صندوق النقد الدولي.. مؤسسة لإنقاذ الدول المتعثرة أم أداة لفرض الهيمنة الأميركية؟

لماذا للولايات المتحدة وحدها حق النقض في صندوق النقد الدولي؟ ولماذا عندما تخلخلت الأسواق المالية الأميركية عام 2008 مؤذنة بانهيار الاقتصاد الأميركي، هب الصندوق لانتشاله؟

  • يمد صندوق النقد الأموال بيد، ويفرض سياسات تقشفية قاسية في اليد الأخرى
    يمد صندوق النقد الأموال بيد، ويفرض سياسات تقشفية قاسية في اليد الأخرى

ينظر كثيرون إلى صندوق النقد الدولي، كمؤسسة مالية واقتصادية عالمية باعتبارها خشبة خلاص في الأزمات الاقتصادية، فيما أثبتت التجارب في أكثر من بلد حول العالم أن وصفات الصندوق زادت من حدة الأزمات الاقتصادية لديها، ففيما تستمر السيطرة الأميركية على قرارات الصندوق، يتعزز الرأي القائل بأنه أداة بيد واشنطن لفرض السيطرة العالمية من خلال إركاع الدول والشعوب مالياً واقتصادياً وفرض خيارات سياسية تصب في مصلحتها، ما يفتح باب النقاش بشأن دور صندوق النقد في الصراعات الدولية وإمكانية استمراره في تنفيذ أجندات لخدمة مصالح جهات دولية محددة على حساب جهات أخرى مشاركة في الصندوق.

المؤسسة التي يبرز اسمها في كل أزمة، هل هي مسبب الأزمات أم مفككها؟

السؤال مشروع إذا أضفنا أسئلة أخرى، من عيار لماذا للولايات المتحدة وحدها حق النقض؟ ولماذا عندما تخلخلت الأسواق المالية الأميركية عام 2008 مؤذنة بانهيار الاقتصاد الأميركي، هب الصندوق لانتشاله؟ حينها أصدر الصندوق حقوق سحب خاصة للدول الأعضاء تشبه طباعة البنك المركزي نقوداً جديدة بهدف تخفيف الأزمة المالية العالمية.

اليوم يكاد التاريخ يعيد نفسه، لا بل أن الصندوق أعلن أكثر من مرة أن العالم يشهد أسوأ ركود منذ الكساد العظيم وأن أزمة كورونا الاقتصادية أشد من أزمة 2008.

بداية الحل طرحتها الصين، فحث رئيس البنك المركزي الصيني، صندوق النقد على تقديم مئات مليارات الدولارات للدول الأعضاء الـ198 عبر إجراء تخصيص عام لحقوق السحب الخاصة أو ما يعرف بماء الذهب، لتساعدها على مواجهة الجائحة.

المعارض الأول هو وزارة الخزانة الأميركية، صاحبة حق نقض القرارات المهمة في الصندوق. صانع القرار هنا هو من دون مبالغة الولايات المتحدة، فعلى عكس معظم المنظمات الدولية يطبق الصندوق نظام للتصويت المرجح، وكلما زادت حصة بلد عضو كانت عدد أصواته أكبر، حيث أن أميركا تسهم في النصيب الأكبر أي 17.6% من إجمالي الحصص. من هنا ليس مستغرباً رفض الصندوق حتى البحث في طلبات قروض قدمتها إيران وفنزويلا وغيرهما من الدول الأعضاء في الصندوق لكنها خصوم أميركا.

يمد صندوق النقد الأموال بيد، ويفرض سياسات تقشفية قاسية في اليد الأخرى، لذلك غالباً ما يترافق تدخله في الأزمات مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية والفوضى، وتتحدث كل منحيات الفقر والقروض عن ازدياد الفقر خاصة في افريقيا مع ازدياد نسبة القروض التي يمنحها الصندوق.

يعتبر محللون، أن أهداف صندوق النقد المعلنة هي فقط للاستهلاك الإعلامي، فالأجندة الحقيقة لصندوق النقد الدولي هي أجندة وكالة الأمن القومي الأميركي وبرامج الهيمنة في دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الأميركية.

الصندوق الذي أولى أهدافه "استقرار النظام النقدي" لا يتحدث عن العجز في ميزان مدفوعات الولايات المتحدة، ولا يقدم التوصيات للسياسة المالية الأميركية. كما لعب صندوق النقد الدولي دوراً بعد الحرب العالمية الثانية، لتكريس الدولار كعملة مهيمنة في كل العالم، ولفتح جميع دول العالم للمنتجات الأميركية في ظل انهيار المصانع الأوروبية واليابانية، حيث كانت الفرصة متاحة، فالولايات المتحدة خرجت من الحرب منتصرة وكانت الممول لإعادة بناء أوروبا، الأمر الذي أدى إلى انعدام توازن حقيقي على المستوى الاقتصادي بين الكتل التجارية الكبرى، وبالتالي قبلت أوروبا بكل الشروط الأميركية.

يذكر أن الولايات المتحدة مهدت لذلك حتى قبل الحرب العالمية الثانية، ففي عام 1933 كان هناك قانون يفرض على المواطن الأميركي تسليم الذهب للبنك المركزي، ومن يخالف القرار يسجن لـ10 سنوات، وبهذه الطريقة جمعت أميركا أكبر كتلة من الذهب ووضعته كأساس للعملة، وبذلك مهدت للهيمنة على الاقتصاد العالمي.