على خلفية وفاة طبيب: التونسيون يطالبون بإسقاط "منظومة الفساد"

وفاة طبيب تونسي، في حادث أليم نتيجة استعماله لمصعد كهربائي معطب في المستشفى الجهوي بجندوبة، يثير غضب التونسيين، ويطالبون بتتبع الفاسدين وإسقاط منظومة الفساد.

  • وفاة طبيب تونسي، في حادث أليم نتيجة استعماله لمصعد كهربائي معطب في المستشفى الجهوي بجندوبة
    وفاة طبيب تونسي، في حادث أليم نتيجة استعماله لمصعد كهربائي معطل في المستشفى الجهوي بجندوبة

"ما أصعب العيش في وطني، وما أسهل الموت فيه، رحمَ اللّه من مات جوعاً و حرقاً و غرقاً"، جملة بات يرددها رواد التواصل الاجتماعي في تونس مع كل حادث أليم يشتم من ورائه رائحة فساد ولوبيات تتلاعب بمصير البلاد، أمام عجز الحكومات المتعاقبة في فتح ومعالجة ملفات الفساد بشكل جدي وجذري.

وقد أثار وفاة طبيب شاب تونسي، في حادث أليم نتيجة استعماله لمصعد كهربائي معطل في المستشفى الجهوي بجندوبة، أدى إلى سقوطه بقوة على الأرض، غضب التونسيين متهمين "منظومة الفساد بقتل أبناء الوطن مع سبق الإصرار والترصد". 

وسقط الطبيب وهو متخصص في الجراحة، من علو فاق 10 أمتار إثر انزلاق ساقيه من المصعد، مما سبب له إضراراً جسيمة وجروحاً وكسوراً بجسده ما أدى إلى وفاته.

أعوان الصحة في يوم غضب

وأثار الحادث سخط زملائه الذين أكدوا بأن الحادث هو نتيجة تقادم هذا المرفق الصحي، رغم تنبيه السلطات المعنية إلى ذلك منذ سنوات.

وجاءت ردود الأفعال بأن أعلنت المنظمة التونسية للأطباء الشبان الحداد بداية من اليوم الجمعة 4 كانون الأول/ديسمبر مع إعلان جملة من التحركات.

كما قررت المنظمة الدخول في إضراب حضوري لكافة الطلبة والأطباء الداخليين والمقيمين في الطب مع إيقاف كل الأنشطة الإستشفائية.

وأعلنت المنظمة أن هذه القرارات ستكون بداية سلسلة تحركات نضالية من أجل تحميل كل طرف مسؤوليته واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان مستشفى عمومي آمن وخدمة صحية لائقة.

وكان رئيس المنظّمة التونسية للأطباء الشبان جاد الهنشيري، طالب اليوم الجمعة، المسؤولين في قطاع الصحة في تونس بالمغادرة نتيجة عجزهم عن القيام بأبسط مهامهم، منتقداً ما يسود القطاع من عدم كفاءة وغياب أي روح للمسؤولية في صفوفهم.

كما دعا الهنشيري إلى تحميل المسؤولية إلى الجميع بدءاً من وزير الصحة، ومحاسبتهم سياسياً وقضائياً.

وشهدت وزارة الصحة حالة احتقان، إذ احتج إطارات وأعوان القطاع الصحي أمام الوزارة رافعين شعار "ديڨاج (ارحل)" لوزير الصحة.

الحادثة تلقي بضلالها على أشغال البرلمان

وألقت حادثة وفاة الطبيب بظلالها على أشغال الجلسة العامة بالبرلمان اليوم الجمعة، إذ تطرق أغلب النواب وفي تدخّلاتهم إلى هذه الحادثة المأساوية، فقد اعتبرت النائب عن ولاية جندوبة شادية الحفصوني بأنّ الطبيب المتوفي هو ضحية للدولة مستغربة من عدم اتخاذ وزير الصحة أي قرارات لإصلاح المصاعد رغم زيارته للمستشفي في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

وأشارت النائب خلال مداخلتها بالجلسة العامة المخصصة لمناقشة مهمة وزارة الصحة، إلى أن "ستة مصاعد بالمستشفى الجهوي بجندوبة معطلة منذ سنة ولم يتمّ صيانتها"، وأن "مستشفى جندوبة تُسيّره عصابات في ظل غياب مدير منذ أشهر"، وفق تعبيرها.

من جهته، وصف النائب عن دائرة جندوبة فيصل التبيني مستشفى الجهوي بـ"مستشفى الموت"، وقال إنّ "النواب يُمنعون من معاينة عديد الإشكاليات بالمؤسسات الأمنية و الصحية بدعوى عدم إقحام السياسة في هذه المجالات".

بدوره، اتهم النائب عن "منجي الرحوى" الحكومات المتعاقبة بـ"تشجيع القطاع الخاص مما تسبب في تحويل المستشفيات إلي مذابح و مسالخ"، وفق تعبيره. 

وقال: "آمن الدكتور الفقيد بالمستشفى الجهوي بجندوبة بالمصعد الاجتماعي إلا أن المصعد الآلي قضى على حياته".

وأضاف "نحن النواب مسؤولون على الوضع الذي يعيشه المواطن اليوم ويجب أن توضع سياسات حقيقية لخدمة مصالحه"، حسب تعبيره.

النائب عن كتلة الإصلاح الوطني "الصادق قحبيش"، قال إن "طبيب الصحة العمومية يحتضر في ظل ظروف العمل الصعبة واهتراء البنية التحتية للمؤسسات الاستشفائية".

وارتدى النائب قحبيش وهو طبيب، الثوب الأبيض خلال الجلسة العامة بالبرلمان، تضامناً مع زملائه الأطباء في رفضهم للأمر الحكومي عدد 341 لسنة 2019، الذي اعتبروه تقسيماً لأطباء الصف الأول.

وقال النائب "مهدي بن غربية" إن "الطبقة السياسية هي أصل المشكل"، متسائلاً: "كيف يمكن أن ننتظر من الأطباء أن يتجهوا للعمل في المناطق الداخلية مقابل أجر متدنٍّي في حين أن بإمكانهم العمل في مستشفيات خاصة مقابل خمسة أضعاف أجرهم أو العمل في الخارج في ظروف جيدة".

"منظومة الفساد تقتل شباب تونس"

وأثارت الحادثة أيضاً، سخط التونسيين على منظومة الفساد التي قالوا إنها "باتت تقتل أبناء الوطن"، مذكرين بحوادث بمشابهة لهذه الحادثة والتي كانت نتيجة استهتار المسؤولين، منها وفاة شابة تبلغ من العمر 21 سنة، إثر سقوطها في منشأة مائية لتصريف مياه الأمطار بالمنطقة الصناعية بالنفيضة التابعة بمحافظة سوسة.

وقبلها حادثة شبيهة عاشت على وقعها منطقة البحر الأزرق في المرسى، حيث سقطت الطفلة "فرح"، في 5 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، في بالوعة للصرف الصحي وتوفيت، لتخلف وفاتها استياءً وغضبًا كبيرين.

وكالعادة، مثلّت مواقع التواصل الاجتماعي، ملجأ التونسيين للتعبير عن غضبهم وسخطهم بسبب تواصل سياسة اللامبالاة، والاستهتار، وقد كتب في هذا السياق المحامي عبد الجواد الحرازي على صفحته الخاصة قائلاً إن "مصعد التعليم العمومي أوصله ومصعد الفساد قتله لروحه ألف رحمة، وللفاسدين والمفسدين المحاسبة الفورية".

كما كتبت الإعلامية جيهان اللواتي: "مصيرنا أن يبقى المصعد الاجتماعي معطباً طالما العائلات النافذة هي ذاتها و لم تتحقق في هذا الوطن العدالة الاجتماعية".

وكتب الصحفي لسعد بن عاشور "الواضح أن الحل المتبقي والضروري، هو حركة مواطنية احتجاجية سلمية لديها مطالب وطنية واعية ومسؤولة لمواجهة الطبقة الحاكمة الفاسدة ومن وراءها لوبيات الاحتكار والوسطاء والسماسرة والربح غير المشروع وأذرعهم في الإدارة والقضاء والأمن وكل القطاعات".

وأضاف: "يجب أن نتوحد في حراك وطني من أجل مطالب وطنية في الحد الأدنى تضرب منظومة الفاسدين والاحتكار والزبونية.. تطالب بتغيير النظام السياسي المأزوم.. تنقيح القانون الانتخابي وقانون الأحزاب والجمعيات..البكاء والتحسر والندم على الفيسبوك لن يغير شيء..في الوضع الراهن إرادة الشعب وحدها هي اللي تغير الوطن، من جمهورية مقبرة تنبعث منها رائحة الموت والاحباط إلى جمهورية فيها الحياة والأمل والكرامة الإنسانية".

وكان وزير الصحة فوزي المهدي أكد اليوم، أن "قطاع الصحة يدفع ثمن أخطاء متراكمة وخيارات قاتلة منذ سنوات خلقت أزمة هيكلية تعمقها يومياً كوارث يجب وضع حد لها"، وفق تعبيره.

وبيّن الوزير خلال الجلسة العامة المخصصة لعرض مهمة وزارة الصحة، أن "أول الأخطاء هي الخارطة الصحية التي لا تستجيب للمقاييس العلمية والحاجيات الصحية"، مشيراً إلى أن "القطاع الصحي يدفع اليوم ثمن تعدد المستشفيات من دون أن تحقق دورها الوظيفي في ظل غياب الإمكانيات المادية".

كما أضاف أن "تضارب المصالح وسوء الحوكمة وغياب المسؤولية والفساد بددت في موارد المالية وعمق من أزمة القطاع الصحي". 

وقال وزير الصحة: "كارثة جندوبة هزتني كإنسان ووضعتني أمام تحدٍ أخلاقي كطبيب ووزير تقتضي مني اتخاذ قرارات حاسمة".

ويذكر أن وزارة الصحة التونسية أكدت أنه "سيتم فتح تحقيق إداري فوري بالتوازي مع البحث الجنائي، بهدف تحديد المسؤوليّات وكشف الإخلالات وتفادي تكرارها".