الحلول المالية للحكومة اللبنانية "مؤقتة".. الدولار إلى أين؟

المشكلة الأساسية في لبنان تكمن في السياسة النقدية التي لا ترافقها سياسة اقتصادية منتجة، والحل، بحسب الكاتب والباحث الاقتصادي زياد ناصر الدين، يكون بتنويع الخيارات؛ بالتوجه نحو الاقتصاد الإنتاجي، وتخفيف الطلب على الدولار.

  • الحلول المالية للحكومة اللبنانية "مؤقتة".. الدولار إلى أين؟
    الدولار اليوم يُمنع من الدخول إلى لبنان لتحقيق مكاسب سياسية

برغم التصريحات والإجراءات الحكومية اللبنانية الصادرة خلال الأيام الفائتة إلا أن البعض لا زال يعتبر أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان ماضية نحو المزيد من التعقيد، بحيث أصبحت الأسئلة الصعبة تدور حول مستقبل الاستقرار في البلاد، وخصوصاً بعد أن فقدت الليرة اللبنانية 70% من قيمتها.

كما أن الحالة الاقتصادية التي يعيشها المواطن اللبناني جعلته يؤمن أن هذه الأزمة تشكل بدايةً لمرحلة من الانحدار للوضع الاقتصادي والمالي، نتيجةً للسياسات الاقتصادية القائمة على المحاصصة والفساد وإهمال القطاعات الإنتاجية.

في هذا السياق يتم التركيز على المصرف المركزي وما سيقوم به حاكمه من اجراءات، وعلى ودائع المواطنين البنكية والتي منعوا من سحبها أو تم الحد من السحوبات في الأشهر الفائتة، فهل سيطمئن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة كعادته اللبنانيين، مردداً جملته الشهيرة: "الليرة بخير"!

ضخ الدولار.. هل موّل من ودائع الناس؟

يؤكد الكاتب والباحث الاقتصادي اللبناني زياد ناصر الدين أن الإجراءات الاقتصادية المطلوب تنفيذها لتدارك الوضع من الانهيار هي مسؤولية الحكومة، وعلى المصارف أن تلتزم بها ضمن خطة اقتصادية متكاملة، مشيراً إلى أن المصرف المركزي هو الذي يمتلك القدرة على ضخ السيولة في الأسواق اللبنانية.

وخلال لقائه مع الميادين نت، شدد ناصر الدين على أنه "يجب معرفة كم يملك مصرف لبنان من احتياطات في الليرة اللبنانية، وفي الوقت نفسه معرفة الاحتياطات الموجودة بالدولار".

أما بالنسبة إلى الطرح الأخير المتمثل بتمويل الأسواق بالدولار، فقال: "بالتأكيد سيتم التمويل، إما من ودائع اللبنانيين أو من الأموال التي تأتي من الخارج إلى شركات تحويل الأموال، والتي يتم توجيهها مباشرة إلى مصرف لبنان".

الحلول مؤقتة في ظل "انعدام الإنتاج"

"هذا الإجراء يفيد في مرحلة وقتية وظرفية، والمشكلة في لبنان أن اقتصاده غير منتج (مدولر واستهلاكي)، فهو يستورد بـ20 مليار دولار سنوياً"، ويضيف ناصر الدين " يستورد البلد 1.5 مليار دولار سنوياً من المواد الغذائية، و1.8 مليار دولار من الفيول، و1.4 مليار دولار من المحروقات، و1.9 مليار دولار من الأدوية، و1.2 مليار دولار من المستلزمات الطبية وأمور أخرى". 

هذه الأمور ثابتة، بحسب الباحث، الذي شدد على ضرورة التوجه إلى "البرامج والإنتاج" من أجل التخفيف من الطلب على الدولار، مع العلم أن انخفاض الاستيراد بلغ 50% في العام 2020، قائلاً: "ما يحل المشكلة الاقتصادية في لبنان هو التوجه نحو الإنتاج الاقتصادي".

ولفت إلى أن الدولار اليوم يُمنع من الدخول إلى لبنان لتحقيق مكاسب سياسية، مؤكداً أنه "يتم التلاعب به سياسياً".

وأوضح أن الدولار السياسي مرتبط بالاقتصاد اللبناني، وبالتالي أصبحت الأسواق في لبنان استهلاكية سياسية، تتخذ من الغرب الخيار الوحيد في الاقتصاد، مشيراً إلى أن مبدأ طرح تنويع الخيارات الاقتصادية مع الشرق أصبح يأخذ منحى اقتصادياً سياسياً بامتياز.

"وفي لبنان، تتم معالجة المشاكل على أساس ردود الفعل، فالدعم المطلوب اليوم لن يحل الأزمة الموجودة، بل سيشهد الدولار ارتفاعاً، وستعود الأمور إلى التفاقم، كما كانت سابقاً"، وفقاً للباحث.

إذاً، المشكلة ليست تقنية فقط.. التقني اليوم مرتبط بمصرف لبنان. يقول ناصر الدين، ويضيف "إذا كان الأخير يمتلك 20 ملياراً و630 مليون دولار، فلماذا لا يتم استعمال جزء من هذا الاحتياطي في مكانه المناسب لتغطية الحاجات الأساسية؟ ثانياً، لماذا لا يسمح للأفراد اللبنانيين بالحصول على أموالهم القادمة من الخارج عبر شركات التحويل المالية؟".

يُشار إلى أن حجم الأموال التي كان المغتربون يرسلونها إلى ذويهم في لبنان تقدر بـ"8 مليار دولار" سنوياً.

وفي سياق متصل، أكد الباحث الاقتصادي أن لبنان اليوم أمام مرحلة تحتاج إلى إجراءات ترتبط بالبرامج الإنتاجية وبخطة الحكومة للإنقاذ والإصلاح، مشيراً إلى ضرورة التكامل بين السياسة الاقتصادية والمالية والنقدية.

الحصار الأميركي والتوجه شرقاً

اعتبر ناصر الدين أن الأزمة الاقتصادية اليوم تحتاج إلى خطة متكاملة، لافتاً إلى أن "التلاعب بالدولار يؤدي دوراً مرتبطاً بالحصار الأميركي  المباشر وغير المباشر؛ هذا الحصار الذي امتد ليشمل الشركات والمؤسسات اللبنانية، في ظل هذه الدولة العميقة والنقدية".

وفي الحديث عن أن أموال المصارف موجودة لدى الدولة اللبنانية، رأى ناصر الدين أن هناك سؤالاً يجب أن يطرح: "64% من دين الدولة بالليرة اللبنانية، وإذا قررت إعطاء المصارف أموالها، فمن أين سيأتي الدولار؟".

وتابع: "قيمة الودائع كانت 80 مليار دولار يوم وضعت في مصرف لبنان، الذي يقول إن لديه 20 مليار دولار احتياطي. هناك 60 مليار دولار غير موجودة، أين ذهبت هذه الأموال؟".

في هذا السياق، قال الباحث إن "هناك كلاماً عن أن المصارف اشترت الدولار وأرسلته إلى الخارج"، مشدداً على ضرورة "فتح تحقيق من قبل هيئة الرقابة على المصارف".

كما، أشار إلى أن "الواقع غير الإنتاجي في لبنان وعدم القدرة على الإصلاح يعني أن البلد يُستنزف سنوياً بأرقام كبيرة.. 2 مليار دولار للكهرباء، وأيضاً هناك موضوع الاستيراد وغيره".

ورأى ناصر الدين أن "تحسين سعر الصرف على المدى الطويل يحتاج إلى التخطيط وإلى رؤية اقتصادية إنتاجية، إضافةً إلى التخفيف من الاستيراد وزيادة التصدير، لتحسين الواقع بالنسبة إلى ميزان المدفوعات والعجز في الحساب الجاري، وبالتالي نحتاج إلى قرارات مفيدة وجريئة، يكون العنصر الأساسي فيها تنويع الخيارات والتوجه شرقاَ".