اليمين الفرنسي المتطرف يتقدم على إيقاع العنف.. ومعركة الرئاسة حامية

الفرنسيّون أمام معركة رئاسيّة غير مسبوقة، والخيارات المتاحة صعبة، تفرضها الأوضاع الاستثنائيّة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من سنة، والتي شهد خلالها المواطنون ما لم يتخيلوا أن يحدث في بلادهم.

  • رئيسة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مارين لوبان خلال مؤتمر صحفي - 9 مارس 2021 (أ.ف.ب)
    رئيسة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مارين لوبان خلال مؤتمر صحفي - 9 مارس 2021 (أ.ف.ب)

الدولة الفرنسيّة بقيادة إيمانويل ماكرون مأزومة وسط عجز عن مواجهة التداعيات الكارثيّة لوباء كورونا، ومحاصرة بمعارضة متنامية واحتجاجات على عجزها عن إدارة الكثير من الملفات الداخليّة، أهمها ما بات يُعرف بـ"الإسلاموفوبيا" وبدعة "اليسار الإسلامي" والمسّ بالحريات العامة وتفاقم "الإرهاب"، وما يدور حولها من خلافات وجدالات فاقمت اضطرابات عميقة بين الأحزاب السياسيّة والنخب الأكاديميّة والفلسفيّة وداخلها.

في هذا المناخ من عدم اليقين والصراعات وفقدان وسائل التفاهم على مخارج مناسبة للجميع، تجد التيارات العنصريّة والقوميّة فرصة مناسبة للانتقال من مجرد التعبير عن مشاريعها المتطرفة إلى حيّز الفعل والإقدام على خطوات عمليّة.

من التظاهرات والتجمعات العنيفة بشعاراتها وهتافاتها ضد الأجانب والمسلمين، إلى الغارات على مراكز عبور اللاجئين في جبال الألب، مروراً بهجمات عنيفة استهدفت مكتبة للفرنسيين ذوي البشرة السمراء، وكتابة شعارات تهديديّة على جدران مساجد، والاعتداء على أفراد لمجرد الاختلاف في اللون أو العرق، تتقدم المنظمات اليمينيّة المتطرفة الفرنسيّة، ولا سيما حركة "جيل الهوية" (مهددة بالحل) ومنظمة "العمل الفرنسيّة"، خطوات بارزة لترجمة مشروعها المبني على صفاء العرق الفرنسي والاستبداد القومي.

ممارسة العنف من قبل منظمات اليمين الصغيرة تتنامى تحت مظلة من الرضا السياسي يوفرها "التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبان، التي تواصل رفع سقف خطابها السياسي ضد سياسات الهجرة والمسلمين واليسار، بينما يُمارَس استغلال مكشوف من قبل حزب السلطة "فرنسا إلى الأمام" ويمين الوسط، بالسكوت عن سلوكيات المتطرفين والتردد في اتخاذ إجراءات عقابية حاسمة، من دون ترجمة بعض الشعارات بضرورة مواجهة التطرف الأعمى.

ظاهرة التطرف في فرنسا قديمة وراسخة. وقد أوصلت أحد زعمائها الأكثر تطرفاً إلى المنافسة القويّة على إدارة قصر الإليزيه في 3 دورات انتخابية سابقة، لكن الهجمات الإرهابية في فرنسا في السنوات الأخيرة قدمت خدمات جليلة لعتاة التيار المتطرف، وفتحت لهم الأبواب لاحتلال المزيد من زوايا المجتمع والمراكز التشريعية فرنسياً وأوروبياً، باعتبار أنهم كانوا دعاة مواجهة المسلمين والأجانب الذين حُمِّلوا مسؤولية الهجمات والأحداث الدامية.

قبل نحو سنة من موعد الانتخابات الرئاسية، تبدو خطط التيار اليميني بجميع فروعه مرتكزة على تحقيق الحلم الأبدي بانتزاع رئاسة الجمهورية. لوبان، المرشحة الأشهر والأقوى بين شخصيات اليمين، تتقدم عبر خطة منهجية من محاور عدة:

-محور البناء على فشل يمين الوسط والجمهوريين، وطبعاً اليسار الاشتراكي، في بناء الدولة القويّة، والمراوحة في أداء دور التابع.

-محور العجز عن مواجهة الإرهاب وتوسع مفاهيم الانفصاليّة وتغلغل المهاجرين على حساب مصالح الفرنسيين.

-محور المسألة الأوروبيّة وضرورة خروج باريس من الاتحاد الأوروبي لحفظ ثروتها وإمكانياتها وهُويتها.

لتحقيق رؤى اليمين المتطرف من هذه المحاور الثلاثة، تضغط لوبان لإقناع الفرنسيين بصواب سياساتها المرتكزة على منع الهجرة إلى فرنسا وتصعيد المواجهة مع المسلمين ومحاصرتهم، على خلفية اتهامهم بالخروج على قيم الجمهورية والنيل من وحدة الأراضي الفرنسية، وتقسيم الخصوم وزرع الشقاق في ما بينهم، ووصم القوى الأساسيّة، مثل حزب "فرنسا غير الخاضعة"، بالخيانة والتعاون مع أعداء فرنسا، وأخيراً استغلال أزمات فرنسا الاقتصاديّة والمعيشيّة، وربطها باستمرار الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي، وتحميل ماكرون مسؤولية ذلك.

وسط ما يصفه اليسار الفرنسي بالتهديد الجدي لليمين المتطرف، برز أخيراً ما يوحي باحتمال عدم ترشح الرئيس الحالي ماكرون لولاية ثانية، ما يقدم لليمين المتطرف هدية ثمينة قد تزيل من طريقه المنافس الرئيسي، على الرغم من أن ماكرون وتياره ربما يقدمان مرشحاً آخر للمنافسة أمام مارين لوبان.

في انتظار وضوح برنامج الحزب الحاكم "فرنسا إلى الأمام" وخياراته الانتخابية، تبدو المعركة حامية بين اليمين المتطرف وحركة "فرنسا غير الخاضعة"، التي باتت عماد اليسار الوحيد والأمل الجدي بخوض منافسة في الانتخابات المناطقيّة للبناء على نتائجها، وصولاً إلى الانتخابات الرئاسيّة التي أعلن زعيم الحزب جان لوك ميلونشون ترشيح نفسه لخوضها.

المراقبون ليسوا في وارد المقارنة بين القوّة الانتخابية لمارين لوبان والقاعدة المناصرة لميلونشون. الأخير لم يحصد سوى 16% في الدورة الانتخابيّة السابقة، وليس واضحاً كيف يمكنه تحسين هذه النسبة في حال لم ينسج تحالفات ثابتة وجدية مع الحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الاشتراكي. يحاول قياديون في "فرنسا غير الخاضعة"، عبر برنامج ميلونشون الانتخابي، الوصول إلى تفاهمات مع الأحزاب والقوى المعادية لليمين المتطرف، بما فيها البيئيون والمستقلون، لتشكيل جبهة صد في وجه مارين لوبان، ولمنافسة أيّ مرشح لحزب "فرنسا إلى الأمام".

الفرنسيّون أمام معركة رئاسيّة غير مسبوقة، والخيارات المتاحة صعبة، تفرضها الأوضاع الاستثنائيّة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من سنة، والتي شهد خلالها المواطنون ما لم يتخيلوا أن يحدث في بلادهم كدولة عظمى هي السادسة في لائحة الأغنى في العالم: طوابير المحتاجين للطعام اليومي تتزايد في شوارع المدن الفرنسية بانتظار وجبات مجانية. المستشفيات تفيض بمرضى "كوفيد 19"، وتعاني نقصاً حاداً في وسائل الإنقاذ. التطرف يجتاح أراضي جديدة، والانقسام يتوسع عموديّاً وأفقيّاً.