الدّليل النفسيّ لمتابعة الأخبار بعيداً من القلق!

يطول الحديث عن التبعات النفسية والعقلية للتعرض للأخبار، كما للضغوط الناجمة عن صناعتها، ولكن يمكن الركون إلى التوصيات التالية للحدّ من الأضرار.

  • الدّليل النفسيّ لمتابعة الأخبار بعيداً من القلق!
    قراءة الأخبار أقل ضرراً بأشواط من مشاهدتها

قبل عام، أجرت رابطة علماء النفس الأميركية استطلاعاً توصّل إلى أن 57 في المئة من الأميركيين يعتبرون أن "المناخ السياسي" مصدر عام للضّغط النفسيّ.

وفي سياق مماثل، أظهرت دراسة لمعهد دراسة الصحافة في وكالة "رويترز" أن 22 في المئة من الجمهور البريطاني بات يتجنب الأخبار بالكامل، في مقابل 59 في المئة يتجنبونها في فترات متقطعة، لكونها تسبب لهم ضغوطاً نفسية.

هذه الأرقام لن تبقى في إطارها النظري، إذ إنّ خبراء الإعلام في الولايات المتحدة وأوروبا يعكفون على البحث عن إعلام بأخبار أقل!

وبما أن الإنسان المعاصر بات يستهلك الأخبار استهلاكه للماء والطعام، فنحن أمام مسألة شائكة تستحق الاهتمام، نظراً إلى تأثيرها المباشر في نوعية حياتنا، بعدما كانت "جرعة" الأخبار اليومية للشخص العادي تقتصر على قراءة عناوين الصحيفة أو مشاهدة موجز الأخبار في أفضل الحالات.

ولكن هل يمكننا أن نعيش من دون "التعرض" للأخبار؟

الإجابة على هذا السؤال تستدعي التمييز بين الأخبار كحاجة طبيعية لمعرفة التهديدات المحتملة التي تحيط بنا، و"دفق الأخبار" الذي لا يحقق إلا اضطرابات نفسية دفينة لا يتسع مقال لتفصيلها، بل إنّ فهم العالم يتطلب متابعة أخبار أقل لا أكثر، كما يعتقد الكثيرون.

عند التعرّض المزمن للأخبار (الصراعات السياسية والعسكرية تحديداً)، فإننا نعرّض أجسامنا لاستجابات تستنزفنا على المدى البعيد. ففي كل مرة نتعرَّض فيها لدفق الأخبار السلبية، تدخل أجسادنا في حالة شبيهة باختبار "بافلوف" وكلبه الشهير، فقد كان لعاب الكلب يسيل عند سماعه صوت رنين الجرس مؤذناً بقرب تقديم الطعام، وظل اللعاب يسيل عند سماع الرنين، حتى من دون تقديم الطعام. في حالة "وجبات" الأخبار اليومية، فنحن نُعرض أجسادنا لإنذار يحفز إفراز الهورمونات التي تنتج عند شعور الخوف أو الاضطراب أو الحزن.

وعلى الرغم من أنّ أجسامنا مصمّمة للتعامل بشكل جيد مع الأخبار السيئة العابرة، لكن المشكلة تكمن في تكرار النمط وإفراز هورمونات "الكورتيزول" و"الأدرينالين" مراراً وتكراراً، حتى تصبح الغدد في حالة استنفار وتشغيل دائمين، بما أنها اعتادت تلقي العوامل الضاغطة باستمرار.

ومع استنفار الجهاز المناعي - النفسي طوال الوقت، فإن هورمونات المقاومة تحضر بقوة في الوظائف الحيوية للجسم، لتزيد من احتمالات أمراض القلب، واضطرابات النوم والجهاز الهضمي، وأمراض الذاكرة، وصولاً حتى الكآبة وغيرها.

ما الحل إذاً في زمن باتت فيه صناعة الأخبار قطاعاً استهلاكياً يقتحم حياتنا في كل لحظة وبعدة طرق؟

علينا بداية التمييز على المستوى الشخصي بين الحاجة الطبيعية إلى الأخبار والحجم الفائض منها. يمكن ممارسة رقابة ذاتية إلى حد مقبول، تكون فيه مشاعرنا هي الحد الفاصل في التعرض للأخبار. بمجرد ملاحظة انزعاج أو انفعال أو تبدل في المزاج، توقفوا عن المتابعة!

قد ينتقد البعض هذا الاقتراح بذريعة الحاجة إلى المعرفة. في الواقع، إحدى مآسي العقل البشري أنه مصمّم على استقبال الأخبار السلبية وتخزينها وإعطائها الأولوية، وبالتالي فإن مراقبة ما تتعرض له عقولنا لا تقل أهمية عن مراقبة ما يدخل بطوننا!

ومن الجدير ذكره أنّ الدعم النفسي الملازم للعمل صار ثقافة شائعة في أوساط الصحافيين والإعلاميين والعاملين في صناعة الأخبار في العديد من الدول الغربية، نظراً إلى إدراك المجتمعات لأضرار هذه الصناعة.

على صعيد متصل، يفرض الضغط النفسي الذي أوجدته جائحة كورونا المزيد من الاهتمام بتجنّب عوامل ضغط إضافية.

في كلّ حال، يطول الحديث عن التبعات النفسية والعقلية للتعرض للأخبار، كما للضغوط الناجمة عن صناعتها، ولكن يمكن الركون إلى التوصيات التالية للحدّ من الأضرار:

-قراءة الأخبار أقل ضرراً بأشواط من مشاهدتها. المشاهدة تستنزف حواس إضافية، ولا تترك للعقل الكثير من الوقت لمعالجة المعلومات والصور والصوت، بينما يمكنك أثناء قراءة الأخبار سماع صوتك الداخلي وهو يعالج المادة ويتفاعل معها ويشكك بها أو يتجرعها بهدوء.

-في حال الاضطرار للتعرض للأخبار بشكل مكثف، يُنصح باختيار فرد مقرب منكم تناقشونه بمصداقية هذه الأخبار ومدى خطورتها. يفضّل طبعاً أن يكون هذا الشخص من ذوي العقول الهادئة ومن أصحاب السلوك المتزن البعيد من الانفعالات الدرامية!

-لا تتعاملوا مع شبكات التواصل باعتبارها مصدراً للأخبار. خيار الامتناع عن شبكات التواصل غير واقعي في عصرنا، ولكن البديل الناجح والمعقول هو التعامل مع هذه الشبكات على أنها وسيلة للترفيه، لا طرح المسائل الجدية أو مناقشتها أو تبنيها. يمكن لأيّ مغرد في العالم العربي ملاحظة حجم الكراهية والتوتر عند نقاش المسائل السياسية. هذا الأمر لا يرتبط بغياب ثقافة الحوار فحسب، بل هو مسألة نفسية في الدرجة الأولى على مستوى الأفراد، ويعكس الكثير مما يمرون به.

-كونوا انتقائيين في اختيار مصادر أخباركم. لا نعني هنا اختيار وسيلة إعلامية محددة تتوافق وميولنا السياسية أو قناعاتنا والاكتفاء بها، بل المقصود اختيار نوع محدد من المواضيع أو الوسائل أو الخبراء، كتجنب القنوات الإخبارية اليومية لصالح المجلات الأسبوعية أو الدوريات المتخصصة الشهرية. 

-تجنّبوا وسائل الإعلام التابعة لجهات أو دول منخرطة في صراعات لصالح وسائل إعلام "هادئة". يمكن ملاحظة الفروق في الخطاب الإعلامي بين الطرفين لفهم الاختلاف النوعي في التغطية.

-خصّصوا أوقاتاً للترفيه يومياً، ولو للعب وممارسة نشاطات بسيطة، بدلاً من التلهي طوال اليوم بالانتقال عبر تطبيقات التواصل لمتابعة أخبار مكررة والوقوف على آراء مما هب ودبّ!