أيّ أثمان للتطبيع الإماراتي مع "إسرائيل"؟

في تقرير أعده مركز "كارنيغي"، بحث أكاديميان غربيان في دور دبي في التدفّقات المالية العالمية وغير المشروعة. ويحدّد التقرير 3 مسائل رئيسة، يعتبرها الغرب محاور التورط الإماراتي في الفساد العالمي.

  • تقود الإمارات جهود التطبيع بقوة حتى باتت السعودية متأخرة عنها في هذا المجال
    تقود الإمارات جهود التطبيع بقوة حتى باتت السعودية متأخّرة عنها في هذا المجال

سارع حكّام دولة الإمارات إلى تهنئة الرئيس الإيراني المنتخَب إبراهيم رئيسي قبل رؤساء المنطقة جميعاً. وفي الوقت نفسه، كانت الدّولة الخليجيّة تستعدّ لاستقبال وزير الخارجية الإسرائيلي، وافتتاح مقرَّي السفارة والقنصلية الإسرائيليتين في أبو ظبي ودبي.

لم تكن هذه الخطوة مستغرَبة، بالنّسبة إلى الدولة التي يبدو أنها تعاني، للوهلة الأولى، انفصاماً في السياسة الخارجيّة، بين رفع راية التطبيع مع "إسرائيل"، والحرص على علاقات جيدة بإيران، لا حباً بها، بل خشيةً من امتداد النيران، التي ساهم حكّام الإمارات أنفسهم في إشعالها في اليمن تحديداً، إلى أبراجهم التجارية – الزجاجية. لكنّ التدقيق في سياسات الإمارات، الداخلية والخارجية، يرفع أيّ ضبابية عن حقيقة سلوكها. فالدولة، التي نالت استقلالها قبل 50 عاماً، تؤدي وظيفة أمنية استراتيجية بامتياز.

تتحدَّث التقارير الأميركية والغربية عن الدور الإماراتي في المنطقة، فضلاً عن عدد من التحقيقات الاستقصائية الدولية، التي تتابع عمليات غسل الأموال عبر العالم، والتي تحلّ فيها الإمارات غالباً محطةً يتم من خلالها كثيرٌ من العمليات. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الإمارات تحرص على تقديم نفسها على أنها منضوية تحت سقف كل القوانين والتشريعات الدولية.

وفي تقرير أعدّه كل من ماثيو بايج وجودي فيتوري لمركز "كارنيغي"، في تموز/يوليو 2020، بحث الأكاديميان الغربيان في دور دبي في التدفّقات المالية العالمية غير المشروعة. ويحدد التقرير 3 مسائل رئيسة، يعتبرها الغرب محاورَ التورط الإماراتي في الفساد العالمي:

- 1، اعتماد اقتصاد إمارة دبي تحديداً على التدفقات المالية العالمية غير المشروعة، والجريمة المنظَّمة، وتمويل النزاعات، والأنشطة الإشكالية الأخرى، مثل الإتجار بالبشر، مع لَحْظ أن دبي تستفيد، بصورة كبيرة، من علاقتها بإمارة أبو ظبي في أداء هذا الدور. 

تستفيد دبي، على نحو كبير، من هامش حدَّدته لنفسها في تعاملاتها التجارية. على سبيل المثال، على الرغم من أنَّ دولاً كثيرة اتَّخذت إجراءات صارمة ضد الذهب والمعادن المتنازعة، فإنَّ دبي لا تنظّم فقط سلسلة توريد الذهب الخاصّ بها، بل تعيد أيضاً تصدير هذا الذهب دولياً، الأمر الذي يمنحها شهادة نظيفة. ويشير التقرير الأميركي إلى ما حدث منذ ما يقارب عقدين من الزمن، عندما تم تحويل عائدات الفساد بمليارات الدولارات من أفغانستان إلى دبي.

تُوَضِّح هذه الإشارة عدداً من قضايا التمويل غير المشروع، والتقارير الموثوقة، والتي تسلّط الضوء على التلقيح المتبادَل للإجرام والإرهاب والإتجار بالبشر، بين أفغانستان ودبي. 

بالنظر إلى المستقبل، يرى التقرير الأميركي أن الركود العالمي، الناجم عن جائحة "كوفيد 19"، والذي يتفاقم إقليمياً بسبب الانخفاض الحاد في أسعار النفط الخام، سيُبقي دبي أكثر اعتماداً على الممارسات التجارية المشكوك فيها، والتدفّقات المالية غير المشروعة.

- 2، ينفق حكام الإمارات أموالاً طائلة لتحسين صورتهم الإعلامية حول العالم. تشمل هذه الأموال رعاية علامات تجارية رائدة. وتخدم الحملات الإعلامية غير المباشِرة مصالح الإمارات. على سبيل المثال، على الرّغم من تورط الإمارات الكبير في اليمن، فإنَّ الصورة الإعلامية العالمية للحرب تحتلّها السعودية وحدها. 

ويورد التقرير الأميركي أرقام المبالغ المالية التي دفعتها الإمارات إلى شركات علاقات عامة وجماعات ضغط في الولايات المتحدة، بهدف تعزيز صورة البلاد وحكّامها. وفي مقابل السخاء المالي في الإعلام، يشير التقرير الأميركي إلى أن الصحافة الحرة، والنقد، والمعارضة، والأحزاب السياسية، جميعها ممارسات محظورة في الإمارات، التي تتغنّى بالرفاهية. كما أن إنفاقها مبالغ طائلة من الأموال هدفه التعمية على ممارسات غير ديمقراطية، وغير قانونية أحياناً.

- 3، تمتلك الإمارات أجهزة أمنية ناشطة في الداخل والخارج، وهي قادرة على ضبط أيّ نشاطات مشبوهة، لكنها ببساطة لا تفعل. تطبيق القوانين، بصورة انتقائية، مسألة أخرى يقف عندها الغرب عند التعامل مع الإمارات. على سبيل المثال لا الحصر، تمتلك الإمارات نظام تجسس متطوراً للغاية، يسمح لها باعتراض أيّ بيانات عبر الإنترنت والهواتف الخلوية. لكنها تتغاضى، على الرغم من ذلك، عن كثير من النشاطات غير القانونية، كالتدقيق في التدفقات المالية العالمية غير المشروعة، والتي تمر بصورة رئيسية في دبي، باعتبارها "جنة" لشبكات دولية إجرامية.

عودٌ على بدء: تقود الإمارات جهود التطبيع بقوة، حتى باتت السعودية متأخرة عنها في هذا المجال، على الأقل إعلامياً. تغاضي الغرب عن كثير من ممارسات الإمارات غير القانونية، هو، في جزء منه، ثمن التطبيع مع "إسرائيل"، والذي لا يستسيغه جميع الإماراتيين، الممنوعين أصلاً من التعبير عن آرائهم بحرية، في القضايا السياسية. لكنّ هذا الثمن الباهظ يفرز أضراراً جمّة، في المديين المتوسط والبعيد:

أولاً، اعتماد "إسرائيل" على الساحة الإماراتية، أمنياً واقتصادياً، سيُثير حساسيات مع دول الخليج الأخرى، وفي مقدمتها السعودية، ثم قطر، التي لم تصلح علاقتها بعدُ بالإمارات، ولا يزال التراشق الإعلامي بين الطرفين مستمراً.

ثانياً، تحوّل الإمارات إلى قاعدة متقدمة لـ"إسرائيل" في الخليج، سيؤدي حُكماً إلى تورُّطها في صراعاتها الإقليمية. 

وحتى موعد الاختبار الحقيقي لقدرة الإمارات على تحمّل خياراتها، متمثّلةً بالتطبيع مع "إسرائيل"، يستمرّ حكام هذه الدولة في اللَّعب على المتناقضات الجوهرية في الشرق الأوسط.