أيّ مفهوم لـ"الحياد" تطرحه البطريركيّة المارونيّة في لبنان؟

البطريرك المارونيّ بشارة بطرس الراعي وأمام تظاهرة في الصرح البطريركي في بكركي يربط الحياد بالحفاظ على الكيان اللبناني، والجموع تهتف شعارات تصف "الحزب" بـ"الإرهابي"، فهل يستقيم الحياد في ظل الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي؟

  • البطريركية في لبنان وحيادها.. أهداف وأجندات دولية
    الحياد الذي ينادي به البطريرك الراعي يلاقيه ويشجعه المتضررون من سلاح المقاومة

مشروع الحياد وربطه بمؤتمر دولي يضع يده على الأزمة اللبنانية. يتقدم ويفتح الباب على صراع جديد في لبنان تقوده البطريركية المارونية، وسط تجمع لمناصري أحزاب وتيارات سياسية معادية لمشروع الدولة والمقاومة.

كلمة البطريرك المارونيّ بشارة بطرس الراعي كانت رسالتها واضحة وهدفها واضح، الشعارات التي رفعت في الصرح البطريركي في بكركي من قبل الجموع كانت أيضاً واضحة. فرفع هتاف "حزب الله إرهابي" في قلب الصرح من قبل هذا الجمهور ليس بسيطاً، انطلاقاً من الحدث نفسه وما قيل فيه وما هتف به.

المقدمات التي تبرر هذا الهدف هي نزع لبنان من واقعه في خارطة الصراع، وتحييده كما لو أنه جزيرة معزولة عن محيطها وقضايه المصيرية.

فالحياد الذي ينادي به البطريرك يلاقيه ويشجعه المتضررون من سلاح المقاومة، وهم أصلاً جزء من مشروع غير محايد ومتورطون في أجندات إقليمية ودولية غير خافية على أحد، ولا تتفق فعلياً مع سيادة لبنان ووحدته.

السؤال هو كيف تستقيم الدعوة إلى تحييد لبنان في ظل الصراع مع "إسرائيل" التي تحتل جزءاً من أراضي لبنان، وتهدد بالعدوان عليه ونهب ثرواته النفطية؟ وهل مطلب الحياد ينسحب على الموقف من "إسرائيل" وبالتالي شطبها من خانة العدو الذي يتهدد الهوية والمصالح اللبنانية؟

لماذا رُفع شعار "حزب الله إرهابي" بالصرح البطريركي؟

في هذا السياق، قال الكاتب السياسي اللبناني غسان سعود في حديث للميادين نت إنه "لم يكن مستغرباً أن يهتف جمهور معادٍ لحزب الله بأنه حزب "إرهابي"، فقد سبق لهم التعبير عن هذا الموقف بأشكال مختلفة. إنما الغريب كان سكوت البطريرك عن هذه الهتافات، وقبوله بتحويله الصرح البطريركي إلى مساحة لشتم مكون لبناني بهذا الشكل، والتحريض عليه واعتماد التوصيف الأميركي - الخليجي - الإسرائيلي". 

وأضاف سعود أنه "بمجرد سكوت البطريرك عن هذا الهتاف هو موافقة عليه. وهو بالتالي انحياز واضح ومفضوح لجمهور ضد جمهور، ولمحور ضد محور"، معتبراً أنه "وباصطفافه العلني الواضح بهذا الشكل، يكون البطريرك قد دمر بنفسه كل منطق الحياد الذي ينادي به. مع العلم أن الكتاب المقدس يقول: (...) أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!".

وعليه، وفق سعود، على البطرك الالتزام بالحياد، ويلزم جماهير الصرح بالحياد، ثم يفكر بدعوة الآخرين للالتزام بالحياد. 

سعود: الحيادية تتناقض مع الحرية

سعود لفت إلى أن "الانقسام اليوم هو بين محورين: الأول يبدأ من حزب الله، يمر بإيران وسوريا والعراق وينتهي في روسيا والصين. والثاني يبدأ عندنا من تيار المستقبل والقوات اللبنانية وبعض المنظمات الدولية، ويمر بالسعودية والإمارات و"إسرائيل"، وينتهي في الولايات المتحدة".

الحرب هي بين هذين المحورين، وفقاً لسعود، لافتاً إلى أنه "من يريد تحييد لبنان من محور لا يمكن أن يكون جزءاً من المحور الآخر".

وأشار إلى أن "كل من كانوا في بكركي هم جزء من محور، يتلقون الدعم المالي والإعلامي والمعنوي من محور. ولا يمكنهم بالتالي الحديث عن الحياد لأنهم غير حياديين".

الكاتب السياسي اللبناني لفت إلى أنه "في لبنان، قلة قليلة جداً هي حيادية، فالمواقف السياسية والاجتماعية والاقتصادية تتناقض مع الحياد، وكل من لديه رأي لا يمكنه أن يكون حيادي". وبحسب سعود فإن "الحيادية تتناقض مع الحرية وحقوق الإنسان والطبيعة الإنسانية. حين تجد شعباً يقتل وتقرر أن تكون حيادياً هذا يعني أنك من دون مشاعر ومن دون كرامة ولست إنساناً".

الحياد يعني الاستسلام ونزع السلاح

وجواباً على سؤال "ماذا يعني الحياد؟"، قال محلل الميادين للشؤون العسكرية والأمنية شارل أبي نادر إن "من يطلب الحياد في لبنان اليوم في ظل الصراع مع العدو الإسرائيلي كأنه يطلب الاستسلام"، لافتاً إلى أن "الحياد يعني نزع السلاح ونزع القدرة لأن يكون هناك موقف سيادي يحمي لبنان ويحافظ على ثروته".

وبحسب أبي نادر، فإن "نقطة الخلاف الأساسية الآن والتي قد تكون مخفية، هي الثروات اللبنانية والتي هي بحاجة إلى الحماية".

وأشار إلى أن "من سيرعى الحياد هو المجتمع الدولي الذي يضغط على لبنان اقتصادياً من أجل إرضاخه كي يسلك مثلما سلكت بعض الدول العربية في مسار التطبيع"، ووفقاً لأبي نادر فإن "السلوك في مسار التطبيع يعني أن هناك توطين، وهذه رسالة أننا سنخلق لكم المشاكل، وسنضرب صيغة التعايش وسنعود ربما إلى حرب أهلية". 

سيكون لبنان، بحسب أبي نادر، على خط زلازل وسوف يستفرد به، مؤكداً أنه لا يمكن للبنان أن يقاتل أو يواجه هذه الضغوط الدولية والضغوط الإقليمية، وخاصة من "إسرائيل" منفرداً، إنما هو بحاجة لأشقاء يقفون بجانبه ويدعمونه، بحسب تعبيره.

وقال في السياق ذاته، "حتى الجيش اللبناني لا يسمح له بامتلاك أسلحة تحمي سيادته وتحمي أجواءه من اختراقات العدو"، مضيفاً أن "الضعيف دائماً سوف يكون مستهدفاً. إذ لا يمكن الوقوف على الحياد في ظل الهجمات الإرهابية على لبنان، فالأخير اليوم بحاجة إلى المقاومة".