هل ينجح المشيشي في اقناع الأحزاب التونسية بحكومة كفاءات وطنية؟

رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي يضع نفسه أمام مواجهة مع الأحزاب السياسية في تونس التي جاءت مواقفها في غالبها رافضة لخيار حكومة الكفاءات المستقلة.

  • رئيس الحكومة التونسية المكلف هشام المشيشي يعلن عزمه تكوين حكومة كفاءات وطنية مستقلة
    رئيس الحكومة التونسية المكلف هشام المشيشي يعلن عزمه تكوين حكومة كفاءات وطنية مستقلة

أعلن رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي، عن عزمه تكوين حكومة كفاءات وطنية مستقلة تماماً، تتوفر في أعضائها شروط النجاعة والنزاهة والجاهزية، وتكون قادرة على العمل في تناغم لتحقيق أهداف برنامجها.

المشيشي كشف، في ندوة صحفية، عن أن ما لمسه خلال مشاورات تشكيل الحكومة، هو درجة الاختلاف والتناقض الكبير بين الفرقاء السياسيين، ما جعله يدرك صعوبة إيجاد صيغة تكوين حكومة تجمع الأطراف السياسية وتضمن الحد الأدنى من الاستقرار السياسي في البلاد، وفق تعبيره.  

المشيشي يضع نفسه أمام المواجهة

إعلان المشيشي عن تشكيل حكومة كفاءات وطنية خارج الأحزاب السياسية، يضعه أمام مواجهة الأحزاب السياسية  في تونس التي جاءت مواقفها في غالبها رافضة لهذا الخيار.

حركة النهضة دافعت من خلال تصريحات أغلب قيادييها على تشكيل حكومة حزبية، وكان آخرها تصريح رئيس مجلس شورى الحركة عبد الكريم الهاروني الذي أكد خلال مؤتمر صحفي انعقد أمس الاثنين 10 آب/اغسطس 2020، بأن "التونسيين هم من انتخبوا وكونوا أحزاباً وهم من سيحاسبون هذه الأحزاب إذا أخطأت"، مشيراً إلى أن أي مقترح لحكومة كفاءات مستقلة يقصي الأحزاب لن يلقى دعم الحركة.

كتلة "ائتلاف الكرامة" عبرت على لسان رئيسها في البرلمان سيف الدين مخلوف، عن تفاجئها بهذا القرار، وشدد مخلوف على رفض "ائتلاف الكرامة" لما يسمّى حكومة الكفاءات، لأن في نظره، الشعب التونسي لم يجرِ مناظرة لاختيار وزراء بل أجرى انتخابات لاختيار سياسيين يحكمون البلاد، وقد قام باختيار الأحزاب وكتل برلمانية للحكم وتنفيذ برامجها، معتبرا أن هذا القرار هو  "انقلاب على إرادة الشعب وانحراف بالأمانة".

حزب التيار الديمقراطي، يرى من جهته، أن تشكيل حكومة وحدة وطنية لن تكون قادرة على مجابهة المصاعب التي ستواجهها تونس في الفترة المقبلة.

وقال النائب عن التيار الديمقراطي هشام العجبوني إن تشكيل حكومة كفاءات سيصعّب عملها، خصوصاً في ما يتعلق بتمرير القوانين، لأن هذه الحكومة لن يكون لها حزام سياسي وحزبي أو برلماني.

ولم تبد كتلة قلب تونس في البرلمان أي اعتراض ولا تحفظ، إذ قال رئيس الكتلة أسامة الخليفي إنهم سيطلبون من رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي في لقائهم به توضيح رؤيته للحكومة وتركيبتها وكيفية ضمان الحزام البرلماني لها، مشيرا إلى أن هذه الحكومة هي الفرصة الأخيرة لحكومة رئيس الجمهورية 2. 

بدوره قال النائب عن حركة الشعب هيكل المكي، إن الحركة مبدئياً مع تشكيل حكومة سياسية، لأن الحياة السياسية مبنية على الأحزاب التي عليها أن تلعب دورها، مشيرا في تصريح إعلامي إلى أن الموقف النهائي لم يقع بعد صياغته في انتظار اجتماع هياكل الحزب 

كما أضاف أن تشكيل حكومة كفاءات مستقلة سيصعب منها الثقة في البرلمان. 

الدستوري الحر يدعم

وعلى عكس بقية الأحزاب، جاء موقف الحزب الدستوري الحر مخالفاً، إذ قالت رئيسته عبير موسي في تدوينة نشرتها على صفحتها بفيسبوك، إن "التفاعل الإيجابي مع المشيشي جاء بعد قراره تكوين حكومة كفاءات مستقلة".

وأشارت إلى أنها "ستلتقي غدًا الأربعاء رئيس الحكومة لإبراز رؤية الحزب لإنقاذ البلاد"، وكانت عبير موسي قد عبرت في أكثر من مناسبة رفضها دعم أي حكومة تضم وزراء من حركة النهضة.

تسوية سياسية وانتخابات سابقة لأوانها

الإعلامي والمحلل السياسي محمد اليوسفي، اعتبر في تصريح لـ "الميادين نت" أنه من الصعب التكهن بمآلات مشاورات تشكيل الحكومة، مشيراً إلى أن خيار الذهاب في تشكيل حكومة كفاءات مستقلة كان مفاجئة لجل الأحزاب خاصة الأحزاب ذات الكتل الوازنة في البرلمان على غرار حركة النهضة وحزب قلب تونس والكتلة الديمقراطية.

وأضاف قائلاً "أعتقد أن هذا الخيار لن يكون الحل المثالي للخروج من الأزمة السياسية ..هناك انتخابات تمت وكان يفترض على الأحزاب تحمل مسؤولياتها وحكومة كفاءات وطنية لا يمكنها أن تحكم البلاد إلى نهاية العهدة الحالية".

وتابع أن "خيار المضي في انتخابات سابقة لأوانها قد يكون خياراً جيداً ونافعاً في حال ما إذا كانت هناك خارطة سياسية واضحة لتصحيح المسار السياسي"، مشيراً في ذات السياق، إلى أنه لا يمكن الحديث عن ظرفية مواتية لإجراء انتخابات مبكرة، ولكن يرى أنه ربما قد يكون الحل في تشكيل حكومة مؤقتة تسعى للإعداد لانتخابات سابقة لأوانها في غضون سنة أو سنة ونصف، مع الاشتغال على الملف المالي وميزانية الدولة والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي إلى جانب الاشتغال على الملفات الاجتماعية في الجهات التي تشهد احتجاجات وتوترات وأيضاً الاهتمام بملف كوفيد 19، وفق تقديره.

وأضاف محمد اليوسفي بأن كل السيناريوهات أمام تونس تبقى ممكنة على اعتبار إمكانية أن يضع المشيشي الأحزاب السياسية أمام الأمر المقضي وتضطر للتصويت لحكومته.

كما اعتبر أن فرضية الذهاب لحل البرلمان تبقى قائمة، مرجحاً صعوبة أن يتراجع المشيشي عن خياره الذي يرى اليوسفي أنه في الواقع هو خيار رئيس الجمهورية قيس سعيد، وهو في نظره ما يفتح الباب على صراع ومواجهة محتدمة بين رئيس الجمهورية والمنظومة المناوئة للأحزاب السياسية ومنظومة البرلمان بأحزابه الحالية.

وانتهى اليوسفي بالقول "المؤكد أنه لا يمكن استكمال هذه العهدة النيابية إلى غاية 2024 على هذه الشاكلة وبهذا المشهد السياسي الهش وغير المستقر"، مجدداً تأكيده بأن البلاد في حاجة إلى تسوية سياسية أو توافق سياسي ينبثق عن حوار وطني أو مبادرة سياسية تظم مختلف الأطراف المهنية قصد التوافق على خارطة طريق تؤدي إلى انتخابات سابقة لأوانها.

واعتبر أن حكومة الكفاءات الوطنية لا يمكن أن تكون الحل الأمثل لغاية 2024، مشيراً إلى أن دور الأحزاب أن تحكم وتنفذ برامجها وأن تلتزم بوعودها الانتخابية وليس دورها أن تكون مجرد أزرار تصوت على حكومة لا علاقة لها بهذه الأحزاب وبمخرجات الانتخابات التشريعية الأخيرة، بحسب تعبيره.

يذكر أن مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، انطلقت الإثنين 27 تموز/يوليو 2020 بعد تكليف رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم 25 تموز/يوليو الماضي، هشام المشيشي، وزير الداخلية، بتشكيل حكومة جديدة، عقب استقالة رئيس الحكومة، إلياس الفخفاخ، بعد حوالي خمسة أشهر من توليه منصبه، بسبب شبهات تضارب مصالح.

ويمنح الدستور للمشيشي، مهلة شهر، لتشكيل حكومته وتقديمها إلى البرلمان، لنيل الثقة، وذلك بداية من 26 تموز/يوليو 2020.