الشباب الإيراني.. الدور التاريخي والواقع اليوم

تشكل شريحة الشباب في إيران شريحة وازنة في مجتمع يتمتع بمعدل عمري صغير.. هنا إضاءة على أبرز المحطات التي ساهم الشباب بصناعتها في التاريخ الإيراني الحديث، منذ الثورة وحتى اليوم.

  • الشباب الإيراني.. الدور التاريخي والواقع اليوم
    تتضاعف أهمية فئة الشباب ويتعاظم دورها عندما تقترن حماستها بالوعي والتعليم

تشكّل فئة الشباب الشريحة الأكثر فاعلية في أي حراكٍ شعبي أو اجتماعي، لما يتمتع به أفرادها من حماسة وقدرة على المبادرة والتنفيذ. وتتضاعف أهمية هذه الفئة ويتعاظم دورها عندما تقترن حماستها بالوعي والتعليم، اللذين يمكنهما توجيه مبادراتها في الاتجاه السليم، ويضمن تنفيذها على أحسن وجه.

وفقاً لتقريرٍ أورده المركز الإيراني للإحصاء في العام 2020، قُدِّر عدد السكان بنحو 84 مليون نسمة، بلغت نسبة الذين هم دون سن الـ 30 بينهم 50%، أما الذين تتراوح أعمارهم بين الـ 15 والـ 29 فبلغت نسبتهم 25%، فيما فاق عدد الطلاب الجامعيين 4 مليون طالب في مختلف التخصصات.

هنا محاولة للإضاءة على أهم المحطات في التاريخ الإيراني الحديث، التي ساهم شباب هذا البلد في صناعتها:

أزمة الدبلوماسيين الأميركيين

  • الشباب الإيراني.. الدور التاريخي والواقع اليوم
    كان عددٌ من الطلاب الجامعيين هم المجموعة التي تزعمت المتظاهرين وتولّت أمر احتجاز الرهائن

الحدث الأول والأبرز هو اختطاف طاقم السفارة الأميركية في طهران في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1979. حيث اقتحم متظاهرون إيرانيون مبنى السفارة الأميركية في العاصمة، واحتجزوا 98 شخصاً كانوا متواجدين فيها كرهائن. كان عددٌ من الطلاب الجامعيين هم المجموعة التي تزعمت المتظاهرين وتولّت أمر احتجاز الرهائن، ثم الإفراج التدريجي عمّن يعانون من أمراض ومنهم نائب القنصل، ومن لم يجدوا علاقةً بينهم وبين الدور التجسسي الذي كان يمارسه عدد من أفراد البعثة الدبلوماسية، بحسب معلومات عثروا عليها في وثائق السفارة.

دامت أزمة الرهائن مدة 444 يوماً، سعت الولايات المتحدة خلالها لتحريرهم بكافة الوسائل، فكان هناك خطة للقيام بعملية عسكرية إلا أنها ألغيت. ثم لمّحت إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر إلى قيامها بحصار بحري، فهدّدت قوات الثورة بقتل الرهائن في حال حدوث أي تحرّك عسكري، لجأت أميركا أخيراً إلى سلاح العقوبات الاقتصادية فتوقفت عن استيراد النفط الإيراني، الذي كان يُورّد بموجب اتفاقيات موقّعة مع نظام الشاه، بالإضافة إلى الضغط من خلال عقوبات أخرى.

وعلى الصعيدين الدبلوماسي والقضائي، قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وطردت 35 دبلوماسياً كانوا لا يزالون في واشنطن، كما صوّت مجلس الأمن الدولي بالإجماع على قرار يطالب إيران بإطلاق سراح جميع الرهائن، ودعت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ومحكمة العدل الدولية للقيام بالأمر ذاته.

لم تصل هذه الأزمة إلى نهايتها إلا بتاريخ 19 كانون الثاني/يناير 1981، مع إفراج الولايات المتحدة عن الأموال الإيرانية التي جمّدتها في بنوكها بعد انتصار الثورة الإسلامية، مقابل إطلاق سراح الرهائن.

ولعبت هذه الأزمة دوراً مؤثّراً في هزيمة الرئيس جيمي كارتر في الانتخابات الرئاسية الأميركية، بعد انتهاء ولايته الأولى.

الحرب الإيرانية العراقية

  • جنود إيرانيون خلال الحرب مع العراق
    جنود إيرانيون خلال الحرب مع العراق

قبل وصول أزمة الرهائن إلى خاتمتها، قامت قوات الجيش العراقي بغزو إيران، في أيلول/سبتمبر من العام 1980.

الجيش الإيراني الذي كان في طور التأسيس بعد الثورة، تألّف في أغلبيته الساحقة من الشبان الذين يعانون من الإفقار والتهميش، والذين انتفضوا ضد حكم الشاه، ثم وجدوا أنفسهم بعد أشهر قليلة يدافعون عن بلدهم في وجه غزو الجار الغربي، المتمتّع بجيش كبير العدد، جيّد التجهيز، ذي خبرة أكبر ودعم مفتوح تقدمه دول الخليج العربية.

كان الشباب هم نواة الجيش الإيراني والقوات التي تولت مهمة التصدي للغزو، وقد بلغ عدد الضحايا الإيرانيين في هذه الحرب نحو 120 ألف جندي إيراني غالبيتهم العظمى من الشباب، واستمرت 8 سنوات، لتكون الحرب الأطول في القرن الـ 20.

الترميم بعد رحيل الشاه وانتهاء الحرب

لم يُتَح لقوى الثورة، التي استلمت بلداً واسعاً ومستهلك الموارد إثر عقودٍ من حكم الشاه، إعادة بنائه وفق رؤيتها الاقتصادية وإطاراتها التنظيمية والمؤسساتية. بعد الحرب ازداد الدمار وتراجعت الإمكانيات الاقتصادية، إذ صار البلد مديوناً بسبب المصاريف العسكرية، فازدادت الحاجة إلى إعادة إعماره وتنظيمه.

كان دور الشباب الإيراني في هذا المجال مفصلياً، على صعيدَيّ التخطيط العلمي واليد العاملة، حيث ساهموا يداً بيد في النهوض بالبلد الذي صار يحتل اليوم مكانة علمية مرموقة، ويضطلع بدور إقليمي ودولي لم يكن لدولة أن تصل إليه خلال 40 سنة من حكمِ نظامٍ مختلفٍ كلياً عمّا سبقه، لولا الاعتماد بشكل أساسي على قوى شبابية ذات تكوين علمي وشعور وطني.

شكل الشباب في هذه المرحلة القوة العاملة الأساس في تطوير الصناعات والنهوض بالزراعة، وأيضاً بالعمل على ضخ كفاءات علمية في مختلف المجالات الاقتصادية التي رممت الاقتصاد ودفعت بإيران قدماً نحو دور إقليمي وعالمي متقدم.

الدور السياسي

تُعتبر التكتلات الطلابية روحًا ومنشّطاً للفعاليات السياسية، فهي تساهم من جهة من خلال منشوراتها والوسائل الإعلامية التي شكّلتها (مثل الوكالة الطلابية "إيسنا")، في نقل الواقع السياسي وانتقاده، كما تسهم من خلال اجتماعاتها الدورية في جذب الشباب ومساعدتهم على فهم هذا الواقع والمشاركة فيه، سواء عبر انضمامهم للتكتلات أو عبر إرساء توجهاتهم من خلال ما تنشره. 

تتعدد التكتلات الطلابية التي تنشأ وتمارس دورها داخل الجامعات الحكومية والخاصة. ويشارك أعضاؤها كمنسقين في الحملات الانتخابية إلى جانب المرشح الذي يجدون فيه ممثلاً لطموحاتهم وآرائهم، وخاصة من يطرح خططاً لتوظيفهم سواء كانوا خرّيجين جامعيين أو مهنيين وأصحاب حرف، في المؤسسات والإدارات العامة وفي سوق العمل عامّةً، لا سيما وأنهم شريحة انتخابية عريضة، وهذا ما راعاه المرشحون الحاليون للانتخابات الرئاسية خلال المناظرات الثلاث العلنية. 

يُذكر أن المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي يحرص بشكل متواتر على إقامة جلسات مع الشباب، يستطلع خلالها آراءهم وتطلعاتهم وانتقاداتهم، ويعمل على نقلها وإيصالها إلى المؤسسات والجهات المعنية.