حلف الناتو.. الخلافات تتجاوز سياسة الإدارة الأميركية

الرئيس الأميركي جو بايدن يقوم بجولة أوروبية يهدف عبرها إلى ترميم علاقة الولايات المتحدة مع حلفائها في "الناتو".. ما هي العقبات التي يمكن أن تحول دون ذلك؟

  • جو بايدن خلال وصوله إلى قمة حلف الناتو في بروكسل اليوم (أ ف ب)
    جو بايدن خلال وصوله إلى قمة حلف الناتو في بروكسل اليوم (أ ف ب)

بعد نحو 5 أشهر على توليه منصب الرئاسة الأميركية، بدأ الرئيس جو بايدن منذ أيام جولة أوروبية، بدأت من بريطانيا وستُختتم في سويسرا. جولة بايدن ليست عبثية، إذ يستهدف عبرها رأب الصدع في علاقة بلاده مع الأوروبيين، إثر الامتعاض من مواقف سلفه دونالد ترامب؛ مهمة معقدة تنتظر بايدن، برأي الكثير من المتابعين.

يستعدّ بايدن لإعادة صياغة علاقة بلاده مع دول حلف شمال الأطلسي، الذين يعيشون حالة خيبة أمل من الإدارة الأميركية السابقة. في كل مرة اجتمع فيها ترامب مع حلفائه الأوروبيين، كانت أجواء التوتر والتصعيد هي الطاغية، بسبب الخلافات على المصالح الاقتصادية والمالية، حيث سعت إدارة ترامب لفرض سياستها وخططها على دول الاتحاد الأوروبي، والعمل على جمع الأموال منها تحت ذريعة أنّ القوات الأميركية المتواجدة في أوروبا تحمي الأوروبيين أولاً من الخطر.

كما عملت إدارة ترامب على قاعدة أنّ الحلف "عفا عليه الزمن"، معتبرةً أنه يجب وقف إنفاق الأموال بشكل متزايد نيابة عن الدول التي يبدو أنها غير راغبة في تخصيص الموارد اللازمة، أو إجراء التغييرات التي تمكنها من الدفاع عن نفسها. اتهم ترامب الحلف والاتحاد الأوروبي باستغلال "الكرم الأميركي"، لا سيما مع ارتفاع حصّة الولايات المتحدة من الإنفاق الدفاعي للناتو إلى أكثر من 75 في المائة، في ظلّ وصول الدّين الأميركي إلى عتبة الـ20 تريليون دولار حينها.

إلا أنّ الأزمة التي يعيشها حلف الناتو اليوم هي أعمق مما تبدو، وأكثر من مجرد توتر علاقات بسبب السياسة التي انتهجها ترامب، لا سيما مع بروز ظاهرة "تفكك الغرب". 

تجدر الإشارة إلى أنّ مصطلح "تفكك الغرب" ظهر في التقرير السنوي الصادر عن مؤتمر ميونخ للأمن، وهو يشير إلى طريقة تصدّع التحالف الغربي القديم، لا سيما حلف الناتو، لدرجة أنّ أحداً لم يعد يستطيع التكلم عن "الغرب" ككيان موحّد.

 خلافات أوروبية-أميركية

  • مجموعة من زعماء الدول المشاركين في قمة حلف الناتو في بروكسل اليوم (أ ف ب)
    مجموعة من زعماء الدول المشاركين في قمة حلف الناتو في بروكسل اليوم (أ ف ب)

يعاني حلف الناتو من خلافات وانقسامات متزايدة على العديد من الجبهات، لا سيما في مواقف دوله من الصين التي يُنظر إليها على أنها خصم على غرار روسيا. وفي الوقت الذي حافظت فيه بعض القوى الكبرى في أوروبا، مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، على سياساتها المتشددة تجاه الصين، فإنّ كثيراً من الدول الأعضاء الأصغر والأكثر فقراً، بدأت تنظر إلى بكين باعتبارها مصدراً للتجارة ورؤوس الأموال التي تحتاجها هذه الدول بشدة.

فنجحت حكومة الصين وشركاتها في تنفيذ مئات المشروعات في أوراسيا في إطار مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ في عام 2013، كما تُموّل الصين مشروعات طرق سريعة وخطوط سكك حديدية بين دول البلقان والمجر. وما أزعج الناتو أيضاً هو تحقيق الصين نجاحاً كبيراً في سوق الدفاع الأوروبية، مع شراء صربيا 6 طائرات من دون طيار صينية الصنع، ليصبح بذلك الجيش الصربي أول جيش أوروبي يستخدم الطائرات القتالية الصينية من دون طيار.

إلا أنّ الأمر لا يقتصر على اختلاف سياسات دول الناتو مع الصين، بل حتى مع روسيا لم تعد المواقف متوحدة. فألمانيا باتت على عتبة إنهاء مشروع "السيل الشمالي-2"، والذي ستحصل بموجبه على الغاز من روسيا. بطبيعة الحال، أثار هذا المشروع غضب الولايات المتحدة، بحجّة أنه سيزيد من اعتماد الأوروبيين على الغاز الروسي، وسيعزّز بالتالي نفوذ موسكو، مما دفع الجانب الأميركي لفرض عدة حزم من العقوبات على المشروع، كما أنها تهدد الشركات المشاركة فيه بعقوبات جديدة. وفي هذا السياق، ستقوم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بزيارة قريبة إلى واشنطن لتسوية الخلاف حول تنفيذ المشروع. 

لكنّ ألمانيا ليست الوحيدة التي أثارت سخط الطرف الأميركي، فقد اشترت تركيا منظومة الدفاع الجوي "إس-400" من روسيا، وذلك على الرغم من اعتراض واشنطن. ونتيجةً لذلك، فرضت إدارة ترامب عقوبات على أنقرة بسبب شرائها المنظومة الروسية، وذلك بموجب قانون مواجهة خصوم أميركا من خلال العقوبات "كاتسا". وبعد رحيل ترامب، اشترطت إدارة بايدن على تركيا الحصول على تأكيد خطي بعدم إدخال منظومة الصواريخ الروسية في الخدمة، لرفع العقوبات عنها، إلا أنّ الجانب التركي غير مهتم حالياً بالمقترحات الأميركية، بحسب ما كتبت الصحافة التركية.

تباينات في الأولويات الأوروبية

أكثر الخلافات المقلقة للناتو ليست بينه وبين خصومه، بل داخل دول الحلف أنفسهم، لا سيما الأوروبيين؛ فتركيا واليونان يعانيان خلافاً كبيراً على خلفية حقوق النفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً في محيط الجزر اليونانية وساحل قبرص. وأدى اكتشاف احتياطات غازية في شرق المتوسط خلال الأعوام الماضية إلى تصاعد هذا التوتر بين الدولتين، لجهة تحديد حدودهما البحرية. 

لكن الصراع الجيوسياسي لم يقتصر على دولتين فقط من دول الناتو، بل دخلت فرنسا الصراع أيضاً بعد إرسالها سفناً حربية لمؤازرة أثينا، لتعزز بذلك وجودها العسكري في شرق المتوسط. وهكذا بات 3 من الدول الأعضاء في الناتو في مواجهة عسكرية وشيكة.

وبحسب مراقبين فقد باتت المصالح الوطنية الخاصة بكل دولة ترجح استمرار حالة الانقسام داخل حلف الناتو، ليصبح الأخير بذلك مهدداً من الداخل.

لا شكّ أنّ حلف الناتو اليوم بات في وضعٍ لا يحسد عليه، إذ إنّ الخلافات التي يعيشها أعضاؤه باتت أكثر من الإنجازات والعمليات العسكرية التي قام بها الحلف على مدار السنوات الأخيرة. بالنسبة لبايدن، المهمة ستكون أكبر من مجرد ترميم أو معالجة الندوب التي خلفتها إدارة ترامب، في ظل التحذيرات الأوروبية المستمرة بضرورة حلّ الحلف لخلافاته الداخلية للتمكن من إعادة بناء نفسه.