اللقاح الروسي يواجه شكوكاً سياسية

روسيا تتوصل إلى اللقاح الأول في العالم لفيروس كورونا، وشكوك علمية وسياسية تلاحق الإنجاز العلمي الجديد.

  • اللقاح الروسي يواجه شكوكاً سياسية
    تحول الفيروس إلى حقل سياسي حاولت أطراف عدة استغلاله

"ينبغي التوقف عن تسييس قضية فيروس كورونا" قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الاثنين، ثم أردف: "الصين مسؤولة بشكل كلي عما حصل"، في تناقض صريح بين قولين، في مناسبة واحدة.

ترامب بشهد اليوم تناقضاً صعباً بين حقيقتين، الأولى أنه لا يريد لفيروس كورونا أن يكون فاضحاً لفشل إدارته في الاستجابة سريعاً لتهديدات الوباء المستجد، بعد إصابة أكثر من 5 مليون مواطن ووفاة أكثر من 166 ألفاً، والثانية أنه يريد تحويل فيروس كورونا إلى تهديد شرقي، عنوانه "الفيروس الصيني". 

تعززت في الأشهر الماضية مفردات الصراع على مصدر الفيروس والمسؤول عن انتشاره وسياسات توزيع المساعدات، والإجراءات اللازمة لمواجهة تبعاته الاقتصادية، وأخيراً "علمية" نتائج لقاحاته وفاعليتها.

إذاً تحول الفيروس إلى حقل سياسي، حاولت أطراف عدة استغلاله، كورقة لاستهداف خصوم محليين أو خارجيين تارةً وطوراً من خلال السباق إلى إنتاج اللقاحات التي سترفع من رصيد الدول المنتجة، وتضعها في صدارة المشهد العالمي.

يعمل الباحثون حول العالم، في هذه الأثناء، على تطوير أكثر من 165 لقاحاً لفيروس كورونا، يجري اختبار 30 لقاحاً من بينها على البشر. اللقاح يحتاج عادةً سنوات من البحث والاختبار قبل أن يبدأ الأطباء باستخدامه، غير أن العلماء يخوضون اليوم سباقاً للحصول على نتائج سريعة قبل نهاية العام للتقليل من مخاطر فيروس كورونا.

 

أميركا تسابق على اللقاح قبل انتخابات الرئاسة

تتطلب الموافقة الطبية على اللقاحات شروطاً أعلى مما تتطلبه الموافقة على الأدوية العلاجية الأخرى، لأن ملايين الأشخاص سيستخدمونها، الأمر الذي يعني أن الآثار الجانبية ستؤثر على أشخاص أكثر بكثير مما يفعل الدواء الذي يتناوله المرضى فقط.

ورغم ذلك، لم يستبعد مفوض إدارة الغذاء والدواء الأميركية ستيفن هان، الموافقة الطارئة على لقاح، مشيراً إلى احتمال "استخدام طارئ إذا شعرنا أن المخاطر المرتبطة باللقاح، كانت أقل بكثير من مخاطر عدم الحصول على لقاح". 

ويروّج الرئيس الأميركي للتقدم نحو اللقاح بشكل سريع جداً، الأمر الذي أظهره بتعهده أثناء جولة في مختبر للتكنولوجيا الحيوية في ولاية كارولينا الشمالية، بتقديم "لقاح في وقت قياسي".

وكان صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنير والذي يساهم في حملته الانتخابية، واحداً من المشاركين في اجتماعات اللجنة المعنية بمتابعة شؤون اللقاح، بوصفه "الكأس المقدسة" التي ستحسم نتائج الانتخابات الرئاسية لصالح ترامب.

وفي هذا المورد، من المهم تذكر ما نشرته صحيفة "داي فيلت" الألمانية، في آذار/مارس الماضي، أن ترامب "عرض على شركة CureVac للأدوية الحيوية، مبالغ كبيرة من المال للوصول الحصري إلى عملهم في إنتاج لقاح لفيروس كورونا"، مشيرةً إلى أن "الحكومة الألمانية تحاول محاربة عروض إدارة ترامب العدائية".

 

روسيا فازت بالسباق؟

"هذا الصباح، ولأول مرة في العالم، تم تسجيل لقاح ضد فيروس كورونا"، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الثلاثاء، معلناً أن واحدة من الاختبارات الأولى جرت على إحدى بناته.

رئيس الصندوق الروسي للاستثمار كيريل دميتريف قال إن المرشحين الذين حقنوا بلقاح "Gam-COVID-Vac Lyo" الروسي، طوروا مناعة بعد 21 يوماً من تلقي الجرعة الأولى، مضيفاً أن المناعة تضاعفت في حال تلقي جرعة أخرى.

وأضاف: "أستطيع أن أخبركم، أنه وفي المرحلة الأولى والثانية، يمكن للجسم أن يشكل مناعة بنسبة 100% بعد 21 يوماً".  

ووفق دميتريف، فإن 20 دولة أجنبية طلبت مسبقاً "أكثر من مليار جرعة" من اللقاح الروسي، وذلك قبل أن تبدأ المرحلة الثالثة من التجارب يوم الأربعاء، موضحاً أن الإنتاج الصناعي سيبدأ الشهر المقبل.

لكن شكوكاً أخذت تصدر، من جهات غير مطلعة على نتائج الاختبارات، بشأن اللقاح الروسي، متذرعة بأن روسيا لم تنشر أي نتائج بشأن بحوثها حول اللقاح، وأنها قد تكون استعجلت في السباق، واضعةً بذلك الناس في خطر.

إحدى التحذيرات صدرت عن مديرة رابطة منظمات التجارب السريرية سفيتلانا زافيدوفا، التي قالت إن "قواعد التجارب السريرية كتبت بالدم، لماذا روسيا لا تلتزم بالقواعد؟" في إشارة إلى إسراع روسيا في إجراءات اختبار اللقاح، ونيل أقل من 100 شخص للقاح في بداية شهر آب/أغسطس.

"إنه صندوق باندورا، ولا نعرف ماذا سيحدث إن حقن الناس بلقاح غير مصادق للمعايير"، أعلنت زافيدوفا.

الانتقادات الأوروبية "للتسرع" الروسي، خرجت أيضاً لتنتزع من روسيا السبق العلمي، لأنه "لم يختبر على نحو كاف" وفق ادعاء وزير الصحة الألماني ينس سبان، اليوم الأربعاء، والذي أضاف: "أنا متشكك جداً بشأن ما يحدث في روسيا".

السلطات الصحية الأميركية، عبرت بدورها عن شكوكها إزاء طرح اللقاح، على لسان الأمين العام لهيئة الصحة أليكس آزار، الذي قال إن "الأهم هو نجاعة وسلامة اللقاح قبل أن تكون أول من ينتجه".

يبدو أن السباق إلى التقليل من فاعلية اللقاح الروسي "سبوتنيك في" (على اسم سفير الاتحاد السوفياتي الأول إلى الفضاء، وأحد رموز الحرب الباردة)، قبل خروج نتائج الاختبار الثالث، ودون انتظار نتائج الأشهر المقبلة التي ستشهد حقن الفرق الطبية الروسية وفئات أخرى، والبدء بإنتاج جرع أكثر من اللقاح، ليس الأول من نوعه. ففي خمسينيات القرن الماضي، وبعد تفشي شلل الأطفال في اليابان، حظرت الحكومة اليابانية اللقاح الذي كان ينتجه الاتحاد السوفياتي آنذاك، لأسباب سياسية، ولم يلغ الحظر في النهاية، سوى ضغط الأمهات الذي أثمر في نهاية الأمر.

الشهور المقبلة كفيلة بإيضاح مدى فاعلية اللقاح الروسي، وصلاحية توزيعه على مواطني العالم. النتائج لن تكون طبية فقط بل سياسية كذلك.