ترامب.. أكثر الرؤساء تجسيداً للعنجهية الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجلس الرئيس الصربي أمامه كـ"التلميذ" ويخدعه في قضية نقل السفارة إلى القدس.. هذا هو الوجه الحقيقي.

  • صورة الرئيس الصربي أمام نظيره الأميركي ستتخذ مكاناً بارزاً لها في كتاب العلاقات الدبلوماسية الأميركية الدولية، لا لأهمية اللقاء، بل لجلافة الأسلوب
    صورة الرئيس الصربي أمام نظيره الأميركي ستتخذ مكاناً بارزاً لها في كتاب العلاقات الدبلوماسية الأميركية، لا لأهمية اللقاء، بل لجلافة الأسلوب

تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، صوراً تظهر الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، يجلس كـ"تلميذ" مقابل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض.

كما تداولوا فيديوهات تؤكد ردة فعل الرئيس الصربي فيها، أنه يكن على علم بنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، معلقين على أسلوب استضافة ترامب للرئيس الصربي.

وخلال قراءة ترامب لبيان حول اللقاء، متحدثاً فيه عن نقل السفارة الصربية في فلسطين المحتلة إلى القدس المحتلة، أظهرت المشاهد أن الرئيس الصربي لم يكن على علم بهذا الموضوع، ونظر إلى أوراقه ليتأكد من وجود هذا البند في البيان.

هذه الصورة، ستتخذ مكاناً بارزاً لها في كتاب العلاقات الدبلوماسية الأميركية الدولية، لا لأهمية اللقاء، بل لجلافة الأسلوب.

في الواقع، فإن تشبيه الكثيرين لجلسة الرئيس الصربي في المكتب البيضاوي بـ"التلميذ" أمام الناظر فيه قليل من التكريم له، فلا ترامب يتمتع بأخلاق المعلم، ولا فوتشيتش لديه تواضع طالب العلم، إلا أنه حتماً يطلب أشياء أخرى تجعله راضياً بتجاوز الإدارة الأميركية لكل الأعراف الدبلوماسية حتى أمام الكاميرات.

كل من صربيا وكوسوفو، وقعتّا اتفاق "تطبيع اقتصادي" بينهما، أو هكذا يفترض، إلا أن بنوده تضمنت تفاصيل تخص الشرق الأوسط و"إسرائيل" تحديداً، وفي فيديو أكثر فجاجة من الصورة ظهر الرئيس الصربي متفاجئاً أثناء إعلان ترامب نقل سفارة صربيا إلى القدس المحتلة.

تفضح لغة الجسد أكثر ما تفضحه التصريحات، وبسخرية بطعم المرارة من التعاطي الأميركي تداول العالم الفيديو.

عملياً، لقد انتقل ترامب من مرحلة نقض الاتفاقيات إلى مرحلة الخديعة، فهو يصر على رضا الإسرائيلي بأي وسيلة، ولا يمكن لأي رئيس دولة، حتى لترامب رغم كل عنجهيته وفوقيته، أن يعلن عن خبر مثل هذا الخبر دون إعلام الرئيس المواجه له ودون معرفة واتفاق مسبق مع الرئيس الصربي.

وهذا ما تحدثت عنه صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، وقالت إن الرئيس الصربي كان على علم بهذه المعلومة، وكان هناك اتفاق على ما يبدو على الأقل لنقل السفارة، ولكن أراد الرئيس الأميركي الإعلان عن هذا الأمر من أجل مصالحه الانتخابية.

ما فعله ترامب مع الرئيس الصربي كان إهانة كبيرة، فمن المعتمد والمعروف أنه في أميركا عندما يستقبل الرئيس الأميركي ضيفاً بحجم رئيس، فإن الطرفين يجلسان على مقاعد متساوية في صالون البيت الأبيض بشكل نصف زاوية، أما بقاء الرئيس الأميركي خلف مكتبه والرئيس الصربي بمواجهته، هذا كان يشكل إهانة كبيرة.

أما لماذا يقبل الرئيس الصربي هذا التصرف، فمن الواضح أن هناك تطمينات ووعود من الطرف الأميركي تحدثت عنها الصحفية معتمدة في البيت الأبيض، وقالت إن هناك وعود أميركية برفع مستوى الاستثمارات في حال عودة الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض مجدداً، وهناك وعود أيضاً بزيارة ترامب إلى صربيا في حال فوزه بولاية جديدة.

المشكلة اليوم أمام الرئيس الصربي أن له علاقات مميزة وتاريخية مع كل من روسيا والصين، وكيف سيواجه هذين الطرفين بعد كل ما فعله في البيت الأبيض.

من ناحية أخرى، فإنه لصربيا علاقات متينة مع "إسرائيل" منذ 1992، والمفارقة أن في ذلك العام بدأت "إسرائيل" بمد يد العون ودعم صربيا عسكرياً خصوصاً في المجازر التي ارتكبها الصرب في البوسنة. إذاً الرئيس الصربي اليوم يقدم هدية رد جميل لـ"إسرائيل".

خرج الرئيس الصربي من الاجتماع فرحاً بالقلم الذي منحه إياه ترامب، لعله يبحث عن مكسب لحفظ ماء الوجه والرفع من قدره، لكن ترامب الذي لم يجد مانعاً أخلاقياً ذات يوم من تهديد المهاجرين عبر إطامعهم للتماسيح، لن يجد حرجاً في إذلال رؤساء دول لا يقيم لها اعتباراً، مرة تلو الأخرى.

رئيس الوزراء الكوسوفي، أُجلس أيضاً بالطريقة نفسها للحديث إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقُدم الشراب لترامب، وتُرك الضيف يلوح برأسه متكتفاً قبل أن يشير له ترامب بانتهاء اللقاء.

السياسة الأميركية تعتمد العنجهية والفوقية بالتعاطي، وما يفرق الرئيس الأميركي الحالي عن سابقيه، أنه يظهر هذه العنجهية في إدارته وسياسته وفي التزاماته البروتوكولية.