مليارات الحزم (3): ابن سلمان مضطرّ إلى التهدئة!

هل يقدر ولي العهد الحفاظ على الشعرة الفاصلة بين تأمين أوراق التفاوض الدولية عبر الاستمرار بالتدخلات السعودية، وخفض الإنفاق على هذه التدخلات؟

  • مليارات الحزم (3): ابن سلمان مضطرّ إلى التهدئة!
    سيجد ابن سلمان نفسه مضطراً إلى التقليل من الإنفاق على السياسات والصراعات الخارجية

تُعدّ المملكة العربية السعودية الدولة الأولى في العالم لناحية الإنفاق العسكري قياساً إلى ناتجها المحلي، بحسب معهد "ستوكهولم" الدولي لأبحاث السلام، إذ وصلت نسبة مشتريات الأسلحة في العام 2018 إلى 8.8 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

والحق يُقال، إنّ ولي العهد محمد بن سلمان التفت إلى تداعيات هذه السياسة، فقرّر تقليل اعتماد الرياض على إيرادات النفط، مع تلبية الحاجات العسكرية لبلاده، من خلال إنشاء مصانع محلية ضمن رؤيته 2030، غير أنّ هذه الرؤية اصطدمت برياح لم يخطط لها، وفي طليعتها الانخفاض التاريخي في أسعار النفط، واستمرار الاستنزاف السعودي في اليمن، فضلاً عن جائحة كورونا التي أرخت بثقلها على الاقتصاد السعودي.

ويشكّك باحثون في جامعة "برينستون" الأميركية في إمكانية تنفيذ العديد من مشاريع رؤية 2030 مع استمرار الظروف الحالية، وخصوصاً على صعيد انخفاض سعر النفط.

قد يكون هذا الرأي مبالغاً فيه، بعد أن أثبت ابن سلمان أنه قادر على جمع عشرات المليارات من الدولارات في ليلة "ريتز" واحدة، لكنّ الأرضية الرخوة التي يقف عليها الملك المقبل تتعلق بالحريات الاجتماعية ومزاج الشعب السعودي، وهو ما يفسر مسارعة النظام إلى التعامل مع تداعيات كورونا بكثير من الكرم والمسؤولية.

وحتى لا تختلط على المتابع مرحلة ما قبل "كورونا" وما بعدها، فإنّ تأمين الوظائف لمجتمع سعودي شاب في تركيبته هو تحدٍ مستمر ازدادت تعقيداته بعد الوباء. ولئن كانت رؤية ابن سلمان قد لحظت نظرياً هذه المسألة، إلا أن الإيفاء بالوعود يشوبه الكثير من التشكيك، إلى حد الربط بين قدرة ولي العهد على الحفاظ على اقتصاد قوي وتأمين مستقبله السياسي.
ومع الإعلان عن ميزانية العام 2020، مع ما رافقها من زيادة على ضريبة القيمة المضافة من 5 في المئة إلى 15 في المئة، وخفض في الواردات العامة للدولة بنسبة 22 في المئة، فإنّ استمرار الأوضاع العالمية على ما هي عليه ليس في مصلحة ابن سلمان أبداً.

وسُرعان ما ستضطر المملكة إلى إيجاد سقف لأسعار النفط، بعد أن هبطت أرباح "أرامكو" بنسبة 25 في المئة في الفصل الأول فقط من العام الجاري.

هل يعني كل هذا أن الاقتصاد السعودي في مأزق؟

لا يزال مبكراً الحديث عن أزمة اقتصادية في المملكة التي تمتلك أصولاً ليست قليلة، سواء في صندوقها الاستثماري أو في "أرامكو" نفسها المتعثرة، والتي تقدّر قيمتها بـ1.7 تريليون دولار.

كما أنّ شعبية محمد بن سلمان في المملكة بين شريحة الشباب الذين ينظرون إلى خططه الإصلاحية بترحيب تعد واسعة، بل إن بعض الإجراءات "التقشفية" الأخيرة حظيت بقبول لافت، بغض النظر عما إذا كان سبب ذلك هو الخوف من الاعتراض على سياسة المملكة الداخلية أو الحملة الإعلامية التي واكبت تنفيذ الإجراءات غير المسبوقة.

اتجاهات السياسة في ضوء الاقتصاد

طالت إجراءات المملكة التقشفية حتى الساعة كل برامج الداخل، ولم يعد يمكن التعويل على إجراءات أكثر حدة، مراعاةً لاعتبارات عديدة، لكن سياسات السعودية الخارجية لم تلحظ ترشيداً في الإنفاق، فالمملكة تخوض وتموّل صراعات متواصلة منذ سنوات في اليمن، والعراق، وسوريا، وليبيا، ولبنان، فضلاً عن استنفارها المالي الدائم في وجه إيران وتركيا في أكثر من منطقة في العالم.

عاجلاً، سيجد ابن سلمان نفسه مضطراً إلى التقليل من الإنفاق على السياسات والصراعات الخارجية لمصلحة تأمين الاستقرار الداخلي اقتصادياً

قد لا ينسحب هذا القرار على جميع الساحات دفعة واحدة، ولكنه بالتأكيد سيعزز مساعيه في إيجاد حلول تحفظ ماء الوجه في بعضها، كما في التوجه نحو ترتيب "الأولويات".

فهل يقدر ولي العهد على الحفاظ على الشعرة الفاصلة بين تأمين أوراق التفاوض الدولية عبر الاستمرار بالتدخلات السعودية، وخفض الإنفاق على هذه التدخلات؟

الحلقة الأولى: "مليارات الحزم" (1): كم أحرق ابن سلمان من أموال في اليمن؟

الحلقة الثانية: مليارات الحزم (2): الأمن القومي السعودي في عهد ابن سلمان