مقتل عشرات الإسرائيليين في "جبل الجرمق": تقاذف اتهامات .. والبحث جار عن كبش فداء

لم يكد المستوى السياسي، لا سيّما الرسمي منه، يفرغ من الإدلاء ببيانات التضامن والتعزية، لأهالي القتلي والجرحى، حتى وجّهت له سهام الانتقاد المباشر بالمسؤولية عن التسبب بالكارثة، على خلفية ارضاء المتدينين الحريديم، في ظل أزمة تشكيل الحكومة.

  • الشرطة الإسرائيلية أدارت حرب اتهامات وتقاذف مسؤوليات، توزعت بين داخلية وخارجية
    الشرطة الإسرائيلية أدارت حرب اتهامات وتقاذف مسؤوليات، توزعت بين داخلية وخارجية

حادثة التدافع التي وقعت أثناء احتفالات "عيد الشعلة" اليهوي، في "جبل الجرمق" وأودت بحياة  45 إسرائيلياً متديناً، وإصابة قرابة 150 آخرين، فرضت نفسها بقوة على جدول الاهتمام الإسرائيلي السياسي، والإعلامي. 

في موازاة صدور بيانات الحزن والأسى والتضامن عن جميع المسؤولين السياسيين، دون استثناء، والإعلان عن يوم الأحد كيوم حزن وطني، تعرّض المستوى السياسي الرسمي لحملة انتقادات واتهامات، قادها الصحافيون والمعلقون في وسائل الإعلام، انتقادات طالت رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والدائرة المسؤولة المقرّبة منه، وتوسّعت لتشمل قادة الأحزاب الحريدية الضالعة في تنظيم الاحتفالات بالعيد. انتقادات أتت على خلفية سعي نتنياهو لإرضاء الحريديم وتعزيز تحالفه معهم في هذه الظروف السياسيّة الصعبة.

الشرطة الإسرائيلية، التي كان لها دور في تنظيم الاحتفالات، أدارت بالتوازي مع التحقيقات على الأرض لكشف ملابسات ما جرى، حرب اتهامات وتقاذف مسؤوليات، توزعت بين داخلية وخارجية.

حرب الاتهامات اندلعت، وبدأ البحث عن "كبش فداء"، على وقع تقارير إعلامية أعادت التذكير بتقارير سابقة صادرة عن جهات رقابية رسمية، مثل مراقب الدولة، حذرت من خطورة التجمعات البشرية الكبيرة في "جبل الجرمق" لإحياء هذه المناسبة السنوية، ودقت ناقوس الخطر تحذيراً من كارثة قد تقع، الأمر الذي وقع فعلاً.

نتنياهو ووزراء في قفص الاتهام

لم يكد المستوى السياسي، لا سيّما الرسمي منه، يفرغ من الإدلاء ببيانات التضامن والتعزية، لأهالي القتلي والجرحى، حتى وجّهت له سهام الانتقاد المباشر بالمسؤولية عن التسبب بالكارثة، على خلفية ارضاء المتدينين الحريديم، في ظل أزمة تشكيل الحكومة.

الانتقادات التي طالت وزيري الداخلية آرييه درعي "زعيم حركة شاس" ووزير الأمن الداخلي أمير أوحانا "ليكوي ومقرب جداً من نتنياهو"، اللذين عقدا اتفاقاً بينهما يتيح وصول المتدينين الحريديم إلى مكان الاحتفال من دون قيد أو شرط، وضغطا على الشرطة للسماح بذلك، لم يسلم منها رئيس الحكومة بنيامين نتيناهو، الذي يسعى الى تعزيز تحالفه مع الحريديم في هذه الظروف السياسية الصعبة.

التقارير والمعلقون أشاروا إلى أنه كان من الممكن تفادي "الكارثة"، لولا أن الحدث كان مدفوعاً بشكل أساسي برغبة من نتنياهو وحلفائه في الحكومة، في كسب تأييد الحريديم المتدينين "ذوي النفوذ السياسيّ في هذه الأوقات السياسيّة الفوضوية".

وفي معرض انتقادهم، أشار معلقون في الشؤون السياسية، إلى أن هذا الحادث أُدير "كما كل شيء: بشكل سياسي، حيث سعى نتنياهو الى إرضاء الأحزاب الدينية، عبر دخول غير مقيد إلى "جبل الجرمق".

التقارير الإعلامية ذهب جلّها في اتجاه تأكيد حصول ضغوط سياسيّة مارسها قادة الأحزاب الحريدية، لمنع تقييد عدد المشاركين في الاحتفالات. وأشارت التقرير إلى أن وزير الداخلية، أرييه درعي أصرّ في اجتماع تحضيري، عُقد قبل أيام من الحادثة، على أن تتعامل السلطات مع الاحتفالات في جبل الجرمق كتعاملها مع الصلاة في الحرم القدسي "من قبل الفلسطينيين"، أي بدون قيود على عدد المشاركين.

ولفت تقرير إلى أن "درعي"، كان قد تعرّض لهجوم من قادة كتلة "يهودت هتوراه" [التي تمثل الحريديم الأشكيناز]، وصفته بأنه كان "متواطئاً" مع وزارة الصّحة، التي أرادت الحدّ من تكدّس الحشود في موقع الاحتفال. الأمر الذي دفع درعي إلى التراجع، والمطالبة برفع القيود عن حجم المشاركة.

وانتقد معلّقون الفوضى السياسية التي أوصلت –برأيهم- إلى "الكارثة"، بالقول إن "إسرائيل تُدار بقوة القصور الذاتي. الخدمة الحكومية منهارة. نسبة لا بأس بها من المناصب الرسمية الرفيعة المستوى غير مشغولة. أو هناك قائمقام مؤقت، أو ببساطة المنصب خالٍ".

الشرطة الإسرائيلية وحرب الاتهامات

لم تسلم الشرطة الإسرائيلية، التي كان لها حضور وإجراءات في مكان الحادثة، من حرب الاتهامات التي اندلعت في أكثر من اتجاه، وهي شاركت في تقاذف المسؤوليات والاتهامات على أكثر من خط:

داخلي، بين كبار مسؤوليها، تمثّل في محاولة المفتش العام للشرطة، "يعكوف ( يعقوب) شبتاي" إبعاد كرة النار عنه وإلقائها في حضن قائد اللواء الشمالي في الشرطة، شمعون لافيه، الذي سبق أن أعلن تحمّله مسؤولية ما حصل بحكم منصبه.

خارجي، تجاه الحريديم الذين يديرون المقام الديني، من خلال تحميل المشاركين في المناسبة والمسؤولين عنهم، مسؤولية ما حصل بسبب الحشود غير المحدودة وغير المنضبطة، بما يتناسب وقدرة المكان على الاستيعاب من جهة، وعدم مراعاة إجراءات السلامة والالتزام بالتعليمات من جهة ثانية.

خط ثالث سياسي، عبر اتهام ضباط كبار من الشرطة الوزراء الذين مارسوا ضغطا كبيرا على الشرطة من أجل أدخال أعدادا  كبيرة من الزوار إلى الجبل. وفي الموازاة اتهمت قيادة اللواء الشمالي في الشرطة وزارة الأديان بالمسؤوليّة، ووجهت أصابع الاتهام، تحديداً، إلى مسؤول الأمن ومهندس الوزارة، الذي فحص المكان وصادق على صلاحيته لإقامة الاحتفالات.  

وفي دلالة على وجود شبهات بمسؤولية الشرطة عن الأحداث، بدأ قسم التحقيقات في وزارة القضاء (ماحاش) تحقيقًا في الأحداث.

تحذيرات سابقة

حرب الاتهامات تأججت على وقع تقارير إعلاميّة أكدت وجود تحذيرات سابقة صادرة عن جهات رقابية رسميّة، مثل تقرير مراقب الدولة، من خطورة التجمّعات البشرية الكبيرة في "جبل الجرمق" لإحياء هذه المناسبة السنوية، ودقّت ناقوس الخطر تحذيرا من كارثة قد تقع.

وذكر معلقون أنه منذ 15 عاماً وجهات عديدة تحذّر من عدم صلاحية المكان لإستيعاب هذه الحشود في كل عام. منها مراقب الدولة، الذي خصص تقريرا لهذه الغاية، وكشفت تقارير إعلامية عن وثيقة صادرة عن الشرطة في العام 2016، تحذر من وقوع كارثة في احتفالات "عيد الشعلة" بالعبرية "لاغ باعومر"، كما أن تحذيرات مماثلة صدرت عن حاخامون أوصلوا صوتهم إلى محكمة العدل العليا.