"تاريخ اليهود في الجزيرة العربية".. عن تهويد التاريخ في "ويكيبيديا"

صفحات جديدة في الموسوعة الإلكترونية "ويكيبيديا" تنشر بعض المقالات تحت عناوين "تاريخ اليهود في بعض دول الخليج" بالإنجليزية والعربية، في محاولة لتهويد التاريخ وصهينة الوقائع.

  • محرر الصفحات في "ويكيبيديا" أطلق على بنجامين التطيلي وصف "الحاخام".

بعد أقل من أسبوع فقط على توقيع اتفاقيات التطبيع، وفي ما يشبه الحملة المنظمة والمدروسة، تم إغراق الموسوعة الإلكترونية "ويكيبيديا" بمحتوى حول العناوين التالية: "تاريخ اليهود في الإمارات العربية المتحدة"، "تاريخ اليهود في البحرين"، "تاريخ اليهود في عُمان"، وهكذا في بقية دول الخليج، باللغتين الانجليزية والعربية في التوقيت نفسه. 

المحتوى الذي تم نشره يستند إلى قصص ومرويات منسوبة إلى أحد الرحالة اليهود الأندلسيين في القرن الثاني عشر "Benjamin of Tudela" أو بنجامين التطيلي، كتبها خلال رحلة له من إسبانيا إلى أوروبا وبعدها، وشملت أيضاً فرنسا وإيطاليا واليونان، ثم إسطنبول والمتوسط ومصر وسوريا وفلسطين، ثم العراق وبلاد فارس.

استغرقت هذه الرحلة ثماني سنوات. ونشر بنجامين خلاصة انطباعاته ووصفه للبلدان التي زارها في كتاب باللغة العبرية تحت عنوان "أسفار بنجامين"، ولاحقاً ترجم إلى لغات أوروبية عديدة، وصدر بالإنجليزية لأول مرة في العام 1907.

المحرر الذي كتب صفحات "تاريخ اليهود في الإمارات" وتاريخ "اليهود في عُمان" وتاريخ "اليهود في السعودية"، ونشرها على "ويكيبيديا"، استخدم فقرة أساسية تشير إلى كتاب بنجامين التطيلي بطريقة يتم فيها التلاعب بالمعلومات بشكل مُلتبس. 

وتخلص الفقرة إلى أن هذا الرحالة زار اليهود المقيمين في هذه المنطقة أو تلك في الإمارات أو السعودية أو عُمان في القرن الثاني عشر.

محرر الصفحات في "ويكيبيديا" أطلق على "بنجامين التطيلي" وصفاً غير موجود في أي من الكتب التي أشارت إلى هذا الرحالة، وهو وصف "الحاخام".

السؤال الذي يطرح: لماذا يمنح هذا الوصف لحالة عادي عندما يتم اقتباس بعض ما كتب في سياق تخليق تاريخ لليهود في الإمارات أو عمان أو السعودية، في وقت قد يضفي هذا الوصف مسحة دينية "إبراهيمية" على رحلاته التي يشير المؤرخون إلى أنها كانت مدفوعة بحوافز التجارة بالدرجة الأولى، وربما زيارة الأراضي المقدسة، ثم أضيف إليها زيارة التجمعات اليهودية والكتابة عنها؟

  • عز الدين: هناك محاولات سابقة من اليهود لتزوير التاريخ
    عز الدين للميادين: هناك محاولات سابقة من اليهود لتزوير التاريخ

خطورة هذه المادة التي تزوّر التاريخ وتهوّده تكمن في الجمهور الذي تستهدفه، وهو من الجيل الجديد الذي غالباً ما يلجأ إلى هذه المنصات للحصول على معلوماته بشأن مختلف القضايا.

إذاً، الرأي العام اليوم أمام أسلوب سهل في "التزوير المقصود" الذي يتسق مع محاولات تغيير المناهج التربوية لتكريس "سرديات مغلوطة" ومزورة للصراع، إذ يركز المحرر على أن هدف بنجامين كان رصد حالة اليهود وأعدادهم في الأماكن والبلدان التي زارها، وأن هذا كان هدفه الأهم.

ويقول في الصفحة الخاصة باليهود في الإمارات إن إحدى البلدات التي زارها، وكان فيها أقلية يهودية، هي بلدة "كيس"، التي تقع في ما يعرف اليوم بـ"رأس الخيمة".

ويكرر الأمر نفسه في الصفحة الخاصة بـ"اليهود في عُمان"، ليقول إن بنجامين زار اليهود في بلدة اسمها "مسقط".

الجدير بالذكر أنه لا يوجد في كتاب بنجامين أي ذكر أو أثر لزياراته المزعومة لبلدة "كيس" التابعة لرأس الخيمة، ولا لمدينة مسقط، بما يعني أن محرر الصفحات، والذي يريد أن يختلق تاريخاً لـ"يهود الإمارات"، كتب معلومات كاذبة جملة وتفصيلاً.

  • علوش: اليهود المتواجدين في المنطقة اندمجوا مع الثقافة العربية ولاعلاقة لهم بالصهيونية
    علوش للميادين: اليهود المتواجدون في المنطقة اندمجوا مع الثقافة العربية ولا علاقة لهم بالصهيونية

ما الهدف الأساسي من هذا التزوير؟

اللافت هنا أن هناك محاولة لمناقشة دور اليهود وتاريخهم في الجزيرة العربية. إضافة إلى ذلك، يصف بنجامين اليهود في المناطق بأنهم "كانوا متحضرين وأهل علم ويسكنون البيوت والمدن"، بينما يحاول إظهار العرب على أنهم "بدو متنقلون وغير متعلمين"، وأنهم "كانوا يخشون دوماً من اليهود الذين اتصفوا بالقوة والشجاعة، وكانوا مُهابي الجانب".

ولا يوجد في نصوص "الصفحات الويكيبيدية" أي تشكيك في هذه الرحلة عبر الجزيرة العربية، والتي يُراد لها أن تكون "تأسيسية" في تهويد التاريخ في الجزيرة العربية.

في السنوات المقبلة، ربما سنقرأ صفحات محررة جديدة في هذا التاريخ اليهودي للجزيرة العربية، ونرى خارطة بنجامين وخطوطها كلها قد أصبحت متصلة ومؤكدة وموثوقة، وتحول ما هو مختلق ومفبرك إلى تاريخ حقيقي تدرسه الأجيال اللاحقة.

التزييف العربي في زمن التطبيع

تزييف الوقائع لم يقتصر فقط على "وكيبيديا"، إنما رأيناه أيضاً في الفترات الأخيرة على قنوات عربية، بحيث إن مسار التطبيع الرسمي مع تل أبيب لم يولد من عدم، ولم يحدث من دون مقدمات. وسائل إعلام سعودية دأبت خلال الأعوام الماضية على التمهيد له، من خلال تزوير التاريخ بشكل ممنهج، وتزييف الحقائق لخدمة "الأسطورة الصهيونية"، وتقديم سردية الاحتلال للنكبة والتهجير والمجازر.

وغزت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع من وثائقي عرضته وسائل إعلام سعودية، يتبنى الأسطورة الصهيونية بشأن القضية الفلسطينية، ويقدم رواية الاحتلال بدل حقيقة النكبة. 

الوثائقي الذي صوّر الفلسطينيين على أنهم معتدون وغاصبون، ساعياً إلى تجريمهم، قال إن يهود فلسطين على قلتهم أحق بـ"الدولة" الحلم، وهي الرواية نفسها التي يطرحها الإسرائيليون.

وأيضاً، لجأت بعض دول الخليج إلى تزوير التاريخ العربي، عبر الأفلام الترويجية التي تبين "مظلومية اليهود" في الشرق الأوسط، إذ رأينا خلال شهر رمضان الفائت كيف شهد الشارع الكويتي جدلاً واسعاً بسبب مسلسل "أم هارون"، الذي يتناول "تاريخ اليهود" في الخليج من خلال قصة سيدة يهودية من أصول تركية، تنقلت بين إيران والعراق قبل أن يستقر بها المطاف في البحرين، لتعمل لسنوات طويلة في التمريض وتوليد النساء.

ورأى كثيرون من معارضي العمل عدم وجود مبرر له في ظل الأوضاع العربية وما تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة من ممارسات عنصرية، كما أبدوا مخاوفهم من اعتباره بداية لاختراق الموقف الشعبي الكويتي الرافض للتطبيع، في ظل تسارع خطى بعض دول الجوار للتطبيع أخيراً.

هناك دائماً من يحاول التطبيع وتسويق الفكر الإسرائيلي وزرع مخططاته بين العرب، سواء عبر الدراما العربية أو في المجالات الثقافية. الواضح أن المنطقة أمام مرحلة جديدة وحرب من نوع آخر، تدور أحداثها مجدداً حول إنصاف عربي للقضية الفلسطينية.