كيف دشنت واشنطن عهد الدكتاتوريات الدموية في أميركا اللاتينية بالانقلاب على سلفادور ألّندي؟

11 من أيلول/سبتمبر عام 1973 يوم مفصلي في عالم الجنوب، قبل هجمات نيويورك بعقود، رعت الولايات المتحدة انقلاباً عسكرياً ضد الرئيس التشيلي سلفادور ألندي المنتخب شرعياً.

  • عرف سلفادور ألندي طيلة حياته وأعوامه الـ65 التي عاشها، بشجاعته وصدقه وإيثاره،
    عرف سلفادور ألندي طيلة حياته وأعوامه الـ65 التي عاشها، بشجاعته وصدقه وإيثاره

في ذكرى 11 من أيلول/سبتمبر يتبادر إلى الذهن مشهد هجمات نيويورك. لكن في واقع الأمر هو يوم مفصلي في تاريخ عالم الجنوب، وليس فقط بالمعنى الأميركي المشهور، ففي اليوم نفسه من عام 1973 وقع انقلاب رعته واشنطن ضد سلفادرو ألندي الرئيس التشيلي المنتخب ديمقراطياً، ودشن من خلاله عهد الديكتاتوريات الدموية في أميركا اللاتينية.

قد لا يكون إرث العبودية في الولايات المتحدة أبرز معالم الديمقراطية الأميركية، ولا انفجار العنصرية الفاقعة في شوارع واشنطن ونيويورك، ولعل انقلابها على الرئيس الشرعي المنتخب سلفادور ألندي في تشيلي، هو أحدّ المحطّات الرئيسة التي تنير ظلامية الادعاء الديموقراطي الأميركي في بلادنا والعالم.

المخطط الأميركي ما زال يتكرر إلى اليوم، في دول مختلفة، مع تبديل الأدوات انسجاماً مع الخصوصيات والمتغيرات وما ترفعه واشنطن اليوم من شعارات براقة بشأن الديمقراطية، سبق أن هدمته بنفسها، في أميركا اللاتينية.

الولايات المتحدة لم تستنفذ استغلال الدماء في ما سمته الحرب على الإرهاب، لكنها تغرق بإرث 11 من أيلول/سبتمبر في تشيلي، الذي يدل على حروبها المتنوعة لإسقاط استقلال الشعوب.

ربما من المفيد أن نقف على إحياء الذكرى في نيويورك، فقد كانت باهتة، وكانت نيويورك وكل المدن الأميركية مشغولة بمسائل أخرى غير 11 أيلول/سبتمبر، تتفجر أميركا وتتكشف على بعض مكنوناتها الداخلية.

أما على العصيد السياسي، علينا ألا نغفل أن أميركا التي قامت مما سمته غزوة نيويورك ومانهاتن ذهبت إلى أفغانستان، وأطاحت بالحكم في أفغانستان، في هذا الأسبوع بالذات يعلن الرئيس الأميركي وإدارته عن انسحاب عسكري كبير من أفغانستان وهي بصدد إجراء تفاهمات كبيرة للمساومة والمصالحة بين الحكم وطالبان، يدل ذلك على أن الحملة التي استغلتها باسم أحداث نيويورك، تفشل على الصعيدين الاستراتيجي والسياسي.

ما يربط التاريخ الأول بالتاريخ الثاني، هو بكل بساطة سياسة الهيمنة الأميركية، والسياسة التوسعية والاستعمارية للولايات المتحدة، تاريخ 11 أيلول/سبتمبر بغاية الأهمية بالنسبة لمسار كل الحركات الثورية في أميركا اللاتينية.

مستحيل أن يفهم ما يحصل أميركا اللاتينية دون هذه التجربة، لأن منذ تلك اللحظة انتشرت الديكاتوريات في المنطقة، وحتى الولايات المتحدة على شعبها بالذات مارست كل أنواع القوانين التي سرقت منهم حريتهم بعد أحداث نيويورك

كان للانقلاب على ألندي تأثير كبير على الحركات الثورية وبعض العمليات الديمقراطية التي كانت في بدايتها في تلك المنطقة، ويسمى هذا اليوم "يوم العار"، لأن هذا الانقلاب قام به رجل مقرب من الرئيس ألندي هو أوغستو بينوشيه.

ألندي لم يستسلم هناك، وقاتل حتى الرمق الأخير، وبعد أن طلب إلى مساعديه أن يلقوا السلاح، هو لم يلق السلاح، وقال قبل ما تسرب أنه "انتحار" رسالته قائلاً، هم لديهم القوة وسيكونون قادرين على التغلب علينا ولكن الشعوب هي التي تصنع التاريخ.

عرف ألندي طيلة حياته وأعوامه الـ65 التي عاشها، بشجاعته وصدقه وإيثاره، ولم تكن واشنطن مستعدة لنجاح تجربة جديدة اشتراكية في القارة اللاتينية، في حديقتها الخلفية بعد كوبا، خاصة أن علاقة كوبا بألندي كانت علاقة متميزة وعميقة جداً.

افتضح أمر واشنطن بعد سنوات، من خلال لجنة تحقيق في الكونغرس الأميركي، كشفت أن الولايات المتحدة وظفت وسائل الإعلام ورشت وجندت كبار الضباط في الجيش التشيلي، وتحدثت عن الكيفية التي حصل فيها هذا الانقلاب.

لم تكن مقولة "الحرب على الارهاب" دُرجة سائدة كما تنفخها الإدارة الأميركية ضد إيران ومحور المقاومة من أجل محو الذاكرة الجمعية وترويج الأسطورة الإسرائيلية، لكن أميركا لم تغيّر نفسها وإن بدّلت القشرة السطحية في استخدامها جماعات المنظمات غير الحكومية والأبواق المنمّقة بعلوم التسويق الاستخباراتي.

في هذا المسار الطويل تغتال أميركا بالسم شاعر الانسانية بابلو نيرودا، بعد أسبوع من اغتيال الرئيس ألّندي.

وقبل وبعد اغتيال الرئيس أللندي، حصلت انقلابات عسكرية ناتئة ومخفية لا تُعدّ ولا تُحصى، لكن أللندي الذي سقط برصاص الاغتيال ظلّ يلوّح حتى الرمق الأخير للأجيال المقبلة برشاش كلاشنكوف حربي أهداه له فيدل كاسترو.