تونس: لا تطرق "باب الأقواس" إنه مفتوح لكل عابر سبيل ومحتاج

لم يتوقع الشاب التونسي محمد علي الأسود من منطقة باب الأقواس بتونس العاصمة أن تكون لمبادرته الإنسانية البسيطة صدى لدى رجال ونساء وأبناء حيّه، بل وحتى الأحياء المجاورة والجمعيات الوطنية والأجنبية.

  • تونس: لا تطرق "باب الأقواس" إنه مفتوح لكل عابر سبيل ومحتاج
    مبادرة فردية قام بها الشاب التونسي محمد علي الأسود
  • تونس: لا تطرق "باب الأقواس" إنه مفتوح لكل عابر سبيل ومحتاج
    تعاون في خدمة الإنسانية في "باب الاقواس"

جمع مبلغاً قدره 500 دينار وقرر أن يخصصه لإطعام ثلاث أو أربع عائلات فقيرة خلال الأيام الأولى من شهر رمضان، فوجد نفسه يعد ما لذ وطاب من الطعام لأكثر من 800 شخص كل يوم.

لم يتوقع الشاب التونسي محمد علي الأسود من منطقة باب الأقواس بتونس العاصمة أن تكون لمبادرته الإنسانية البسيطة صدى لدى رجال ونساء وأبناء حيّه، بل وحتى الأحياء المجاورة والجمعيات الوطنية والأجنبية.

هبّة جماعية تلقائية تفاعلاً مع حركة إنسانية بسيطة ومبادرة فردية قام بها محمد علي الأسود، الذي ظن في البدء أنها مجرد صدقة وفعل خير لوجه الله في شهر رمضان الكريم، واتباع مكارم الإسلام الذي شجع على إطعام وتفطير الصائمين لما لهذا العمل من أجر وثواب.

من منطقة باب الأقواس، الحي العتيق الذي تنبعث منه رائحة تونس الأصيلة.. تونس الزمن الجميل. هذا الحي الذي تعلق سكانه بعاداتهم وتقاليدهم وأبت مقولة "الجار للجار رحمة" أن تطالها يد النسيان في خضم زحمة الحياة المعاصرة في هذه المدينة العتيقة. تفاعل الجيران مع مبادرة محمد بسرعة، تلقفوها وتبنوها  ثم قاموا بتطويرها.

يقول محمد علي الأسود للـ" الميادين نت" إنه بمجرد أن علم سكان حيّه بمبادرته حتى هبّوا هبّة جماعية كل من موقعه وبامكانياته البسيطة قام بتقديم المساعدة.. جمعوا المال وأخذوا محلاً حتى يتمكنوا من إعداد وجبة الإفطار فيه.

بدأ المد التضامني يتسع شيئاً فشيئاً.. فهذا ساهم بشراء الخضر والآخر اشترى الغلال وذاك وضع سيارته الشخصية على ذمة المتطوعين لتسهيل عمليات التنقل وللقيام بالشراءات اللازمة.

شباب جنّدوا أنفسهم لإيصال الطعام إلى البيوت المعنية بالمساعدات، وآخرون تكفلوا بمهمّة تحديد قائمة العائلات المعوزة.. أما النساء فقد فتحن أبواب بيوتهن للقيام بمساعدة الشاف (معدّ الطعام) فوزي الغزواني على تقطيع الخضر واللحوم وكل ما يحتاجه لوصفة الإفطار.

  • تونس: لا تطرق "باب الأقواس" إنه مفتوح لكل عابر سبيل ومحتاج
    بدأ المد التضامني يتسع شيئاً فشيئاً

كل يوم تجتمع النسوة في منزل إحداهن منذ الصباح الباكر حتى موعد الإفطار في انضباط تام لهذا الواجب الإنساني.

خولة مملوك إحدى النسوة اللاتي تطوعن في هذه الحركة الإنسانية تقول لـ"الميادين نت": "كنت أعد الطعام لبيتي لم يخطر ببالي يوماً أنني سأعد أكثر من 800 طبقاً يومياً وكأنني في عرس" ثم تستأنف قائلة "بلى إنه عرس  بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهذه اللمة وهذا التقارب بين الجيران وهذه الفرحة التي تغمر القلوب بمجرد الشعور باستعاد الآخر لا يمكن أن تكون إلا عرساً وما أجمله من عرس".

أما الشاف فوزي الغزواني، هذا الرجل الخمسيني بلباسه التقليدي التونسي (الشاشية والدنقري)، الذي لم تغب عن محياه الابتسامة منذ التقيناه، تحدث لـ"الميادين نت" عن تجربته مع الحركة التطوعية قائلاً "رغم مرضي فأنا أعاني من ضغط الدم والسكري وتعرضت لجلطة دماغية إلا أنني لم أتوانَ للحظة عن مد يد المساعدة، لقد وجدت كل الأجواء مشجعة على القيام بهذا الواجب".

ويضيف "منذ علمت بالمبادرة جندت نفسي لهذه المهمة.. كل شيء طلبته تم تنفيذه، فأنا لا أطهو إلا بالبهارات الدياري أي المطحونة في البيت، كما أنني أطهو الطعام على نار هادئة حتى يكون الأكل لذيذاً، هكذا أستمتع عندما أدخل إلى مطبخي الخاص وأنا مستمتع الآن وحريص على أن يكون الأكل لذيذاً، حتى يشعر كل من نقدم له الطعام بأنه فعلا في بيته".

ويتابع "لم أشعر بالتعب ولا بالإرهاق حتى المرض تجاوزته بمجرد أن رأيت شباب الحي من حولي يمدون يد المساعدة، فهم يجلون الصحون ويحملون أطباق السلطة المشوية إلى المخبزة ينظفون المحل وكلما احتجت إلى شيء وجدتهم إلى جانبي وبكل حب ينفذون ما آمر به، كلهم حماس ونشاط وحب كبير لهذه المهمة الإنسانية التي نرجو من الله أن يوفقنا فيها".

ثم يستطرد قائلاً وهو يوجه أصبعه إلى زاوية بالمحل "انظروا إلى هذا الخروف المذبوح والمعلق، إنه هدية من جزار الحي، زارنا اليوم صباحاً مصطحباً هذه الهدية ووعدنا إنه سيزورنا مساء وسيهدينا ثلاث خرفان إضافية، "كم نحن سعداء سنعد طعاماً بلحم الخروف للمحتاجين".

  • تونس: لا تطرق "باب الأقواس" إنه مفتوح لكل عابر سبيل ومحتاج
    راهن المتطوعون أيضاً على جمع المال لشراء عجل يتم ذبحه ليلة 27 من شهر رمضان

فاعلو الخير ليسوا فقط من أبناء الحي بل جاؤوا من كل حدب وصوب من الأحياء المجاورة، وحتى الجمعيات التونسية قدمت مساعدات تتمثل في صناديق محملة بالمشتريات كالطماطم والزيت والحليب والأجبان والمعكارونة وغيرها.

المبادرة ذاع صيتها خارج الحدود التونسية، فقد بلغت إلى مسامع بعض الجمعيات الأجنبية، إذ تفاجأ أصحاب المبادرة بقدوم شاحنة محملة بمشتريات قدمتها جمعية من الصين معبرة عن إعجابها بهذه المبادرة وتفاعلها معها.

محمد علي الأسود ورفاقه راهنوا أيضاً على جمع المال لشراء عجل يتم ذبحه ليلة 27 من شهر رمضان باعتبارها ليلة مميزة لدى التونسيين وهي ليلة احتفالية بامتياز وقرروا أن يتم إعداد أكلة السكسي الشهيرة.

وأكد محمد علي للميادين نت، أنهم جمعوا مبلغاً فاق 4 آلاف دينار  ما يمكنهم من شراء العجل  مع الاحتفاظ بمبلغ هام، مشيراً إلى أنهم قرروا استغلال ما تبقى من الأموال لشراء ثياب العيد لليتامى وأبناء العائلات المعوزة ومحدودة الدخل.

ودعا في هذا الإطار أصحاب القلوب الرحيمة إلى المساهمة أكثر حتى يتمكنوا من إسعاد أكبر عدد ممكن من الأطفال.

وتجدر الإشارة إلى أن محمد علي كان ينوي تنظيم موائد إفطار بالحي إلا أن جائحة كورونا حالت دون ذلك، ما دفعه ورفاقه إلى توزيع الطعام في علب ذات استعمال وحيد وإيصالها إلى منازلهم درءاً لكل المخاطر.

كما أن المساعدات لم تقتصر على العائلات التونسية المحتاجة، ففي باب الأقواس يقطن الكثير من الطلبة والعمال الأفارقة الذين وجدوا أنفسهم في وضع صعب بسبب انتشار وباء كورونا ، هم اليوم جزء من التونسيين ولم يستثنهم أهالي الحي العتيق من أن يكون لهم نصيب من الطعام.

سكان منطقة باب الأقواس أكدوا أن هذه المبادرة الإنسانية خلقت أجواء مميزة بالحي وحركة كبيرة تجاوزوا بها الضغط النفسي الذي خلفته جائحة كورونا، وبدل أن تصيبهم عدوى الوباء أصابتهم عدوى المحبة والمودة والتآزر.

باب الأقواس لم يغلق بسبب كورونا ظل مفتوحاً في شهر رمضان لكل عابر سبيل ومحتاج.