الولايات المتحدة الأميركية.. "المفكَّكة" بإعلامها!

التظاهرات والاحتجاجات في الولايات المتحدة الأميركية شهدت اهتماماً إعلامياً ضخماً في مختلف دول العالم. وفي الداخل الأميركي، كانت وسائل الإعلام المحلية تعمل كلٌّ وفق طريقتها وضمن "أجندتها" الخاصة، فيما كانت هناك جبهة ثالثة، وهي الجبهة الشعبية المعتدلة التي تطالب فقط بالمساواة والعدالة وكبح قوة الشرطة المفرطة في التعامل معها.

  • الولايات المتحدة الأميركية.. "المفكَّكة" بإعلامها!
    الولايات المتحدة الأميركية.. "المفكَّكة" بإعلامها!

إنّها الطّبيعة البشريّة التي تميل دائماً إلى التمرد، فمشهد خروج الناس إلى الشوارع للتظاهر ضد قضية معينة ليس بالأمر الجديد. لعلَّ الإنسان فُطر على رفع صوته دائماً، مظهراً التعاطف مع القوي أو الضعيف. الكثير من هذه الثورات والانتفاضات دوّنت وحفظت مع الأيام، بعيداً من فشلها أو نجاحها، ولم يكن طريق النجاح مفروشاً أمامها بالورد يوماً.

اليوم، تأخذ بلاد "العم سام" و"تمثال الحرية" دورها من جديد في "عالم التظاهرات". إنها ليست المرة الأولى التي يفترش فيها الناس الساحات في الولايات المتحدة لرفع صوت يهتف للحرية، لكن هذه المرة مختلفة عن سابقاتها. في القرن الواحد والعشرين، كانت "العنصرية" سبب إشعال الشارع الأميركي. بعد مقتل جورج فلويد، الأميركي الأسود، على يد شرطي أبيض، انفجر الشارع، وخرجت أعداد كبيرة من المواطنين الأميركيين إلى الساحات.

أميركا التي كانت تعمل دائماً على تحريك الشارع في مختلف دول العالم لتحقيق سياساتها، وتُسَخر كلّ إعلامها لدعم قضية هنا وتظاهرة هناك، وتدعو إلى الحرية وعدم القمع، أصبحت اليوم تتلقى النصائح والدعوات من تركيا وألمانيا وغيرها من الدول لاحترام المتظاهرين.
"انقلبت الطاولة" وتغيَّرت الأحوال ما إن وصلت النار إلى الولايات المتحدة. كشّر الأسد عن أنيابه، وضرب بيد من حديد، وأظهر الوجه الحقيقي لبلد الحريات "المزيّفة". اعتُقل الآلاف. لا فرق بين أسود أو أبيض. هذا ما تظهره الفيديوهات المنتشرة عبر وسائل التواصل. الشرطة تقمع الجميع، وتضرب الجميع، وتقتل الجميع، في سبيل حماية عرش "الملك الجمهوري" دونالد ترامب. ولم يقتصر القمع على المواطنين، إنما طال الإعلام الأميركي "فخر الصّناعة".

وسائل الإعلام التي كانت موحّدة في مواقفها في ما يخصّ القضايا الخارجية على اختلافها، انقسمت اليوم، فكلٌ يغرد في صف؛ بعضها يؤيد الشارع، لأنّه يكنّ العداء لترامب وحزبه، ويوالي الحزب الديموقراطي، وبعضها الآخر يبحث عن الأخبار التي تؤكّد أن هناك مؤامرةً ضد الرئيس.

حرب الإعلام وانقسامه ومحاربته ليست بالأمور الجديدة، ففي أغلب دول العالم، كنّا نشهد قمعاً للإعلام، ونلاحظ تأييد النظام أو التظاهرات القائمة في وجهه. ويبدو أنّ أميركا صدّرت إلى العالم نظامها، وعندما عاد إليها، لم تجد سوى الطريقة السائدة لحل المشكلة: القمع ونظرية المؤامرة.

لا يشبه المشهد خارج وسائل الإعلام الأميركية ما يحصل في داخلها. لم تعد هذه الوسائل موحّدة، بل باتت "الولايات المفكّكة". شبكة "فوكس نيوز" ليست "سي أن أن". الأولى تعمل جاهدة على إرضاء جمهورها الذي يعتبر أغلبه من الجمهوريين، فتنشر في الصفحة الرئيسية عبر موقعها صورةً كُتبت عليها عبارة "حياة السود مهمَّة". ويحمل التصميم نفسه صورة جندي أميركي، تقوم بشكره على خدماته في قمع الشارع. وتُسخّر "فوكس" شبكة محرريها وصحافييها للدفاع عن ترامب والتشكيك في حقيقة التظاهرات، فمن وجهة نظر الشبكة التي تعد من أكثر القنوات مشاهدةً في الولايات المتحدة الأميركية، لا تدور التظاهرات حول العنصرية أو قضية جورج فلويد. إنها مؤامرة تحاك من أعداء ترامب ضده.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 

. هل ينتهي عصر #ترامب قريبًا؟ #الميادين #أميركا #blacklivesmatter

A post shared by الميادين | Al Mayadeen (@almayadeen.tv) on

يدور ما تبثّه "فوكس" حول ترامب، وكلّ ما يحدث هدفه الرئيسي هو إزالة الرئيس من منصبه. هذا ما تدور حوله أعمال الشغب، في ما تصف القناة المتظاهرين بأنهم مندسون، إضافةً إلى قولها إنَّ أعداء ترامب يستغلّون الاستياء الذي حلّ بالمجتمع للتحريض على السلطة.

كيف كانت تغطية "فوكس" للاحتجاجات في الفترة الأولى؟ لم تكن تغطيتها مركّزة. كانت تظهر صحافييها، من مثل شون هانيتي وتاكر كارلسون ولورا إنغراهام، بدلاً من إظهار تغطية حية للاحتجاجات في مينيابوليس، لكن تغطيها تغيّرت من دون تغيير "الأجندة"، لأنَّ ضيوفها كانوا يسيرون وفق أفكار القناة نفسها. على سبيل المثال، كان مارك فورمان، وهو محقّق أميركي، ضيفاً في عرض إنغراهام، للحديث عن العرق والشرطة بشكل عام، حتى إن المتظاهرين هاجموا طاقم الشبكة في واشنطن العاصمة.

وكما يحدث في كل دول العالم، هناك جبهة أخرى في عالم الإعلام، فكما "فوكس"، هناك "سي أن أن"، على سبيل المثال، التي اعتقل مراسلها على الهواء مباشرة. ويعدّ معظم مشاهديها، بحسب إحصائيات العديد من مواقع الإحصاء الأميركية، من الديموقراطيين، ولكنَّها دائماً ما تردّد أنها مستقلة وحرة، فكيف كانت تغطيتها؟ وكيف تعاطت مع الحدث؟

كانت كلّ أخبارها ضد ترامب، ولكن باعتدال من حيث الشكل والتقسيم على الموقع الإلكتروني، وفي الوقت نفسه، كانت تشير إلى تفوق جو بايدن على ترامب في ما يخصّ الانتخابات المقبلة.

أظهرت "سي أن أن" توازناً مثالياً بين إظهار الاحتجاجات وإجراء مقابلات مع العديد من المعلّقين. لم تعتمد تغطيتها على "الدقيقة بدقيقة"، بل كانت "لحظة بلحظة".

وكي لا تنحصر التغطية بشبكتين، يمكن التوقّف عند حديث سكوت غوتليب، مفوّض إدارة الغذاء والدواء السابق، عن أنَّ التظاهرات قد تتسبّب في زيادة عدد الإصابات بفيروس كورونا "كوفيد-19"، وكأنَّ شبكة "سي بي أس" تريد النأي بنفسها، فراحت تبحث عن آخر شيء قد يرغب أيّ شخص في سماعه.

وفي ضفة أخرى، بعيداً من الشبكات التي تحاول تسييس القضية، هناك جبهة ثالثة في عالم الإعلام الأميركي، وهي الجبهة "البسيطة" البعيدة من كل تلك المعدات الإعلامية الضخمة. وهنا، يدور الحديث حول الناس الذين يوثقون وينشرون آراءهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

لا شكَّ في أن مجموعة منهم قد تكون ضد ترامب، وأخرى قد تكون معه. وهناك أيضاً متظاهرون عاديون خرجوا ليهتفوا ضد قضية "العنصرية". إذا ما تابعنا لاعبي غولدن ستيت ووريرز، فإننا سنجد أنهم لم ينزلوا إلى الشارع ضمن رزنامة معينة. وعندما رفعوا صوتهم، لم يكن موجّهاً ضد نظام محصور بشخص أو حزب، إنما كان موجهاً للمطالبة بالحقوق والمساواة وكبح قوة الشرطة. لم يحمّلوا المسؤولية لشخص، بل لكل النظام الحاكم، سواء الديموقراطيون أو الجمهوريون. وكانت رسائل الكثير من الرياضيين والمشاهير والناس البسطاء العاديين معتدلة وموجّهة، لا مبطّنة.

هكذا يعمل الإعلام الأميركي. كثير من الكلام "المعسول". إنه المشهد المعتاد والغالب في الكثير من الدول، وبالأسلوب والسياسات نفسها، ولكن الفرق أنه عاد إلى موطنه، فقوبل بالعنف والرصاص والقتل.