس وإظهار للدولة كأنها تحارب الدين بينما هي تحفظ الأرواح، وفق تعبيره. وتساءل "لماذا لا تقولوا للناس أن الفقهاء أباحوا لمن خاف على دابته أن تأكلها السباع أن يترك الجماعة فما بالك الفيروس قاتل".

وأشار إلى أن "تنزيل المواقف الفقهية، حتى وإن كانت من أدلتها من النصوص  دون اطلاع على الوقائع - التي هي من اختصاص الأطباء واللجان المختصة بمتابعة انتشار الفيروس- خرق فاضح لفلسفة الشريعة التي هي حوار الوحي مع الواقع، وتقدير للمصلحة العامة وتقديم لدرء المفاسد على جلب المصالح"، بحسب قوله .

كما شدد على أن "رمي الفتاوى دون معرفة مآلاتها واستتباعاتها على الواقع في الأرواح وفي انهيار المنظومة الصحية وامكانية دخول البلاد في حالة شلل بل كارثة بشرية لا سمح الله هو استهتار بالدين قد يؤدي إلى هلاك كثير من الناس".

وتساءل في ذات السياق "من من المشائخ المنددين بتعليق الصلوات الجماعية بإمكانه أن يتحمل وزر أرواح او مرضى أو انتشار عدوى في مدن أو قرى وأحياء أو إغلاق المساجد بصفة كلية إذا تفشى فيها الوباء في السجدات والمعدات وأماكن الوضوء وخرج الأمر عن السيطرة وهلك كثير من الناس من جراء تحمس عاطفي يلقي فيها الشيخ فتواه ويترك الناس تواجه مصائبها لو انتشر المرض"؟

وأضاف "كلنا نحزن لتعليق الصلوات الجماعية في مساجدنا وأحزن أكثر لتعليق صلاة الجمعة وتوقف المنابر لكن الحزن لا يصنع فتوى والعاطفة لا تعطينا إجابات عن كيفية فهمنا للدين في ظل واقع خطير لتطور الفيروس وفتكه بالناس...لقد أمر النبي بأن ينادى بالصلاة في البيوت عند المطر الشديد..فأيهما أولى المطر أم الوباء أم أننا حريصون على الجماعة أكثر من رسول الله"؟

وتابع قائلاً "أن نحزن لتعليق وقتي للصلوات جماعة في المسجد أفضل من حزن ترى فيه جنائز الموتى وسيارات الإسعاف تحمل المرضى...أو أن تعود الحياة إلى طبيعتها وتجد نصف أهل  المسجد قد فارقنا وفتك به الوباء".