"ماري".. الإيرانية التي حبست أنفاس أميركا

تصدرت صورتها الصحف الغربية خلال اندلاع الثورة في إيران، خطفت الأضواء، وجعلت الرئيس الأميركي جيمي كارتر يضبط إيقاع ساعته لحظة ظهورها. من هي معصومة ابتكار؟

  • "ماري".. الإيرانية التي حبست أنفاس أميركا

العالم بأسره كان ينتظر لحظة إطلالتها على الشاشة، حبست أنفاس أميركا على مدى 444 يوماً، واجتاحت صورتها الصحافة العالمية التي لقبتها يومذاك باسم "ماري"، إنها معصومة ابتكار، المتحدثة الرسمية باسم الطلاب الإيرانيين الذين اقتحموا السفارة الأميركية في طهران، واقتادوا دبلوماسييها رهائن، بعدما رفضت إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر تسليم الشاه محمد رضا بهلوي.

خطفت الطالبة العشرينية الأضواء، فكانت الوجه الأنثوي الأبرز للثورة الإسلامية عام 1979، والمصدر الوحيد لمعرفة مصير الرهائن، إتقانها للغة الإنكليزية فتح لها نافذة أطلت من خلالها على العالم لتكرس عهداً جديداً للمرأة الإيرانية.

ابتكار، كانت واحدة من بين مئات النساء اللواتي تصدرن الصفوف الأمامية للثورة، لتصبح بعد انتصارها من أولى المشاركات في الحكومة خلال عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، حيث عيّنت مستشارة ورئيسة لمؤسسة البيئة، ثم مستشارة للرئيس حسن روحاني لشؤون المرأة حتى يومنا هذا. 

المرأة.. من ميدان الثورة إلى عالم السياسة!

يزخر عالم السياسة الإيرانية بأسماء نساءٍ وصلن إلى أرفع المناصب، فبعدما ثارت المرأة إلى جانب الرجل لتخط بدمها تاريخاً هو الأهم في عمر الجمهورية، مقدمةً أكثر من 600 شهيدة، سعت إلى تعزيز مكانتها في مجتمعها الجديد، فتوجت جهودها بالمشاركة في صنع القرار السياسي، حيث صان الدستور الإيراني حقوقها، ومنحها حق الترشح والانتخاب.

ومن النساء البارزات كانت فائزة هاشمي التي دخلت البرلمان عام 1997 بأصواتٍ تجاوزت أصوات رئيسه، أما في عهد الرئيس السابق أحمدي نجاد فعيّنت مرضية وحيد دستجردي كأول وزيرة في تاريخ الجمهورية، وقبل أن تتولى منصبها الجديد كانت نائبة في البرلمان لدورتين، ثم مستشارة لرئيس السلطة القضائية.

وما بين دستجردي ومرضية أفخم، اسم وأهداف مشتركة لتعزيز قدرات المرأة وإبراز طاقاتها، عام 2013 عينت أفخم كمتحدثة باسم وزارة الخارجية التي عملت فيها لثلاثة عقود، فكانت أول إيرانية تشغل هذا المنصب، ومن ثم أصبحت سفيرة لبلادها في ماليزيا. ولا يمكن أن نغفل عن ذكر منيرة غرجي المرأة الأولى والوحيدة التي نجحت باقتراع شعبي في دخول مجلس خبراء صيانة الدستور الذي يضم حقوقيين ورجال دين.

المرأة بعد الثورة.. في كل الميادين 

تُعرفُ المرأة الإيرانية بقوة شخصيتها وصلابة موقفها وطموحها، بعد انتصار الثورة بدأ العمل على تحسين ظروفها وتفعيل مشاركتها، حيث ارتفع مستوى تعليم الإناث من 35% إلى 90%، وارتفع عدد الطالبات الجامعيات بشكل لافتٍ إلى 70%، كذلك أنشأت  الجمهورية عشرات الجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث الخاصة بالمرأة، ونشرت نحو 45 صحيفة ومجلة تعنى بالمرأة.

وإلى ميدان الرياضة حيث سجلت حضوراً لافتاً، فهناك أكثر من 38 رياضة تمارسها المرأة الإيرانية، وهي في الوقت نفسه تنافس مثيلاتها في العالم، وتتقلد الأوسمة والميداليات وتحتل المراتب الأولى. ومن أجل تعزيز هذا الوجود، تضاعف عدد الملاعب والأندية الخاصة بالنساء 30 مرة مقارنة بالنظام السابق، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عام 2019 شهد أول حضور للمشجعات الإيرانيات على المدرجات للمشاركة في تشجيع منتخب بلادهن.

وفي الوقت الذي تشتد فيه الهجمات التحريضية ضد إيران، نجد نسائها يقتحمن عالم السينما بأدوار رئيسية، بعدما كانت في عهد الشاه ثانوية ومحصورة بأدوار لا تليق بهن، هناك احصائية تشير إلى أن 4% فقط من الأفلام الأميركية منتجة من قبل النساء، في حين أن النساء الإيرانيات يشكلن 25% من مجمل إنتاج الأفلام الإيرانية، الأمر الذي يُعد فارقاً في تاريخ السينما. 

أما على المستوى القانوني، فشرعت الحكومة أكثر من 160 قانون خاصٍ بالمرأة منذ انتصار الثورة، آخرها كان الشهر الماضي، حيث وافقت على مشروع قانونٍ يهدف إلى توفير حمايةٍ أفضل للنساء من العنف الأسري، وكان عام 2019 قد شهد موافقة مجلس صيانة الدستور على تعديل يمنح الجنسية الإيرانية لأطفال النساء الإيرانيات المتزوجات من أجانب.

المرأة الإيرانية.. تتصدى للحرب الناعمة

منذ انتصارها فتحت وسائل إعلام غربية وإقليمية النار على إيران، وشنت حرباً ناعمة للعبث في الساحة الداخلية،  ولأن المرأة الإيرانية لديها هويتها الخاصة في المنطقة، استغلتها وسائل الإعلام الأجنبية للتحريض على النظام واتهامه بتقييد حريات النساء وقمعهن وتهميش أدوارهن، اتهامات ٌينسفها أرض الواقع، فلا يمكن لزائر طهران أو أي محافظة إيرانية آخرى، ألا يلحظ دور المرأة البارز والفاعل داخل المجتمع، بل والمتقدم على الرجل أحياناً. 

تواصل المرأة الإيرانية تقدمها بخطى واثقة وثابتة للحصول على مزيدٍ من المكتسبات والحقوق، فهي تدرك بأنه جزءا أساسيا في مواجهة الحرب التي تشن على أمتها وبلادها، ولهذا تبدو أكثر إصراراً على الدفع نحو تطوير قدراتها، وإذا ما أجرينا مقارنة بين واقع الإيرانية ومثيلاتها في دول مجاورة، فإننا سنجدها حتماً تتفوق عليهن في جوانب كثيرة، وتسبقهن بأشواط في مجال الحقوق والمكانة التي وصلت إليها. فإيران ومؤسس ثورتها الإمام الخميني الراحل كرس حقيقة لا تزال منسية في عدد من دول الجوار، حقيقةٌ مفادها بأن الرجال يصنعون عظائم الأمور، لكن النساء يصنعن رجالاً وأمة.