من "فلسطين الشهداء" إلى راية فيغولي.. هكذا يناصر الشعب الجزائري القدس

لا يجيد غالبية الشباب الجزائري الدبكة الفلسطينية. يعرفون أغنية "وين الملايين" أكثر، لأنها بالنسبة إليهم تعبير صارخ عن خذلان عربي مقزّز تأنفه الروح الجزائرية المقاومة. 

  • من "فلسطين الشهداء" إلى راية فيغولي.. هكذا يناصر الشعب الجزائري القدس
    "فلسطين الشهداء" هو أكثر الشعارات انتشاراً في الملاعب وساحات الحراك في الجزائر

"فلسطين الشهداء" هو أكثر الشعارات انتشاراً في الملاعب وساحات الحراك في الجزائر، من العلماني إلى القومي إلى الإسلامي إلى الفرنكفوني. يحضر الشعار ذاته حين يتعلق الأمر بفلسطين في وجدان الجزائريين.

لا تُعرف بالضبط خلفيات هذا الشعار وتاريخه، لكنه على بساطته يختزل ثقافة شعب يعلم أن للحرية ثمناً، وما أخذ بالقوة، لن يسترد إلا بالقوة، فالذاكرة الجماعية الجزائرية مشحونة بالغضب والاحتقار لكل من يرتضي طريق المهادنة والتوسّل لتحصيل حقّه.

التجربة الدامية والمريرة مع فرنسا الأطلسية المستعمرة، وحوالى 7 ملايين شهيد على مدار 130 سنة، مدة الاستعمار الفرنسي، فاتورة دفعها الشعب الجزائري، وجعلته يوقن أن أقصر طريق إلى تحقيق النصر على المحتل الظالم هو الشهادة.. باقي النظريات والحلول مجرد تأجيل وتضييع لوقت ثمين. 

"فلسطين الشهداء" جملة مركّبة، وهي غالباً غير دقيقة من الناحية الفنية، لكنها تطويع جزائري لمعنى التلاحم بين شعبين في مصير واحد، والجملة في سياقها السياسي والاجتماعي تعني أن كل الجزائريين على استعداد للتطوع وتقديم أرواحهم نصرة لفلسطين، وهم بذلك يختصرون الطريق على الساسة والخبراء، ويؤكدون أن علاقتهم بأرض الرباط عابرة للحدود والحسابات.

في شهر تموز/يوليو من العام الماضي، وعقب تتويج المنتخب الجزائري لكرة القدم بكأس أفريقيا للأمم، نُظم له استقبال أسطوري. ملايين الجزائريين اصطفّوا في الشوارع، من مطار هواري بومدين إلى ساحة أول ماي، يحيّون "الخضر" وهم في العربة المكشوفة الَّتي جابت أغلب شوارع العاصمة. كانت مشاهد وصوراً تاريخية.

لكنَّ مشهداً بعينه صنع الحدث في ذلك اليوم. اللاعب الجزائري سفيان فيغولي، المولود في فرنسا، والذي لا يعرف من اللغة العربية إلا بعض كلمات الدعاء والشكر لله، اتّشح بالعلم الفلسطيني وهو يحمل كأس النصر. وطوال مسيرة العربة وهي تحيي الجماهير، ظل علم فلسطين إلى جانب الراية الجزائرية خفاقاً في ذلك اليوم المشهود.

أكثر من ذلك، لاعبو المنتخب الجزائري، الذي غالبية لاعبيه من أبناء الجالية الجزائرية في فرنسا، وولدوا وتربوا في أوروبا، نُقلت لهم مقاطع فيديو من داخل غرف تبديل الملابس في منافسة "الكان" الأخيرة وهم يرددون شعارات مناصرة لفلسطين. بالعامية الجزائرية الحادة، تنادى نجوم المدرب جمالي بلماضي نصرة للقدس وفلسطين.

الجزائريون وشعارات فلسطين.. قصة بدأها بومدين

قصة الجزائريين مع الشعارات المباشرة والتطرف بمعناه الإيجابي في نصرة الشعب الفلسطيني، دشنها الرئيس الراحل هواري بومدين بمقولته الخالدة التي أصبحت لاحقاً ثابتاً من ثوابت السياسة والدبلوماسية الجزائرية، حين قال: "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة".

قد يبدو للمتابع العادي استحضار هذا التراث من الشعارات الشعبية الجزائرية نوعاً من الترف الثقافي، بالنظر إلى الظروف الصعبة التي تمر بها القضية الفلسطينية، لكن المواطن العربي الذي زار الجزائر يمكن أن يفهم خلفيات استعادة عبارات "فلسطين الشهداء" و"مع فلسطين ظالمة أو مظلومة" وتكرارها.

إن هذه الشعارات، وما تمثله في عمقها من عقيدة فكرية وسياسية، تمثل الخلفية التي تجعل من كل مشاريع التطبيع، على أشكالها كافة، رهاناً خاسراً في الجزائر. ومنذ النكبة إلى يوم الناس هذا، لا يوجد تصريح أو مقال لأي مسؤول أو شخصية جزائرية عامة تلمّح مجرد تلميح إلى إمكانية التعامل مع الكيان الصهيوني، لأن التطبيع في مخيال الجزائريين خيانة وكفى!

الحالة الجزائرية في دعم قضية العرب الأولى ونصرتها، لم يتم الاستثمار فيها بشكل كافٍ، بل إن خطاب محور المقاومة في مشرق الأمة العربية، غالباً ما يركز على دول الطوق التي تخوض حرباً شرسة ضد المحتل الإسرائيلي، إضافةً إلى إيران التي تشكل السند الرئيس للحركات المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق، في مواجهة محور مهادن مطبع يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية بأي شكل.

 لقد بات توسيع خطاب محور المقاومة أولوية استراتيجية، فالرهان الأول والأخير سيكون على الشعوب، وتوحيد شطري الأمة العربية والإسلامية من مشرقها إلى مغربها خلف "المحور المقاوم"، تطويراً وتعميقاً لتجربة محور المقاومة، هو السبيل لترجيح كفة الصراع مع العدو الإسرائيلي، الذي انبرت لدعمه علانية أنظمة عربية، ووقف خلفه رئيس أميركي هو الأسوأ والأخطر منذ النكبة الأولى ولغاية النكبة الثانية المتمثلة بـ"صفقة القرن".