قصة تعلم الأسير المحرر الدكتور فهد أبو الحاج رائعة من روائع أدب الأسرى

لعب الدكتور فهد دوراً كبيراً في موضوع التعليم الجامعي للأسرى حيث اقترح عام 2002 على رئيسها ساري نسيبة أن يسمح للأسرى بقبولهم للإنتساب كطلبة يحصلوا على "الليسانس" في جامعة القدس.

  • قصة تعلم الأسير المحرر الدكتور فهد أبو الحاج رائعة من روائع أدب الأسرى
    قصة تعلم الأسير المحرر الدكتور فهد أبو الحاج رائعة من روائع أدب الأسرى

تشكل تجربة الأسير المحرر الدكتور فهد أبو الحاج، رائعة من روائع أدب السجن والأسر، فـ"الحاج فهد" كما يحب أن ينادوه اعتقل ودخل سجون الاحتلال قبل أن يبلغ عامه الـ16 وهو لا يعرف القراءة والكتابة. فتعلمهما في الاعتقال ودرس في المعتقل المناهج الثلاث "الأساسية والإعدادية والثانوية".

استطاع الدكتور فهد بجهده ومثابرته أن يصل الى مرتبة ثقافية وأكاديمية متقدمة، فانتقاله من الأمية الى أعلى الدرجات العلمية هي تجسيد لحياة الشعب الفلسطيني الذي استطاع أن يحول الألم الى نجاح.

ولهذا فقصة الدكتور الأسير المحرر فهد حجة علينا جميعاً محررين قبل الأسرى حيث أن تجربته تشكل قوة تحفيز لا مثيل لها لكل الذين يتحججون أن ظروفهم لا تسمح بإكمال تعليمهم.

ولد فهد أبو الحاج وترعرع في قرية كوبر في الضفة الغربية المحتلة، في حضن عائلة تعيش من خلال زراعة أرضها وما تنتجه فقد زرع وعشب ورعى الإغنام وتسلق الجبال والوديان. يقول الحاج فهد أنه عاش طفولة قاسية مثل أي طفل فلسطيني.

وترك دراسته منذ الصغر، لأن ظروف الحياة المعيشية كانت قاسية فلم تكن هناك رعاية ومتابعة كافية لموضوع تعليم الأطفال كما هو الحال اليوم، على الرغم من أن والده كان على استعداد لأن يبيع قطعة من الأرض لكي يعلمه.

تعلم القراءة والكتابة

صحيح أن الحاج فهد اعتقل في سن الـ16 إلا أن الاعتقال غيّر منهاج حياة الدكتور فهد وأصبح شخصاً آخر نتيجة المرحلة التي عاشها وخضع فيها من قبل حركة فتح للبرنامج الأكاديمي المكثف، حيث تغيرت الحياة والسلوك وطريقة التفكير.

فقد خضع لبرنامج ثقافي مكثف من قبل اللجنة الثقافية العامة لحركة فتح في معتقل بئر السبع. فكان يمضي حوالي 17-18 ساعة دراسية في اليوم. بداية من قراءة الحروف حتى أنهى منهاج الثانوية العامة، كما قام  بدراسة حركات التحرر حيث كان يقرأ كل تجربة في مدة 6 شهور ثم ينتقل بعدها إلى حركة تحرر أخرى، وقد خرج الحاج فهد من المعتقل وهو يحمل ثقافة عالية لفتت نوعيها كل الطلاب الذين يدرسهم.

يروي الحاج فهد قصة حدثت معه حول كتابة الرسائل في الإعتقال فعندما جاء دور كتابة الرسائل للأهل - وكانت شهرية - في المعتقل فانكب المعتقلون يكتبون الرسائل لذويهم إلا هو لم  يتمكن من كتابة كلمة واحدة لأهله، فانزوى في أحد أركان المعتقل وأخذ في البكاء فكانت هذه الدموع إيذاناً لضرورة أن يبدأ برنامجه التعليمي.

 وكانت أول رسالة ترسل لذويه مكتوبة بخط الأسير المحرر خضر قنداح، فقرر حينها أن يتعلم. وقد أشرف على تعليمه في المعتقل عدد من رفاقه الأسرى، الذين لا ينسى الدكتور فهد فضلهم، فهؤلاء من علموه وبقوا معه حتى تخطى مرحلة الأمية، وقد احتاج لـ3 سنوات في الاعتقال حتى تخطى هذه المرحلة، وبعدها كتب في المجلة التنظيمية للمعتقل وكان الأسير محمد البيروتي من يصحح له المقالات.

وحول تأسيس مركز أبو جهاد، يقول أبو الحاج "عندما خرجت من المعتقل أول مرة  في العام 1985 خرجت في تبادل الأسرى. فكنت أرى بشكل أسبوعي أو يومي إدارة "مصلحة السجون" تدخل المعتقلات وتصادر كل ما كان يكتبه الأسرى من كتب وأوراق".

واستطرد الحاج فهد: "تعرفت على الدكتور سري نسيبة وكان أستاذاً  في جامعة بيرزيت وأثناء حديثنا تطرقت لهذا الموضوع وأهمية توثيق هذه التجربة وهذه الثروة الثقافية التي تضيع من أيدينا، وسنبحث عنها بعد عشرات السنين لنجدها موزعة في الجامعات ومراكز الأبحاث إلإسرائيلية. وطرحت عليه فكرة أنه يجب الإنتباه إلى هذه الثروة الثقافية التي تضيع من أيدينا، وهو رجل عاقل وله بُعد رؤيا ووجهة نظر، وفوراً تلقى الفكرة وأهداني جهاز حاسوب لأبدأ بالتوثيق على هذا الجهاز".

وتابع: كانت بداية التوثيق من المنزل. وخلال سنوات أصبح لدي وثائق كثيرة ودخلت الإنتفاضة الثانية وكان بيتي مهدداً بالإقتحام والتفتيش والمصادرة، فكنت أغلف هذه الوثائق وأضعها في براميل الدهان وأدفنها تحت الأرض بحيث لا يصلها شيء حتى عند حرث الارض . ومن ثم تبلور العمل واعتقلت مرة ثانية وثالثة واستمرت الإتصالات والعلاقة بيني وبين الدكتور سري نسيبة وفيصل الحسيني الذين كانا يقودا العمل الوطني العام في الإنتفاضة الأولى.

ويضيف: وعندما اعتقلت مرة ثانية تشجعت أكثر للعمل على هذا الموضوع وقمنا بعمل ترتيبات جديدة حتى تخرج هذه الوثائق جميعها إلى النور. وكانت بدايات إنشاء المركز من البيت.

وقال "في العام 1997 طلب الدكتور سري نسيبة، من الرئيس الراحل أبو عمار بتوكيل الدكتور فهد وفرزه على كادر جامعة القدس حيث كان الدكتور سري، رئيساً لها منذ العام 1995 ،وقال لي: ما رأيك أن نكمل فكرتنا، ففرحت لذلك وطلبت منه أن يطلبني لسيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات فطلبني ومن ثم انتقلت لتأسيس مركز الشهيد أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة - جامعة القدس". 

يعمل مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة محاور وهي: المحور الأول: متحف الحركة الأسيرة الفلسطينية ويضم جميع أعمال ونتاجات الأسرى اليدوية والفنية واللوحات التي أبدعها الأسرى بمواد أولية بسيطة مثل الكرتون والخرز والخيوط وغيرها.

المحور الثاني: أرشيف وطني أبدي للحركة الاسيرة يتضمن كل ما أنتجته عقول المعتقلين من أعمال فكرية وذهنية وأدبية، وبلغ تعداد الوثائق الموجودة في أرشيف مركز أبو جهاد 130000 وثيقة متنوعة تتضمن مختلف الموضوعات الشعرية والقصصية والسياسية والإدارية والثقافية.

القسم الثالث: الموسوعة االعتقالية الفلسطينية التي تضم نضالات الحركة الاسيرة بالإضافة إلى قسم خاص بشهداء الحركة الأسيرة في سجون الإنتداب البريطاني وسجون الاحتلال الإسرائيلي.

يفخر الحاج فهد لكل ما وصل إليه اليوم، فهو يذهب إلى أرضه ويحرثها وبنفس الوقت يدرس وهو محاضر في الجامعات الفلسطينية ومدير مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس.

وبسؤاله حول طموحه والمكانة التي يصبو للوصول إليها يقول الدكتور فهد: "الإنسان يستطيع أن يصل إلى كل مكان وأنا إنسان طموح وسوف أستمر في تطوير ذاتي وتطوير مؤسسة مركز أبو جهاد وسوف أتابع دراستي. وأقدم شكري للأستاذ الدكتور سري نسيبة الذي ساعدني في إكمال تعليمي".