يوم القدس: مدينة المعاجز بلا احتلال

القدس الواقعة في قلب تاريخ فلسطين والعالم العربي تعرضت خلال قرن ونيّف لتغيرات سياسية وشعبية عدّة في محاولة لتغيير هويتها.

  • يوم القدس: مدينة المعاجز ليوم بلا احتلال
    تشكّل مدينة القدس رمزاً روحياً في الأديان السماوية الثلاثة

تشكل القدس المحتلة نموذجاً مصغراً عما جرى في فلسطين كافة، فالمدينة التاريخية ذات الكرامات السماوية والحضور السياسي في تاريخ السلطنات والإمبراطوريات اتُخذت رهينة منذ ما يزيد عن قرن، بدءاً من الاحتلال البريطاني وحتى الاحتلال الإسرائيلي. واليوم، وليس كنهاية لرواية القدس، يخوض المقدسيون معاركهم من أجل رفع يد السلطات الإسرائيلية عنها.   

القدس مهد الأديان السماوية

تشكّل مدينة القدس رمزاً روحياً في الأديان السماوية الثلاثة، فلقد مرّ بها أنبياء عظام، حجّوا إليها أو عرجوا منها إلى السماء أو شيدوا فيها حاضرة ومركزاً للمؤمنين.

حسب النصوص اليهودية، والتي لم تجد حتى الآن ما يثبتها أركيولوجياً، فإن أنقاض هيكل النبي سليمان الذي أصبح ملكاً علي بني إسرائيل بعد موت أبيه داوود ما بين عامي 965 و928 ق.م، تقع تحت المسجد الأقصى، لكن هذا الادعاء لم يظهر إلا في وقت متأخر أي بحدود القرن 19، في سياق خلق حجج تمهّد إصدار وعد بلفور والسعي لتشييد دولة قومية لليهود على أرض فلسطين. 

وبناءً على هذه الادعاءات طالبت المنظمات اليهودية بملكية حائط البرق أو "المبكى"، وهو الحائط الذي يعتقد المسلمون أن الرسول محمد (ص) ربط عنده دابة البراق بحلقة الأنبياء فيما يعتقد اليهود أنه ما تبقى من الهيكل، لإقامة الصوات اليهودية عنده، الأمر الذي رفضته عصبة الأمم عام 1930 بناءً على تحقيق خلص إلى أن ملكية الحائط وما يجاوره من أماكن‏ تعود إلى المسلمين، لكن ذلك لم يلق قبولاً في الأوساط الإسرائيلية التي حاولت شراء الحاط تارةً أو تخصيصه للمصلين اليهود بالقوة تارةً أخرى.

التراث المسيحي كذلك ينبئ عن تعظيم للقدس أو "أورشاليم"، فالمدينة كانت محجّاً للسيد المسيح وموطناً لإبلاغ كلمته ورسالته، وفي كنيسة القيامة التي تعدّ واحدة من أبرز الكنائس لدى المسيحيين في كل أنحاء العالم وقع موت السيد المسيح وصلبه وبعثه.

وتدار الكنيسة اليوم من قبل ممثلين عن مختلف الكنائس، فهناك بطريركية اليونان الأرثوذكس، والفرانسيسكان من كنيسة الرومان الكاثوليك والبطريركية الأرمنية، بالإضافة إلى الأقباط، والأثيوبيين، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية.

كما تضم أطراف مدينة القدس، وتحديداً بيت لحم، كنيسة المهد وهي الكنيسة التي ولد فيها السيد المسيح، والتي بناها الإمبراطور قسطنطين عام 339 وتعتبر من أقدم كنائس فلسطين والعالم.

  • قبر السيد المسيح في كنيسة القيامة
    قبر السيد المسيح في كنيسة القيامة

أما إسلامياً، فتكتسب القدس أهمية كبرى أولاً لأنها تعد مهد الرسالات الإبراهيمية، وثانياً لأنها كانت محلّ عروج رسول الله محمد (ص) إلى السماوات واقترابه من ربه. وبالإضافة إلى ذلك، تضمّ القدس ثاني مسجد وضع على الأرض بعد المسجد الحرام أي المسجد الأقصى الذي ذكر في القرآن، والذي يعرف بالقبلة الأولى حيث صلّى إلى ناحيته المسلمون في بداية عهد الإسلام قبل أن ييموا وجوههم بعد ذلك تجاه المسجد الحرام في مكة.

القدس ضحية احتلالين وصمت "الأمم"

سيطر البريطانيون على مدينة القدس في 9 كانون الأول/ديسمبر 1917، وأنشأت بريطانيا حكومة عسكرية في فلسطين، قبل أن تكمل احتلالها لشمال فلسطين، في أيلول/سبتمبر 1918، الأمر الذي مهّد لإعلان وعد بلفور القاضي بإقامة دولة قومية لليهود في فلسطين ووضعه موضع التنفيذ.

شمل الانتداب البريطاني معظم الأراضي الفلسطينية، وكانت مدينة القدس التي دخلها  الجنرال إدموند ألنبي فاتحاً بعد الانتصار على القوات العثمانية، عاصمة الانتداب ومقرّ الحاكم البريطاني ومؤسسات حكومة الانتداب. 

استغلّ اليهود الانتداب البريطاني لحماية هجراتهم الاستيطانية نحو فلسطين، والتي كانت قد بدأت خلال الربع الأخير من القرن الـ19، وأسسوا الوكالة اليهودية التي نشطت في تسهيل عمليات الهجرة اليهودية من الدول الأوروبية إلى "الأرض الموعودة"، وجذب رؤوس الأموال في الخارج من أجل تشييد البنى التحتية اللازمة لاستيطان اليهود وتأمين الحماية لهم، وذلك تمكنت الحركة الصهيونية خلال فترة الانتداب الذي استمر لما يزيد عن عقدين ونصف مأسسة وجودها في فلسطين والقدس خصوصاً وبناء المستعمرات. 

تدفق المهاجرون اليهود إلى القدس برعاية بريطانية بل نالوا غطاءً دولياً شرّع لهم مشروعهم الاستيطاني، فقد وافقت عصبة الأمم في قرارها الصادر بتاريخ 24 أيار/مايو 1922 على الانتداب البريطاني وطلبت من حكومة المملكة تنفيذ وعد بلفور القاضي بـ"إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين". 

بدأت ملامح تهويد القدس تظهر بوضوح مع بناء أولى المستعمرات على هضاب القدس، فبنيت المستعمرة الأولى "روميما" عام 1921 وتلتها "تل بيوت" عام 1922 إلى أن بلغ عددها 16 مستعمرة وضاحية عام 1948. 

  • سمح الفلسطينيون للمهاجرين اليهود بممارسة طقوسهم عند حائط البراق
    سمح الفلسطينيون للمهاجرين اليهود بممارسة طقوسهم عند حائط البراق

وكان الاستيطان الصهيوني متسماً بالتخطيط والتقدير لضرورات البقاء، ولهذا بنيت الجامعة العبرية في القدس عام 1925، والتي أسسها الصهيوني الرائد حاييم وايزمن برعاية سلطات الانتداب في 24 تموز/يوليو 1918 أي قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى ببضعة أشهر، لتكون شاهدة على قدم المشروع الاستيطاني في القدس.

وأقيمت مؤسسات صهيونية إضافية على هضبة جبل المشارف في الجهة الشمالية الشرقية من المدينة القديمة،  للإشراف على شمال المدينة والقرى المجاورة، ما يظهر أطماع السيطرة التي ابتدأت في سنوات سابقة على إعلان "دولة إسرائيل". أما إدارياً فبعد زيادة أعداد اليهود في القدس، سعت الحركة الصهيونية للسيطرة على بلدية القدس رغم تفوّق الفلسطينيين سكانياً، وذلك بتسهيلات من الإدارة البريطانية التي وضعت قانون الانتخابات في عام 1926 يتيح حق الانتخاب لدافعي الضرائب حتى وإن لم يكونوا من أصحاب الأملاك بل مستأجرين فقط.

وبعد سيطرة الملّاك اليهود والميليشيات الصهيونية على أجزاء كبيرة من فلسطين باستخدام سياستي الترغيب والترهيب، وانتهاء الحرب العالمية الثانية وتحضّر بريطانيا للانسحاب تحت وطأة الرفض الفلسطيني لها ولسياساتها التي رسخت سيطرة الصهاينة، صادقت الجمعية العام للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 على إقامة "دولة قومية لليهود" وأخرى فلسطينية، على أن تكون القدس في جزء مستقل وتحت وصاية الأمم المتحدة. اللجنة العربية العليا لفلسطين رفضت هذا القرار، كما رفضته الدول العربية، أما المنظمة الصهيونية فقبلت به وإن كانت تطمح للسيطرة أيضاً على القدس وباقي الأراضي الفلسطينية.

انسحبت بريطانيا من فلسطين، في 14 مايو/أيار 1948، وفي اليوم نفسه أعلن ديفيد بن غوريون "قيام الدولة اليهودية في أرض إسرائيل"، متذرعاً بـ"الحق الطبيعي والتاريخي وبقوة القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة". 

نكسة 1967 واحتلال أجزاء أوسع من القدس

كان لنكسة حزيران/يونيو سنة1967 أثراً سيئاً كبيراً على القضية الفلسطينية، حيث انتهت الحرب التي اندلعت بين "إسرائيل" من جهة ومصر والأردن وسوريا من جهة ثانية، باحتلال "إسرائيل" لأجزاء أوسع من الأراضي العربية كسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان، بعد أن تمكن الجيش الإسرائيلي من تدمير 80% من العتاد العسكري العربي وتهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

ساهم تدمير القوات الجوية المصرية والأردنية خلال الساعات الأولى للحرب في إحداث تفوّق جوي إسرائيلي كبير أمام الجيوش العربية المتقدمة، فآليات وإمدادات الجيش الأردني التي كانت تتقدّم نحو القدس تعرضت لهجوم جوي في وادي الأردن، ما أجبرها وقيادتها على التراجع بعد خسارة دباباتها في الطريق الواصل بين أريحا والقدس. 

كما شنّت القوات الإسرائيلية هجوماً على المواقع العربية شرق القدس، وسيطرت على الطريق الذي يربط القدس برام الله، كما سيطرت على جنوب المدينة لقطع الاتصال ببيت لحم، وبعد قرار القوات الأردنية بقيادة العميد عطا علي بالانسحاب وإعلانها عجزها عن مواصلة القتال، بدأ الانسحاب الأردني بشكل تدريجي فيما كانت القوات الإسرائيلية تتقدّم نحو البلدة القديمة. 

وفي صباح 7 حزيران/يونيو من ذلك العام، وبعد قصف جوي ومدفعي على المواقع الأردنية في حي الشيخ جراح، وقصف تلال القدس الشرقية وجبل الزيتون، وتطويق المدينة من جهتي الجنوب والشمال، سقطت المدينة بأحيائها وشوارعها بيد القوات الإسرائيلية ووصلت القوات الإسرائيلية إلى باحات المسجد الأقصى حيث أجرت احتفالاتها هناك، وبذلك تكون منطقة شرق القدس الشرقية صارت خالصة بيد الاحتلال.

  • احتفل الجنود الإسرائيليون باحتلال القدس في حرم المسجد الأقصى
    احتفل الجنود الإسرائيليون باحتلال القدس في حرم المسجد الأقصى

وبعد سيطرة "إسرائيل" على القدس، عمل الاحتلال على رفع المعدل السكاني بين اليهود المحافظين الذين يقطنون القدس، ومن خلال ثبيت الوجود الاستيطاني تمكنت "إسرائيل" من السيطرة على نحو 87% من مساحة الشطر الشرقي، وعملت على تهويدة بمحاولة رفع عدد السكان اليهود فيه بالنسبة إلى العرب، الأمر الذي وصف بأنه "حرب ديموغرافية" تستهدف النسيج السكاني الفلسطيني، كما وعمل الاحتلال على عزل الجزء الشرقي للمدينة عن باقي الضفة الغربية ببناء الجدار الفاصل.

صفقة القرن وضمّ القدس 

في 14 أيار/مايو 2017 افتتح الرئيس الأميركي سفارة لبلاده بالقدس المحتلة، في خطوة لم يجرؤ على اتخاذها أي من الرؤساء الأميركيين السابقين.

لكن نقل السفارة الأميركية إلى القدس لم يكن إلا خطوة تمهيدية للمشروع الأكبر المتمثل بما عرف بـ"صفقة القرن"، والتي تتضمن استمرار سيطرة الاحتلال على معظم الضفة الغربية، وضم الكتل الاستيطانية الضخمة غير الشرعية في الضفة الغربية إلى سيادتها وبقاء مدينة القدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية.  

وبحسب "صفقة القرن" تكون بلدة أبو ديس في جنوب شرق القدس المحتلة، والمطلة على مدينة القدس، مطروحة كعاصمة بديلة للدولة الفلسطينية المفترضة، أما مدينة القدس فستكون عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، كما ستضم العاصمة الفلسطينية بعض الضواحي النائية من القدس الشرقية المحتلة عام 1967.

وبما يخص المسجد الأقصى في القدس فسيبقى الوضع كما هو، لتواصل "إسرائيل" الإشراف على تسيير الشؤون الدينية للمسلمين والمسيحيين واليهود والديانات الأخرى.

خطوة الرئيس الأميركي التي لاقت ترحيباً كبيراً من حكومة الرئيس بنيامين نتنياهو ومجمل الأحزاب الإسرائيلية، تلقت انتقادات عدّة من دول ومنظمات عربية وغير عربية. 

  • الرئيس الأميركي أعلن عن
    الرئيس الأميركي أعلن عن "صفقة القرن" بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي

عربياً، رُفضت "الصفقة" التي عدّت "إجحافاً" بحقّ الفلسطينيين وحقوقهم، ودعت جامعة الدول العربية إلى "عدم التعاطي مع خطة السلام الأميركية"، وأكدوا حق دولة فلسطين بالسيادة على كافة أرضها المحتلة عام 1967.

كذلك رفض الاتحاد الأوروبي الخطوة الأميركية، فأعلن الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيف بوريل عن "التزام الاتحاد بحل الدولتين عن طريق المفاوضات، وعلى أساس حدود عام 1967"، مضيفاً أن مبادرة الولايات المتحدة "تبتعد عن هذه المعايير المتفق عليها دولياً".

والأهم من ذلك، هو المعارضة الفلسطينية الجامعة –على مستويي السلطة والفصائل- لمناقشة "صفقة القرن" والموافقة عليها، وعقدها سلسلة اجتماعات لبحث سبل النضال اللازم لوقف تمريرها. 

هذه الأمور كلها ساهمت بوقف تنفيذ "صفقة القرن" ودفعت إدارتي نتنياهو وترامب للبحث عن سبل أخرى تؤمن لهما مكاسب سياسية عاجلة، فكانت سلسلة التطبيع العربي الإسرائيلي. 

يوم القدس.. أمل بعهد جديد

بعد 6 أشهر من عودة السيد روح الله الخميني إلى طهران، وبالتحديد في شهر تموز/يوليو 1979، أصدر الخميني نصّ دعوة للعالم الإسلامي بتخصيص آخر يوم جمعة من شهر رمضان ليكون يوماً للقدس.

وقال في دعوته آنذاك: "أدعو جميع مسلمي العالم إلى اعتبار آخر جمعة من شهر رمضان المبارك التي هي من أيام القدر ويمكن أن تكون حاسمة في تعيين مصير الشعب الفلسطيني يوماً للقدس، وأن يعلنوا من خلال مراسم الاتحاد العالمي للمسلمين دفاعهم عن الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني المسلم". 

ومنذ ذلك الحين جرى إحياء يوم القدس بشكل عالمي، وبأشكال متعددة، حتى صار مناسبة جامعة إسلامياً بل تخطت العالم الإسلامي، تقام فيها التظاهرات والاحتجاجات والندوات والاحتفالات بهدف التذكير بحق الفلسطينيين والمسلمين بها وبكامل الأرض الفلسطينية.