من ثلج القطب إلى زيتون القدس... عدو الأرض واحد!

ليست الأرض في عرف الإدارة الأميركية سوى سلعة أو قاعدة للاستثمار والمساومة، هذا بالتحديد ما يجعل التمسك بالأرض الفلسطينية تمسكاً بجبهة متقدمة ضد منطق يقود كوكب الأرض إلى كارثة.

  • من ثلج القطب إلى زيتون القدس... عدو الأرض واحد!
    من ثلج القطب إلى زيتون القدس... عدو الأرض واحد!

"وقد بعث الزعيم الأبيض.. إلى شعبي، رغبته في شراء أرضنا مقابل أن يوفر لنا عيشاً مريحاً" (من خطبة أحد زعماء سكان أميركا الأصليين)..

بين نهايات آذار/مارس ونيسان/أبريل، يومان للأرض، أو ربما يوم واحد؟ اليوم، وفيما يغزونا خطر داهم معولم، من الصين إلى الولايات المتحدة، نعاود التذكر أن الأرض الفلسطينية المسلوبة عام 1976 وما قبلها، وما بعدها، إن هي إلا أرض العالم بالنهاية، وأن أرض العالم أرض فلسطينية.

كيف يكون ذلك؟ إنه منطق السياسة. فالإساءة إلى أرض السكان الأصليين أصحاب الحق، سواء في الأميركيتين أو في أفريقيا أو في فلسطين، هو إساءة في النهاية إلى مستقبل الأرض. وإدارة الإمبراطورية التي أعلنت "صفقة القرن"، وما تتضمن من تشريع لبسط اليد الإسرائيلية على أجزاء من الضفة وما تبقى من القدس، هي نفسها التي تهدد الحياة على الكوكب من خلال الانسحاب من اتفاقيات المناخ، وتغليب النزعة القومية والمصالح الاقتصادية، على مسألة تمس الكوكب ككل –أي الاحتباس الحراري- بكل ما يعنيه ذلك من ارتفاع في منسوب مياه البحار، وتصحر مساحات واسعة من الأرض، وتأزم في قضايا الغذاء.

إن أردنا أن نفهم كيف تتعامل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع مسألة بالغة الحيوية كالأرض، علينا أن نبدأ باقتراحه على المسؤولين الدنماركيين بشراء الإقليم المستقل غرينلاند، وذلك لأهداف تبدو عسكرية، حيث تشكل الجزيرة نقطة متقدمة من القطب الشمالي، وتحوز بذلك اهتمام كل من روسيا والصين. ولكن حين رفض المسؤولون الدنماركيون "بيع" 50 ألف من مواطنيهم، ووصفوا الاقتراح بـ"السخيف" ماذا قال ترامب؟ قال إنهم يتحدثون إلى "الولايات المتحدة الأميركية. لا تتحدث إلى الولايات المتحدة بهذه الطريقة، على الأقل في عهدي". إنه منطق مساومة البائع في النهاية. 

لا تبدو فكرة شراء أراضي بلاد بعيدة، فكرة مستحدثة عند الإدارة الأميركية. وإن غفلنا عن أن ولايات اليوم هي بالأصل حقٌ للسكان المبادين، فإن عقد شراء ألاسكا من القيصر الروسي لا زال يشهد أن أصل فكرة استخدام الأرض كموقع أو محطّة أو سلعة، هي ذات تقليد قديم في الفكر السياسي الأميركي.    

من جهة ثانية، قضى ترامب ولايته في الانسحاب من الاتفاقايات البيئية، وفي تعيين المديرين التنفيذيين لشركات الوقود في المناصب البيئية، وفي تعزيز الشعور بعدم الثقة بالتقارير والحقائق المتعلقة بالتغير المناخي.

ولم يكن انسحاب الإدارة من اتفاقية باريس للمناخ الأميركية  في 1 حزيران/يونيو 2017 مفاجئاً، لكن تعليل الانسحاب  هو ما ينبغي التوقّف عنده، فقد أعلنت إدارة ترامب على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو أن "الرئيس قد اتخذ قراراً بالإنسحاب من اتفاقية باريس بسبب العبء الاقتصادي الظالم الواقع على العمال الأميركيين والشركات ودافعي الضرائب بسبب التزامات الولايات المتحدة بموجب الاتفاق"، أي وبلغة أوضح فإن الإدارة الأميركية، تفضل زيادة انبعاثات غاز الكربون، وبالتالي إحداث تبدلات خطرة في المناخ العالمي، من أجل حماية الاقتصاد الأميركي وتأمين التقدّم في المنافسة مع المصانع الصينية.

ومنذ ذلك الحين، أي بعد انسحاب الإدارة الأميركية من اتفاقية المناخ، زادت انبعاث الغازات الدفيئة بعد ثلاثة أعوام من التراجع، وفق ما ذكر تقرير الأمم المتحدة البيئي، الذي حذر من مؤشرات بلوغ الانبعاثات ذروتها في العالم.

ووصفت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية، التداعيات السلبية الناتجة عن عدم الالتزام بأهداف اتفاقية باريس، والتي تتضمن زيادة في أعداد الوفيات المبكرة، فشل في المحاصيل، فيضانات، وارتفاع في مستوى مياه البحار، بالإضافة إلى نتائج مأساوية أخرى.

فيما ذكرت منظمة الأرصاد الجوّية في تقريرها، أن العالم في طريقه لارتفاع في معدّل درجات الحرارة بين 3 و5 درجات مئوية، إن التزمت جميع الدول بمقررات مؤتمر باريس. لكن لواشنطن حسابات أخرى.

الإدارة الأميركية لم تكتف بالإنسحاب من اتفاقية المناخ، ولا بالاعتماد أكثر فأكثر على الوقود الأحفوري الصخري، بل عمدت كذلك إلى زرع الشكوك في نتائج الباحثين البيئيين والتضليل من خلال بث اللايقين بنتائج أبحاثهم. نتذكر هنا، ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في وقت سابق، حول قيام موظف في الداخلية الأميركية، بالضغط على باحثين من أجل تمرير معلومات غير دقيقة في 9 تقارير حكومية على الأقل، تتضمن القول بأن ارتفاع غاز ثاني أكسيد الكربون (السبب الأول لظاهرة الاحتباس الحراري) مفيد في الزراعة، وعلى وجه الخصوص في "إطالة موسم النمو الزراعي".

واليوم، وفيما يشهد العالم أسوأ ظاهرة صحية، ويتحول القطاف إلى مهمة متعثرة، حيث يكافح المزارعون الأوروبيون للعثور على عاملين جاهزين لقطف الفواكه والخضروات التي تنضج بسرعة، بعد افتقادهم للعمال الموسميين من أوروبا الشرقية وشمال إفريقيا، وحيث تعاني الولايات المتحدة نفسها من احتمال استنزاف كامل مخزونها من القمح خلال الأعوام الأربعة المقبلة، يقف العالم أمام ظاهرة ذوبان الجليد القطبي وغرينلاند، بمعدل أسرع بـ 6 أضعاف عما كان عليه الأمر في التسعينات، الأمر الذي سينجم عنه ارتفاعاً بنسبة 18 سم في مستوى مياه البحار خلال 80 عاماً، وسيضع قرابة 400 مليون إنسان في خطر الفيضانات، وفق ما أكد باحثون في التغير المناخي قبل أسبوعين.  

ولهذا وأكثر، فإن خسارة الفلسطينين لأرضهم، وحياتهم، وأشجارهم، هي قضية أكبر من المسألة الوطنية أو العربية. إنها مسألة الحياة على كوكب الأرض.