سوريا تواجه "كورونا".. حظر تجوال جزئي وإغلاق أسواق

تختلف الحالة السورية في مواجهة فيروس "كورونا" عن باقي دول العالم، لكن جوانب أخرى تعطيها أفضلية في الوقاية من الوباء، ففي الوقت الذي يكمل حظر التجوال الجزئي، وهو أحدث القرارات الحكومية، جملة قرارات تعمدت الحكومة التدرج التصاعدي فيها مراعاة، كما يبدو، لظروف حرب.

  • سوريا تواجه "كورونا".. حظر تجوال جزئي وإغلاق أسواق
    بدا واضحاً أن ثغرات كبيرة حدّت من إبقاء السوريين في بيوتهم يتصل معظمها بطريقة معيشة المجتمع السوري في ظل معدلات فقر غير مسبوقة

لم تخل شوارع دمشق والمدن السورية الكبرى من الحركة كما هي اليوم منذ نحو خمسين سنة. فعلَ حظر التجوال الجزئي بين 6 مساءً و6 صباحاً فعلته في أحدث إجراءات الحكومة السورية لمواجهة انتشار فايروس "كورونا". 

تبث القنوات التلفزيونية الحكومية تغطيات ليلية لتطبيق فرض حظر التجوال من دمشق وحلب وحماه واللاذقية. صور حزينة لمدن لم تعرف السكون والهدوء في أحلك ظروف الحرب وقد دخلت عامها العاشر، بل على العكس تحولت حركة الباعة والموظفين وحتى المتسوقين خلال يوميات الحرب إلى طقس احتفالي إعلامي يتحدى الحرب تحت شعار "ثقافة الحياة".

وجرى ذلك بعد تفجيرات كثيرة واعتداءات بقذائف الهاون وحتى غارات أميركية وإسرائيلية على دمشق وغيرها من المدن السورية.

يكمل حظر التجوال الجزئي، وهو أحدث القرارات الحكومية، جملة قرارات تعمدت الحكومة التدرج التصاعدي فيها مراعاة، كما يبدو، لظروف حرب أنهكت السواد الأعظم من السوريين في معيشتهم ومسكنهم وكل تفاصيل حياتهم، حيث أوقفت الحكومة التعليم الجامعي وما قبل الجامعي مؤقتاً، وأغلقت المطاعم والمقاهي والمنتزهات الشعبية والأسواق والأنشطة التجارية والخدماتية، باستثناء محلات بيع الأغذية والصيدليات، وعلّقت الصلاة الجماعية في دور العبادة قبل أن توقف النقل الجماعي بكل أشكاله داخل المحافظات ثم في ما بينها.

 لكنها حزمة لم توقف حركة المدنيين في الشارع كهدف أساسي من كل قرار، حشود في الشوارع والساحات وأمام مراكز بيع المواد الغذائية لم تلحظها تلك القرارات فرضت دعوات واسعة من فنانين وإعلاميين وناشطين تدعو بإلحاح السوريين للبقاء في بيوتهم تحت عنوان " خليك بالبيت".

بدا واضحاً أن ثغرات كبيرة حدّت من إبقاء السوريين في بيوتهم يتصل معظمها بطريقة معيشة المجتمع السوري في ظل معدلات فقر غير مسبوقة، تجاوزت، بحسب تقديرات مؤسسات دولية، نسبة 80%، وفي اعتماد كثير من السوريين على العمل اليومي: سائقون وباعة على البسطات وعمال مياومون في البناء والمطاعم والورشات على اختلافها.

 كل ذلك دفع شريحة واسعة للتحرك الدائم بصرف النظر عن التحذيرات من خطر الوباء، وزاد من وطأة الضغط عدم وجود إمكانات لدى الحكومة في منح تقديمات اجتماعية تساعد هذه الشريحة على تجاوز فترة لم تعرفها سوريا حتى خلال أصعب أيام الحرب.

 ثغرة أخرى تتصل بتأمين المستلزمات الغذائية عبر أفران الخبز ومنافذ بيع المواد المدعومة السعر من الدولة، من مثل الأرز والسكر والشاي والزيوت. جزء من الازدحام أمام الأفران تلاشى بوضوح مع اعتماد خطة إيصال الخبز إلى الأحياء والحارات والأبنية عبر لجان الأحياء والمخاتير. 

وفي هذا السياق، أكد معاون وزير التجارة الداخلية جمال الدين شعيب لـ"الميادين نت"، عدم وجود مشكلة في كميات الخبز اليومية، مرجّعاً الطوابير الكبيرة أمام الأفران إلى "إقدام كثير من المستهلكين على شراء أكثر من حاجياتهم اليومية في ظل أجواء الخوف من إجراءات مكافحة كورونا".

وأضاف شعيب أن المعالجة تضمنت فرض ساعات عمل طويلة على الأفران ليلاً والاعتماد على آلية توزيع توصيل الخبز إلى المستهلكين عبر منافذ بيع ومعتمدين وموزعين على امتداد المحافظات.

إجراءات مهمة وسريعة توازت مع الاعلان عن وصول عدد حالات المصابين بـ"كورونا" إلى 5، لكنها لم تنه مشاهد الازدحام أمام مؤسسات "السورية للتجارة"، وهي المؤسسة الحكومية التي تقوم ببيع المواد والسلع الغذائية، وخصوصاً المدعومة السعر، وكوات المصارف، وهو ما توثقه مئات صفحات التواصل الاجتماعي يومياً، بل ويمكن ملاحظته بسهولة أمام صالات مؤسسات بيع الخضار والمواد الغذائية داخل العاصمة وأكثر من ذلك في الأرياف القريبة والبعيدة.

مشاهد الأرتال الطويلة للمتسوقين خلال ساعات النهار يرافقها حالة استنفار حكومي وشعبي غير مسبوق في مكافحة الوباء. وحتى مبادرات المجتمع الأهلي بكل أشكاله تحدث فرقاً رغم الضعف الشديد الذي يعتريها بالمقارنة مع الواقع المعيشي القاسي لملايين السوريين، وبمبادرات وازنة في دول مجاورة لا يقارن وضعها الاقتصادي، بوضع سوريا التي انهكتها الحرب، حيث خرجت قطاعات الإنتاج الرئيسية عن العمل، وأخيراً تعرضها للعقوبات الدولية.

تختلف الحالة السورية في مواجهة "كورونا" عن باقي دول العالم في ظل تلك الوقائع، لكن جوانب أخرى تعطيها أفضلية في الوقاية من الوباء ،لعل أبرزها: ضعف حركة الطيران من سوريا وإليها في ظل العقوبات والمقاطعة، وبالتالي قلة عدد الوافدين، بمن فيهم السوريون القادمون من الخارج.

الحركة الجوية اقتصرت لسنوات على إيران والعراق وروسيا، فيما لعبت المعابر الحدودية مع لبنان الدور الأهم في تحرك السوريين باتجاه العالم. وأغلقت سوريا تلك المعابر وشددت من إجراءات ملاحقة العائدين تهريباً من الأراضي اللبنانية لإخضاعهم للحجر والفحوص الطبية بالتوازي مع وقف الحركة الجوية، وخصوصاً إلى إيران، حليفة سوريا الرئيسية وأحد البلدان الموبوءة بالفيروس. وبين هذه وتلك، تظهر تحركات مجتمعية تعقيماً لشوارع ومنشآت، وحتى إيصال الخبز والسلال الغذائية للعائلات المحتاجة، لكنها للأسف لم تصل إلى المستوى المأمول كما كانت في أشهر رمضان خلال السنوات الماضية.

تحركات بالغة الأهمية إذا ما ترافقت مع تجاوب مجتمعي أكبر في الحدّ من التجمعات وتخفيف الحركة في الشارع إلى أقل حدودها، وهما العنصران الأهم في تحقيق الوقاية من انتشار الفايروس المحصور حتى اليوم بحالات معدودة جميعها جاءت من الخارج؛ وقاية تشكل أولية قصوى في الحالة السورية في ظل آثار الحرب في الحياة المعيشية للسوريين وتضرر القطاع الصحي بحدة على مدى تسع سنوات.