"أم كلثوم" في ذكراها الـ46... أيقونة فنية وسياسية قومية ووطنية

"أم كلثوم".. تراث عابر للمكان والزمان، فدورها الوطني لم يكن مصرياً، فحسب بل كان عربياً وعالمياً، حتى أن "إسرائيل" حاولت السطـْو عليه.

  • سرق الاحتلال أم كلثوم وسرق أغانيها
    لا تحضر أم كلثوم من دون حضور جمال عبد الناصر 

بعد مرور 46 سنة على رحيل السيدة فاطمة إبراهيم البلتاجي الشهيرة بـ "أم كلثوم" التي ولدت عام 1898، في ريف مصر، ما زالت الحاضرة الغائبة، في كل الفعاليات والفنية المصرية، فبصمتها واضحة في كل التراث الثقافي الفني لمصر والعالم العربي.

"أم كلثوم".. حالة جامعة للمصريين

يشير مدير مكتب الميادين في القاهرة محمد ناصر إلى أن "أم كلثوم" ما زالت حاضرة عبر أغانيها التي يتم ترديدها عبر العديد من المحطات الفضائية العربية والمصرية، فضلاً عن الإذاعات العربية والمصرية.

اليوم هناك استدعاء لتراثها عبر أساليب جديدة، وحفلات يقوم بها أحد المنتديات الثقافية القاهرة عبر استخدام العرائس المتحركة، مشدداً على أنها تشهد حضوراً جماهرياً كبيراً. 

ويضيف ناصر أيضاً أن هناك حفلات تنظمها دار الأوبرا المصرية عبر فرقة الموسيقة العربية أو فرقة أم كلثوم والتي تشهد حضوراً كبيراً، والتي يتم فيها استدعاء تراث أم كلثوم، عبر العديد من الفنانين الشباب، شارحاً أن "هذا يعني أنها ما زالت حاضرة في ضمير الشعب العربي بشكل عام وفي ضمير الشعب المصري في شكل خاص. إلا أن هناك تراجعاً في الذوق في مصر وفي المنطقة العربية على مدار السنوات التي رحلت فيها أم كلثوم، إلا أنها ما زالت الغائبة الحاضرة فينا جميعاً".

لماذا لم تتكرر الحالة التي خلقتها أم كلثوم؟

بدورها، تؤكد مديرة مكتب الميادين في دمشق ديمة ناصيف أن الحالة التي صنعتها أم كلثوم نادرة، وهي جعلت الفن يمتّن المشاعر القومية ويؤجج العواطف تجاه القضايا الكبرى وخاصة عندما يكون هناك من يغني للقضية الفلسطينية والوحدة بين مصر وسوريا، وأيضاً أن يكون حاضراً، حيث نتحدث عن إمرأة خرجت من مجتمع محافظ وتمكنت من الوصول إلى هذه المكانة في قلوب ووجدان الجماهير العربية، خاصة في سوريا.

وتضيف ناصيف "لا تحضر أم كلثوم من دون حضور جمال عبد الناصر وذلك الزمن الذي كان يضج بالأفكار القومية، وهي استطاعت أن تكون رأس حربة في أحلام الكثير من العرب في ذلك الوقت، وربما استطاعت مصر وسوريا أن تصل إلى هذه الوحدة، والتي غنتها أم كلثوم في أغنيتني في "بعد الصبر ما طال" وأغنية ثانية "يا ربى الفيحاء"، مشيرةً إلى أن "الفيحاء" واحدة من ألقاب دمشق، وأنه لا نعرف إن كانت هذه الحالة من صنعت أم كلثوم أم هي من صنعت هذه الحالة.

استطاعت هذه المرأة أن تغدو موحية لكثير من النساء في ذلك العصر، في كل المكانة التي تصدرتها وعلاقتها المميزة مع عبد الناصر، وأيضاً لأن ذلك الزمن كان زمناً يصنع كل الحالة السياسية التي نظر لها العرب وأرادها العرب، في وقت تجلّت فيه الأفكار السياسية بشكلٍ كبير جداً، وهذا ما لم يسمح له بالاستمرار... ، لا شك أن هناك صوتاً استثنائياً وقد لا يكون هناك نفس ميزات هذا الصوت، لكن الحالة بحد ذاتها لم يرد لها أن تتكرر، بحسب ديمة ناصيف.

محاولات "إسرائيل" سرقة الحالة التي مثلتها أم كلثوم

من جهته، يشير محلل الميادين للشؤون الفلسطينية والإقليمية ناصر اللحام إلى أن "إسرائيل" تعرف أهمية أم كلثوم بالنسبة للعرب، شارحاً أن الأعداء الذين يراقبون أمة وسلوك أمة وتراث أمة يعرفون ما الغالي وما الرخيص، الاحتلال الإسرائيلي بأحزابه وعصاباته يدرك تماماً بأنه لا يوجد تقريباً في التاريخ المعاصر أمّة تجمع على مغني أو فنان لأكثر من 100 عام ويستمر ذلك ويعتبرون ذلك سحراً، لافتاً إلى أنه حتى "إديث بياف" الفرنسية لم تملك مثل هذا الإجماع.

وتابع اللحام شارحاً هذه معالم ثلاثة:

1- زارت أم كلثوم فلسطين عام 1931 عندما كانت يافا يافا وحيفا حيفا، وبعد ذلك غنت في القدس وكُتب وقيل أن الفلاحين الفلسطينيين باعوا الطحين من أجل أن يذهبوا إلى المدن وأن يستمعوا إلى أغاني أم كلثوم في بداية انطلاقها.

2- في سجون الاحتلال، ففي صبيحة كل يوم عند 6:30 إلى الـ7:30 كان هناك أغنية لأم كلثوم، شكلّت النافذة الوحيدة على العالم بالنسبة للأسرى، حيث تسمح مصلحة السجون الإسرائيلية ببث أغنية لأم كلثوم، مقابل أن يهدأ الأسرى وأن لا تكون هناك مشاكل، وكانوا يتعاملون معها كامتياز فإذا حصل إضراب أو عصيان من جانب الأسرى يقطع البث عن أم كلثوم وكل أسير عربي داخل سجون الاحتلال يعرف بأن "إسرائيل" كانت تستخدم أم كلثوم كمقايضة مع الفلسطينيين لمعرفتهم كم العربي يحب هذه المغنية. 

3- سرق الاحتلال أم كلثوم وسرق أغانيها وسرق الدراما العربية والدراما المصرية فترة من الزمن، حتى حين وقعت اتفاقية كامب دايفيد بين مصر و"إسرائيل" طلبت دور الإنتاج المصري من التلفزيون الإسرائيلي ثمن هذا البث المجاني لكل الأفلام المصرية، حين كانت "إسرائيل" تسرقه من دون حق.

الدور الوطني لأم كلثوم في الأوقات الصعبة

دور أم كلثوم الوطني لم يكن مصرياً، فحسب بل كان عربياً، ويتذكر مدير مكتبنا في مصر موقفها عند حرب الـ 67، عندما كانت تسجل أثنائها أغنية و"لله سلام يا سلاحي"، جاء في ذلك الوقت انذار أنه يمكن أن يقصفوا مركز الإذاعة والتلفزوين لكنها أصرت على البقاء وأكدت أنها تريد أن تستمر بالتسجيل في المبنى حتى لم تم قصفه.

وأضاف أن أم كلثوم لفتت العالم كله وقامت بجمع التبرعات من أجل دعم الحرب عام 67.

الحرب الثقافية والفنية على سوريا

تروي مديرة مكتبنا في دمشق أنه منذ إخراج مصر من المعادلة العربية الإسرائيلية، بدأ الاستهداف الثقافي المصري، مع العمل على أن لا تتكرر الظواهر التي تشبه أم كلثوم وكل الحالة التي شكلّتها، مضيفةً أنه في حرب 1973 كانت تُبث أغنية لأم كلثوم قبل النشرة الرئيسية للإذاعة الإسرائيلية لكي يبقى العرب يستمعون إلى النشرة التي يصدرها العدو ويتأثرون بالمعلومات التي تقدمها تلك النشرة. 

وبالتالي فإن الاستهداف بدأ منذ ذلك الوقت وبشكل بطيء جداً، وتجلى في صورة أكبر وأوضح خلال ما سُمي بـ "الربيع العربي" وكل الأزمات التي عاشتها الدول العربية.

هذا الأمر سبق سيطرة الشركات الخليجية على الإنتاجات التلفزيونية العربية فكرياً وأيضاً عبر السيطرة على النشر، والكتب والصناعات التلفزوينية أو السينمائية، وصولاً إلى تدمير الأسس الحقيقية والأساسية للتراث والثقافية العربية وخاصة دول بلاد الشام التي عاشت حضارات كبيرة كمصر وسوريا والعراق.

حجم هائل من الدمار للمواقع الأثرية، ونهبت تلك المواقع ليس فقط من جل تدمير التراث لهذا البلد وتدمير النسيج الإجتماعي والذاكرة التاريخية والثقافية وإنما أيضاً لتمويل ألة الحرب، بحسب تعبير ديمة ناصيف.

صحيح أن الثورات والمقاومة بحاجة إلى فنانين لكن شخصياتهم  بحاجة إلى ثورات أكثر و أكثر، فمن دون قضية سيحصل ضياع في وسط وهج النجومية، وهناك الكثير من الأمثلة.