عن الشهيد بدر الدين.. رعد للميادين: قائدٌ ترك بصمات إبداعية في العمل المقاوم

من هو الشهيد مصطفى بدر الدين؟ وكيف كانت علاقته بالشهيد الحاج عماد مغنية ومع رفاقه في المقاومة.. النائب في كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد يتحدث بإسهاب للميادين عن مسيرته النضالية في المقاومة.

  • رعد للميادين: الإبداع في انتاج قدرات جديدة للمقاومة، هو فيضٌ مما أسّسه الشهيد بدر الدين
    رعد للميادين: الإبداع في إنتاج قدرات جديدة للمقاومة، هو فيضٌ مما أسّسه الشهيد بدر الدين

تناول رئيس كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني النائب محمد رعد مسيرة الشهيد مصطفى بدر الدين ذو الفقار في الذكرى الخامسة لاستشهاده وعلاقته بالشهيد الحاج عماد مغنية، ضمن برنامج "المشهدية" على قناة الميادين، وقال "قائدٌ تمرّس على القيادة لكنه بذل جهداً كبيراً، منذ طفولته وصباه وكان مولعاً بالمواجهات، وحساساً إزاء الظلم، لا يطيق أن يرى ظالماً، وهذه الحساسية المرهفة جعلته شديد الحماسة للمقاومة وللتحدي، الأمر الذي قوّى موقعه في مواجهة الذين يظلمون الناس". 

وأضاف رعد أنه "نتيجة الظروف في لبنان وبسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتعاقبة، والتهجير المتواصل والمتكرر لأهلنا في الجنوب إلى بيروت وضواحيها، والاستبداد والاهمال المتراكم من قبل السلطات في البلاد، كل ذلك دفع بالشهيد بدرالدين وهو القاطن في حّيٍ فقير من أحياء الضاحية الجنوبية أن يواجه الظالمين. وكان يصلّي في المسجد صلاة المقاومين الذين يهيّؤون أنفسهم لمرحلة مواجهة صعبة".

منهجية الشهيد بدرالدين في العمل المقاوم

وأشار رعد إلى أنه فضلاً عن روحه المقاومة، أضفى الشهيد بدر الدين على عمل المقاومة منهجية خاصة، من خلال رسم الأهداف، وطرق الوصول إليها، والوسائل المعتمدة، من التوقيت والزمان والمكان، إلى اختيار الأشخاص المناسبين وغير ذلك، مشيراً إلى أن "كل هذه البرمجة والمنهجية كانت توضَع على طاولته حين كان يريد أن يهمّ بأي عمل يُطلَب منه أن يتحمل مسؤوليته في المقاومة".

وتابع رعد متحدثاً عن الشهيد بدر الدين: "كان يحمل همّ المقاومة. وعلى الرغم من أنه شكل توأمة مع الشهيد القائد عماد مغنية، فهما شخصيتان مكمّلتان لبعضهما البعض، إلا أنه بقدر سكون وهدوء الحاج مغنية واستبطانه غلياناً داخلياً، وبقدر ما كانت تسع مساحة القدرية والعفوية في أدائه، بقدر ما كانت تضيق هذه القدرية أثناء التخطيط وتتسع أثناء التنفيذ عند الحاج بدرالدين". 

وقال رعد إنه "من الصعب التمييز بين خبرتي الشهيدين، لكن ممكن أن نميّز بين روحية هذا القائد في أداء هذه التجربة وروحية ذاك القائد في أداء تلك التجربة في بعض التفاصيل الصغيرة".

فالشهيد بدرالدين وفق رعد "لا يستطيع أن يقوم بعملٍ كيفما كان، فيما أن نسبة القدرية في أداء الشهيد مغنية كانت تدفعه إلى أن يبادر ثمّ يستدرك، بينما عند الحاج مصطفى لا، يجب أن يوضَع كل شيء ويُخطَط له ثمّ يبادر وهذا فارق أيضاً ينعكس منهجياً".

قائد منظّم في فكره، منظمّ في أدائه

وعن ما سطّره الشهيد مغنية، مع دخوله في العمل المقاوم، من خلال شخصيته، أوضح رعد أن الميزة التي يمكن أن تُسجَّل، للشهيد مغنية بدأت مع نشأة المقاومة كمجموعات في فترةٍ أثناء مواجهة الاحتلال وتحوّلت هذه المجموعات إلى جمهور حاضن للمقاومة ولخيارها، وأصبحت المقاومة حالة معه، ثم تحولت إلى جيش.

وأكد رعد أن الذي يعرف الشهيد بدر الدين يدرك أنّه "قائد منظّم في فكره، منظمّ في أدائه، مثل في موضوع التصدي في الحروب، وتبادل الأسرى، والكمائن".

وأشار رعد إلى أن "الشهيد مغنية واكب كل مرحلة المقاومة حتى التحرير، وكان يعرض قدرته التنظيمية الباهرة من خلال استعراضات يوم القدس في مرحلة كم المراحل، ثمّ انقطعت هذه الاستعراضات بسبب ظروف محلية".

ولفت إلى أن "الشهيد بدرالدين وجد في مرحلةٍ أنّ هذه المقاومة أصبحت جيشاً، والجيش له قائد، ومع وجود السيّد حسن نصر الله لا قائد لهذه المقاومة غيره". 

رعد أن "الشهيد بدرالدين هو صاحب فكرة الإعلام الحربي، التي ما زال استخدامها في كل الساحات لأنه هو مَن اختار هذه التسمية". 

وكشف رعد أن "الشهيد بدرالدين كان يقبّل أيادي إخوته المقاومين، ويكون في خدمتهم، يبكي أمامهم، وعندما كان يظنّ أنّه أساء إليهم كان يعتذر منهم. وهذه الحالة لا يستطيع أن يُظهرها أمام الآخرين لأنه يرى فيها نقطة ضعف لا يجب أن ينقلها الآخرون عنه، هذه الميزة كانت من ميزات شخصيته ومن ثقافة المقاومة". 

معركة أنصارية

وعن "كمين أنصارية" قال رعد إنها "أهم المحطات في حياة الشهيد بدر الدين، كانت له تكتيكية خاصة، وهي من العمليات الجريئة في العمق، لم يكن كميناً روتينياً".

وعن استلام الشهيد بدرالدين الدفّة بعد الشهيد مغنية، كرر رعد أنهما "كانا توأمان منذ البدايات، وشريكان في كل شيء، وبعد استشهاد مغنية في 2008 لم يكن الوقت متسعاً لكي نلحظ التغيرات على شخصية الشهيد بدرالدين، خصوصاً أنّ أحداث سوريا التي اضطرت الحزب لكي يشارك دفاعاً عن لبنان فيها فرضت أداءً مختلفاً عن أداء المقاومة في مواجهة العدو الإسرائيلي، وكان هذا تحضير".

وتابع: "هناك طبيعة العدو، اختلافه العقائدي عن العدو الصهيوني، اختلافه في أدائه العسكري عن أداء العدو الإسرائيلي، مستوى الحقد الذي لديه ضد المقاومة كمنظومة اعتقادية أيضاً، وليس فقط كمنظومة جهادية".

ورأى رعد أن "كل هذا أدّى إلى تغيير كبير لدى شخصية المقاوم، وفي طبيعة التنظيم القتالي، فالاعتماد الأمني غلب على الاعتماد العسكري في المرحلة الأولى، ثمّ وُظّف الاختصاص الأمني في خدمة الحضور العسكري الواسع".

وأشار رعد إلى أن "الحاجة إلى غرف عمليات كبرى، يحتاج لمواكبة للأسلحة الجديدة والتدريبات، التي ما كان للمقاومة أن تستخدمها في ساحة الجنوب ضد العدو الإسرائيلي وتيسّر لها أن تستخدمها في مناورات حقيقية ضد العدو التكفيري الارهابي في سوريا". 

وعن أفكار الشهيد بدرالدين في هذه المرحلة، وماذا كان يقرأ ويرى، خاصة أنّ حرب تصفية القيادات كانت قد بدأت في سوريا، أشار رعد إلى أن "الشهيد بدرالدين في هذه المرحلة كان قد تسلّم  القيادة في سوريا وكانت حمص وضواحيها ومحافظتها قد خرجت من المخاطر، وتوجّه التفكير نحو حلب، وأصبحت المعركة الفاصلة التي قصمت ظهر الارهاب التكفيري في سوريا هي معركة حلب، ودأب على أن يحضّر لهذه المعركة".

 الأب الحنون والصبور

وبالحديث عن الشهيد بدر الدين، كانت شهادة من ابنته زهراء تحدثت فيها عن شخصية والدها الأبوية والمقاومة وحياته بين عائلته، وعن التضحيات التي قدمها، والصبر الجميل الذي تعلمته العائلة بفضله. واعتبرت أن هذه التضحيات كانت في المقلب الآخر فرج لشعوب مظلومة.

وعقّب رعد على كلام ابنة الشهيد وقال إنه كان يمارس دور الأبوّة، في عائلته الكبرى يعني في منزل والده ووالدته كان يمارس دور الابن البار، كان يحرص دائماً على رضا والدته وأن يأكل من طعامها. وأحياناً عندما ينتاب الأم بعض الضجر من كثرة المغيب والسفر والابتعاد، وكانت تقول له "يا ماما اجلس قليلاً وارتح قليلاً"، يقول لها: "إن كان هذا بغير رضاكِ أنا أتوقف، لكنه إن كان برضاكِ سأكمل".

وتابع: "هذا من جهة، من جهة أخرى مع أبنائه حنانه يتدفق، نحن لم نلحظه مع أبنائه، لحظناه في غيبته عن أبنائه كيف كان يتّصل بهم، كيف كان يعتب على ولده لأنه قصّر في الدرس اليوم، كيف كان يحلم بأن يكون ولده علي من الأبطال البارعين في دراستهم".

المقاوم المثقف

الشهيد بدرالدين مقاوم بعقل علمي، مثقف جداً. بدأ دراسته الجامعية في الجامعة الأميركية في بيروت ثم انتقل إلى الأميركية اللبنانية، وتخرج منها عام 2005. 

وفي هذا الإطار اعتبر رعد أنّ "سعة الأفق مع التحصّن العقائدي تغلق منافذ وثغرات يمكن أن ينفذ منها العدو ليصوغ شخصية بديلة داخل هذا الجسم المقاوم الماثل أمامك. والشهيد بدر الدين لم يكن من أولئك الذين يفتحون الثغرات أمام أعدائه، كان يتحرى ما يترصده الأعداء في شخصية ويحاول أن يغلق المنافذ أمامه".

المقاومة في سوريا في مواجهة التكفيريين

وعن العمل المقاوم الذي أرساه الشهيد بدرالدين في سوريا حتى يومنا هذا، كشف رعد قائلاً: "في سوريا كنّا جيشاً يقاتل، والجيش له متطلباته الكثيرة وأحياناً تحصل نواقص، وأحياناً يحتاج إلى الاستعانة ببعض المتعبين الخارجين من معركة ما ليوفّروا الدعم لإخوان لهم يخوضون مواجهةً أخرى في مكان ما".

وتابع رعد: "هذا يتطلّب حزماً ويتطلّب شدة في التعامل لأن الواقع يفرض تلك المعاملة. وكان الشهيد يتعامل بلحاظ متطلبات تلك المرحلة وليس بلحاظ متطلبات التعامل مع متطوعين، كان يريد أن يجعل من هؤلاء المتطوعين الذين بلغوا سنّ رشدٍ في تطوعهم ومقاومتهم أن يتحولوا الى جيش منظم يؤدي المهام المطلوبة منه بكل أريحية وبكل تقبّل".

وأوضح رعد أنه "مع العدو الإسرائيلي نحن لم نستخدم كتائب في مواجهة العدو الإسرائيلي، وكنّا نستخدم مجموعات صغيرة، مع التكفيريين، وهذه كانت صوابية من قرارته في التعامل مع العدو في سوريا، والتي عبّر عنها القادة الروس والقادة السوريون، لأنّه كان الأمر يحتاج الى مثل هذا الحزم وهذه السرعة وضرورة الحسم، وهذه ديناميكية كان يتمتع بها الشهيد بدرالدين".

معركة القلمون السوري

وبالنسبة لمعركة التخطيط لتحرير القلمون السوري، والحروب النفسية، أشار رعد إلى أن "منشأ هذه الفكرة لدى الشهيد بدر الدين كانت أن نقوم بأعمال يجب أن تُسجَّل في التاريخ، وإذا لم نسجّلها نحن سيسجّلها خصمنا بطريقته، فلماذا نعطي هذه الفرصة للعدو؟ يجب أن نحكي سيرتنا ومنهجيتنا في الحرب ويجب أن يفخر أجيالنا من بعدنا بما قدمناه من إنجازات".

ولفت رعد إلى أن "هذه أحد ميزات ومظاهر بعد النظر وسعة الأفق في الحقيقة لديه. هناك في الحقيقة جوانب مخبوءة في شخصيته لا يعرفها إلا من قاربه، مثلاً الذي يجد بدرالدين في الصورة النمطية التي وُزّعَت عنه يجده شخصاً منظّماً مرتّاً أنيقاً له هيبته جدّي، يتحمل المسؤولية".

وعن خسارة هذه الشخصيات المقاومة في واقعنا اليوم، أكد رعد: "نحن خسرنا النموذج الحي الذي كانوا يمثلونه سواءً على مستوى القيادة أو على مستوى التعاطي مع الاخوة ومع وقائع المقاومة، لكن هذا النموذج الحي استُنسخ، هو لا يُستنسَخ بكامل المواصفات، ربّما يُضاف عليه محسّنات في المستقبل، لكن الأمر يحتاج إلى فترة زمنية، يحتاج الى خبرة أيضاً، يحتاج إلى ظروف مشابهة".

كما أكد قائلاً: "مع تجربتنا مع الحاج عماد والشهيد الحاج مصطفى أصبح لدينا في جعبتنا الكثير الكثير من القيادات المؤهَّلة لكي تقدّم نماذج حيّة على مستوى القيادات الكبرى في المقاومة، يعني الإمكانات الواعدة لديهم، النموذج الذي رسم سقفه لشخصية القيادي الكبير عماد مغنية ومصطفى بدر الدين صار النظر الى ما فوق هذا السقف، وهذا من شأنه أن يطوّر أداء المقاومة وأداء شخصياتها القيادية".

الشهيدان مغنية وبدرالدين أسسا قدرات مستقبل المقاومة 

وعن الإرث الذي أرساه وتركه الشهيد بدرالدين في العمل المقاوم، أكد رعد أنّ "الأمر دقيق في هذا المجال"، مشيراً إلى أنّ "مساحةً واسعةً من الدقّة والإتقان والإبداع في إنتاج قدرات جديدة للمقاومة، هو فيضٌ مما أسّسه الشهيد بدر الدين. وهناك أمور تحتاج الى إتقان وليس فقط دقة، تحتاج اتقان في الشكل والمضمون".

وعن الارتباط بالمقاومة الفلسطينية، وحملة التشويه لقيادات المقاومة، قال رعد إننا "حين نسلّم بأنّ المقاومة القيادية عمل مبدعٌ ويجب أن يكون مبدعاً لا تحاصره الإمكانات، يتسلل إلى حيث يريد لينتزع تلك الامكانات انتزاعاً، سواءً كانت هذه الإمكانات خبرة آخرين أو انتاج آخرين أو ملك آخرين أحياناً".

وتابع: "على كل حال تجارب المقاومة تمت الاستفادة منها بكل وضوح من خلال كل ما أدّته المقاومة من عمليات، وهذا ليس حافياً، نحن استفدنا من تجارب المقاومة عبر التاريخ وليس فقط من المقاومة الفلسطينية".

وفيما أكد أن نوعية السلاح الذي يشكّل خطراً بات العدو يعتبره وجودياً. ومنها الصواريخ، والمسيّرات، إلا أن رعد قال: "اتركوا لنا شيء نُريكم اياه في مواجهة الاعتداءات المقبلة"، لأنه "أحياناً المفاجآت مطلوبة في وقتها".