بعد طعنها لفلسطين.. جامعة الدول العربية هيكل بلا مضمون

ما انتهى إليه اجتماع جامعة الدول العربية يمثل طعنة جديدة لفلسطين الشعب والقضية ويعبر على نحو واضح عن الضياع الذي يغرق فيه النظام الرسمي العربي الذي بات بلا قضية ولا هوية.

  • رفعت الستارة عن واحدة من مسرحيات جامعة الدول العربية تحت عنوان قديم جديد
    رفعت الستارة عن واحدة من مسرحيات جامعة الدول العربية تحت عنوان قديم جديد "استبدال العدو"

كشف البيان الختامي لاجتماع جامعة الدول العربية المدافع عن التطبيع، حقيقة أنها باتت هيكلاً بلا مضمون، ومقراً لإعداد مسرحيات وإيجاد مخارج وتأمين مظلة لمسار واحد تقوده أنظمة خليجية ويدفع نحو التنازلات والتطبيع والتسويق للعلاقات مع "إسرائيل".

في بيانها كادت الجامعة أن تشكر "إسرائيل" على اعتداءاتها اليومية على فلسطين أرضاً وشعباً، بعدما أشبعت الجميع في المنطقة والإقليم إدانات إلا "إسرائيل"، على حد قول أحد قياديي حركة فتح.  

إنها أزمة النظام الرسمي العربي برمته، فقد بات نظاماً بلا وجود، تائهاً ضائعاً لا يملك قضية، فاقداً للهوية، هكذا تبدلت الأولويات.

خذلان علني فج ووقح للفلسطينيين، لا إشارات لجرائم "إسرائيل" وعدوانيتها، وتصويب للسهام على إيران وتركيا. إنها مرحلة محيرة من تزوير الحقائق وتزييف الوقائع، هذا ما يحصل حين تغيب سوريا أو تغيَّب عن جامعة الدول العربية.

اتحد الفلسطينيون فانكشف العرب، رفعت الستارة عن واحدة من مسرحيات جامعة الدول العربية تحت عنوان قديم جديد "استبدال العدو"، لا بل حمايته حتى من إدانات العرب، ولو شعراً.

رئيس مركز القدس للدراسات المستقبلية، أحمد رفيق عوض، أكد أن "القوى الفاعلة في الأمة العربية والإسلامية هي التي تكتب التاريخ، وليست الأنظمة المدعومة من الخارج".

وقال عوض للميادين إن "الأنظمة العربية فقدت قوة القرار، وهي محاصرة ومهددة، فهي لا تاخذ قرارات إنما تنفذ قرارات تفرض عليها من الخارج"، مشدداً على أن "تأسيس الأنظمة في الخليج مرتبط بالاستعمار بشكل مباشر".

من جهته، اعتبر الأمين العام المساعد للتجمع العربي لدعم خيار المقاومة، جمال زهران، أن "قرار جامعة الدول العربية برفض إدانة التطبيع واتفاق أبو ظبي وتل ابيب يمثل الرجعية العربية".

ولفت زهران في حديث مع الميادين، إلى أن "جميع الدول الخليجية باستثناء الكويت تطبع العلاقات مع إسرائيل"، مشيراً إلى أن "الشعوب العربية ترفض عملية غسيل الأدمغة والتعامل مع الكيان الصهيوني".

وأوضح أن "هناك فجوة كبيرة بين الأنظمة العربية والشعوب التي ترفض التطبيع والمشروع الأميركي الصهيوني"، منوهاً إلى أن "الكيان الصهيوني موجود في قلب العالم العربي وعلينا التعاون مع دول الجوار لمواجهته". 

غابت دمشق فانكشف العرب

تدرج النظام الرسمي العربي من الرفض المطلق لاحتلال فلسطين، وصولاً إلى فتح بوابة احتضان "إسرائيل" وتبرير التحالف معها.

رغم "هزيمة عام 67"، لم تتراجع جامعة الدول العربية عن ثوابت القضية، وتمسكت بها في قمة اللاءات الثلاث بالخرطوم: "لا سلام، ولا اعتراف، ولا مفاوضات"، تخلت عنها مصر بعد اتفاق كامب ديفيد، وعرضها ذلك لعزلة فرضها النظام الرسمي العربي الذي سرعان ما أصبح حاضنة لـ"اتفاق أوسلو" الفلسطيني ووداي عربة الأردني.

فكان ذاك التحول بمثابة ضوء أخضر لعلاقات سرية أقامتها دول خليجية مع الإسرائيليين، سعت كل منها لفرض أجندتها الخاصة، ما خلف انقساماً في المواقف وتصفية للحسابات، استهدفت ليبيا بإبعادها المؤقت، وسوريا بتجميد عضويتها.

منذ تغييب سوريا بمواقفها وخطها الاستراتيجي والجامعة تترنح بقمم خاوية الوفاض، خالية من زخمها المعتاد، حتى باتت مختلة التوازن منحازة إلى مسار الانبطاح، حتى تأييد الفلسطينيين ولو بصوت خافت همساً بات أمراً معيباً غير مرغوب، تلك دمشق بمواقفها الوازنة وقد تجلت غاية تغييب صوتها الجهور.

يذكر التاريخ إسقاط حق سوريا في عضوية الجامعة بذريعة عدم التزامها بتنفيذ بنود مبادرة عربية كانت تدخلاً في شأن سوري داخلي خالص. على خلاف ذلك، يشتري الإماراتيون مواقف دول عربية بأن تطبيعهم شأن يخصهم وحدهم كما لو أنهم التزموا بالمبادرة العربية.

لم يكن ذلك سوى شماعة لتغييب عضو بارز مؤسس، يذكر التاريخ أيضاً رفضه بيعه القضية بـ"أوهام السلام" بل استمسك بالحق الفلسطيني رغم الضغوط.

تتضح الصورة أكثر بأن غاية إخراج سوريا، حرف مسار الجامعة عن ثوابتها، أو على الأقل ما تبقى، حيث التطبيع وبيع القضية أمر يراد.

ليس من قبيل الصدفة أن يكون المزاج داخل الجامعة متماهياً مع موجة التطبيع الجديدة، وهي الأشد ضراوة والأكثر خطورة على الجامعة ذاتها، بانفراط عقدها.

فأي قيمة استراتيجية لدمشق في رسم التوازن في العمق العربي؟

رئيس مركز القدس للدراسات المستقبلية، أحمد رفيق عوض أكد للميادين أن "تيار الاعتدال تخلص من سوريا في جامعة الدول العربية وبات يعتبر اسرائيل هي الخيار"، لافتاً إلى أن "ابعاد سوريا الدولة والنموذج، أتاح لتيار الاعتدال العربي التصرف كما يشاء".

في حين قال الأمين العام المساعد للتجمع العربي لدعم خيار المقاومة، جمال زهران، للميادين، إن "سوريا مستهدفة لأنها لم تخضع لمسار التطبيع مع إسرائيل"، مشيراً إلى أن "الأنظمة العربية المدعومة من الولايات المتحدة هي التي تسعى إلى التطبيع".

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الجزائر، اسماعيل دبش، كشف أن ضغوطات كبيرة مورست على الجزائر "لدعم الإرهابيين في سوريا والوقوف ضد دمشق، لكنها رفضت".

دبش أكد للميادين، أن "الخطورة لن تتوقف عند التطبيع، بل بإقامة دولة فلسطينية في سيناء"، منوهاً إلى أنه "على الأنظمة العربية أن تعلم أن وجودها مرتبط بدفاعها الشكلي عن القضية الفلسطينية".

وأضاف دبش أن "جبهة الصمود التي رفعت التحدي دفعت ثمن دعهما للقضية الفلسطينية"، معلناً أن بلاده الجزائر "تطالب بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية التي باتت مشكلة ويجب إصلاحها".

من سخرية الأقدار أن البند الدائم على جدول أعمال الجامعة هو "القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي"، وها نحن أمام أزمة نظام رسمي عربي، خرب بيته وحوله إلى هيكل فارغ من أي روح.

هيكل سطا عليه حراسه وانضموا إلى جلادي الحقيقة، بعدما باعوا القضية، ولا عجب في ذلك بالنسبة لمن لا يقرأ إلا في قاموس البيع والشراء.